ثقة المستهلك الأمريكى فى ظل حرب تجارية وأجازات رأس السنة

تصنيف وسطاء الفوركس 2020:
  • EvoTrade
    ☆☆☆☆☆
    ★★★★★
    EvoTrade

    الرائد في سوق الخيارات الثنائية!

  • FinMaxFX
    FinMaxFX

    أفضل وسيط فوركس لعام 2020!
    الخيار الأمثل للمبتدئين!
    تدريب مجاني!
    حساب تجريبي مجاني!
    مكافأة على التسجيل!

Contents

ثقة المستهلك الأمريكى فى ظل حرب تجارية وأجازات رأس السنة

توقع ثقة المستهلك الأمريكى

ثقة المستهلك الأمريكى يوافق غدا الموافق 31/12/2020 اخر يوم فى العام الحالى والذى

يعد هذا أحد أهم المؤشرات الاقتصادية الهامة التى تؤثر فى اسعار الدولار الأمريكى

والاقتصاد الامريكى لما يعكسه من مستوى ثقة الافراد فى النشاط الاقتصادى. والذى يخفى

عن البعض من متابعين هذا المؤشر الاقتصادى انه عبارة عن مسح لحوالي 5000 أسرة

حيث يطلب من المشاركين تقييم الأحوال الاقتصادية الحالية وتوقعاتهم المستقبلية وتتضمن

التساؤلات مدى توافر العمالة وظروف الأعمال والوضع الاقتصادي بشكل عام من وجهة

نظر هذه الأسر. تؤثر ثقة المستهلك تأثيرا قويا على الأسواق المالية سواء سوق الأسهم أو

السندات حيث يمثل الإنفاق الاستهلاكي ثلثي النشاط الاقتصادي. وإذا كان المستهلك غير

تصنيف وسطاء الفوركس 2020:
  • EvoTrade
    ☆☆☆☆☆
    ★★★★★
    EvoTrade

    الرائد في سوق الخيارات الثنائية!

  • FinMaxFX
    FinMaxFX

    أفضل وسيط فوركس لعام 2020!
    الخيار الأمثل للمبتدئين!
    تدريب مجاني!
    حساب تجريبي مجاني!
    مكافأة على التسجيل!

واثق في النشاط الاقتصادي فلن يقوم بشراء السلع. لذلك تؤثر الثقة على الإنفاق الاستهلاكي

الذي يؤثر بطبيعة الحال على النمو الاقتصادي. وبالنسبة لأسواق الأسهم ينعكس النمو

الاقتصادي القوي في تحسن أرباح الشركات وارتفاع أسعار الأسهم. أما بالنسبة لسوق

السندات فيركز على النمو الاقتصادي وهل يسير بشكل جيد يؤدي للتضخم أم لا. وغالبا

ما يكون هناك حدا فاصل لسير الاقتصاد نحو نمو وقوي ونمو مفرط. ونتيجة لأهمية

المستهلك بالنسبة للاقتصاد تحرص الأسواق دائما على معرفة توجهات المستهلك

في المستقبل القريب. فكلما زادت ثقة المستهلك في الاقتصاد كلما زاد إنفاقه. يعتبر

ارتفاع القراءة إيجابيًا للدولار، فيما يعتبر تراجعها سلبيا للدولار. تصدر نتيجة هذا

المؤشر بصفة شهرية في يوم الثلاثاء الأخير من الشهر.

كن انت من يكتب التحليل الفني .. بادر بالاشتراك في احدي دورات التعليمية للتحليل الفني.

ثقة المستهلك الأمريكى فى ظل حرب تجارية وأجازات رأس السنة

تأثير مؤشر اسعار المستهلكين فى ظل حالة القلق بسبب التأثيرات السلبية التي يمر بها الاقتصاد العالمى لتداعيات فيروس كورونا وبسبب استمرار الإصابات والوفيات التي مازالت تحدث في العالم هناك تغيرات

نتيجة مبيعات التجزئة الامريكية لشهر فبراير فى ظل خفض الفيدرالى لأسعار الفائدة.

نتيجة مبيعات التجزئة الامريكية غدا الثلاثاء الموافق السابع عشر من فبراير يصدر مكتب الاحصائيات الأمريكى تقرير مبيعات التجزئة عن شهر (فبراير) لكى يعلن فيه عن التغير الشهري في القيمة

قرار الفائدة الاوروبية بين التثبيت والتحفيز بسبب كورونا

قرار الفائدة الاوروبية بين التثبيت والتحفيز بسبب كورونا يجتمع اليوم الخميس الموافق الثالث عشر من مارس لعام 2020 البنك المركزي الأوروبي لتحديد سعر الفائدة قصيرة المدى وتصدر نتيجة هذا الاجتماع

نتيجة مؤشر اجمالى الناتج المحلى فى ظل التحركات العنيفة للأسواق العالمية.

نتيجة مؤشر اجمالى الناتج المحلى فى ظل التحركات العنيفة للأسواق العالمية. نشهد غدا الثلاثاء الموافق العاشر من مارس لعام 2020 إعلان قيمة إجمالي الناتج المحلي في المملكة المتحدة عند الحادية

مبيعات التجزئة الاسترالية بعد تخفيض الفائدة وسيناريو الصعود.

مبيعات التجزئة الاسترالية. نتابع غدا الجمعة الموافق السادس من مارس للعام الجاري 2020 فى تمام الثانية والنصف صباحا بتوقيت القاهرة (GMT +2) الإعلان عن نتيجة “مبيعات التجزئة” الاسترالية أو المعروف

تأثير نتيجة مؤشر ثقة المستهلكين الامريكية ونظرة إيجابية على الدولار.

ثقة المستهلكين الامريكية وايجابية تنتظر الدولار تصدر غدا مؤسسة “كونفرس بورد” الثلاثاء الموافق الخامس والعشرون من فبراير لعام 2020 فى تمام الساعة الخامسة بتوقيت القاهرة (GMT+2) نتيجة مؤشر ثقة المستهلكين

السعر بعد البريكست وتوقع تأثير نتيجة المؤشر مبيعات التجزئة

السعر بعد البريكست وتوقع تأثير نتيجة المؤشر مبيعات التجزئة نتابع غدا الجمعة القادم الموافق 21 من فبراير للعام الجاري فى تمام الحادية عشر والنصف صباحا بتوقيت القاهرة (GMT +2) الإعلان

اعانات البطالة البريطانية وتأثيرها على الجنيه الاسترلينى هذا الاسبوع

اعانات البطالة البريطانية وتأثيرها على الجنيه الاسترلينى هذا الاسبوع يصدر غدا الثلاثاء الموافق الثامن عشر من فبراير مكتب الإحصاء البريطاني في تمام الحادية عشر صباحا بتوقيت القاهرة (GMT +2) مؤشر

مبيعات التجزئة الامريكية وضعف الدولار

مبيعات التجزئة الامريكية وضعف الدولار غدا الجمعة الموافق الثالث عشر من فبراير يصدر مكتب الاحصائيات الأمريكى تقرير مبيعات التجزئة عن شهر (يناير) لكى يعلن فيه عن التغير الشهري في القيمة

اعلان إجمالى الناتج المحلى لبريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الاوروبى

اعلان إجمالى الناتج المحلى لبريطانيا نشهد غدا الثلاثاء الموافق الحادى عشر من فبراير لعام 2020 إعلان قيمة إجمالي الناتج المحلي في المملكة المتحدة عند الحادية عشر والنصف صباحا بتوقيت القاهرة

الشركات أم البنوك ؟! أين وكيف وأيهما الافضل لفتح حساب تداول

احصل علي الاجابة بما تتوافق مع هدفك الاستثماري مع محمود حسن – الخبير المالي

تقارير فنية واقتصادية

التحليل الفني الأسبوعى …. ترقب بيانات التوظيف الأمريكي

اسعار العملات | هبوط قوية في انتظار الدولار الأمريكي امام الفرنك السويسرى

صمود الين الياباني و قرار الفيدرالي اليوم | التحليل الأسبوعي الفني

مؤشر واكسبرت حورس

كل ما يحتاجه المتداول

العروض

تاريخ تداول البترول واهم المحطات السعرية التى أثرت على اسعاره.

نتعرف فى هذا الويبينار على مجموعة من المعلومات التاريخية والمستقبلية التى سوف تؤثر على اسعار البترول كما سنتعلم ما الفرق بين انواع البترول العالمية وما الفرق بين الاسعار الحقيقية واسعار العقود الاجلة.

عناصر الويبينار :
1-معرفة تاريخ تداول البترول واهم الدول المتحكمة فى صناعته.
2-معرفة الفرق بين انواع الخام البترولى فى العالم.
3-معرفة ما اذا كان هناك علاقة بين اسعار الذهب واسعار البترول
4-ما هى علاقة البترول بالدولار الكندى.
5-نستكشف سويا اسباب التغيرات السعرية القوية التى حدثت ونتوقع ما سيشهده البترول الفترة القادمة.

مدرسة تعليم الفوركس

الجهة القانونية

وثق كافة تعاملاتك وعقودك في البنوك، بالإضافة الي رفع دعوات قضائية بحالة النزاع ، سجل بالقسم القانوني الان

 قضايا

أحزاب ما بعد الحداثة

سألني أحد الأصدقاء ما المقصود بـ (ما بعد الحداثة)، وهل هناك سياسة تدخل في هذا المفهوم؟.

أقول: نعم يا صديقي إن ما بعد الحداثة، هي نظام اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي يسود العالم اليوم، أفرزته تلك التحولات غير العقلانية لما يسمى بالنظام العالمي الجديد.

ففي هذا النظام العالمي الجديد، فقد العالم توازنه المادي والروحي، واصبحت الشعوب فيه تعيش حالات من الضياع القومي والوطني والأخلاقي.. فكل شيء رُسمت له نهايات في هذا العالم.، نهاية التاريخ.. ونهاية الدولة.. ونهاية المواطنة.. ونهاية الدين. بل راحت سمات أخرى تلصق به، كالتفكيك والتذرير والموت.. فرحنا نسمع عن موت الفن، والأدب، والأخلاق والفضيلة، والدين، وعن تفكيك الدول المركزية وتذرير المجتمع. الخ. والسبب هو سيطرة نمط اقتصاد السوق المتوحش الذي لا يعرف من التنمية إلا الربح، دون النظر إلى القيم الإنسانية في هذه التنمية ودورها. وهذا النمط من التنمية راحت تقوده مجموعة من الشركات المتعددة الجنسيات التي يتحكم في إدارتها وآلية عملها كباتنة الرأسمال العالمي على مستوى العالم، ومن هؤلاء يأتي الكثير من ساسة وحكام دول العالم الثالث الذين سرقوا أموال شعوبهم ودخلوا عبرها مساهمين وشركاء في هذه الشركات التي غالباً ما تنال نتائجها السيئة شعوبهم بالذات من خلال الفسح في المجال واسعاً لهذه الشركات للمساهمة في استثمارات اقتصادية واسعة في بلادهم.

في النظام العالمي الجديد هذا، تغيب السمات العامة للدولة لتتحول إلى وسيلة بيد من يتحكم فيها لحماية مصالحهم، وهذا ما يتجلى واضحاً اليوم في الدول الأوربية وأمريكا.. فالدولة وكل إمكانياتها هي في خدمة مصالح الطغمة الاقتصادية من جيشها وإعلامها، وصولاً إلى أموالها تحت ذريعة حماية الأمن القومي.

إذن، إذا كانت هذه هي المعطيات العامة لما بعد الحداثة في الجانب الاقتصادي، وما يقوم على هذه المعطيات من نتائج أشرنا إليها أعلاه. فما هي النتائج السياسية التي يفرزها هذا النظام على المستوى العالمي بشكل عام، وعلى المستوى الداخلي للدول بشكل خاص.؟.

إذا كان الخطاب السياسي على المستوى العام يتمثل في سيطرة الدول العظمى على السياسة الدولية وخاصة سيطرة الدول القويّة منها كالولايات المتحدة، مستغلة قوتها المادية والعسكرية في تحقيق ما تريد على حساب بقية الدول، من خلال آلية عمل وسياسات قهرية ورضائية، كفرضها العقوبات، أو منحها المساعدات على هذه الدولة أو تلك، أي اتباع سياسة الترهيب والترغيب، موظفة في هذه السياسات المؤسسات الدولية تحت اسم العدالة والحرية والديمقراطية، ويأتي في مقدمة هذه المؤسسات مجلس الأمن، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومحكمة العدل الدولية، ومجلس حقوق الإنسان.. وغيرها، وهذا ما يساعدها أيضاً على تثبيت الحكومات الموالية لها والمنفذة لمصالحها في دول العالم الثالث مهما تكن طبيعة هذه الأنظمة، جمهورية كانت أم ملكية، ذات توجه رأسمالي كانت أم اشتراكي، بغض النظر عن درجة عدالة هذه الحكومات اتجاه شعوبها.

عموماً. إن السياسة الداخلية في الدول العظمى تقوم على حزبين رئيسين غالباً ما يتداولان السلطة، وكلاهما يعملان بالضرورة لمصلحة القوى الطبقية المتحكمة باقتصاد هذه الدول، ويأتي على رأسها كبار أصحاب الشركات الكبرى.

أما على مستوى سياسة دول العالم الثالث، فغالبا ما نجد أنظمةً أو حكوماتِ ملكية وراثية يسيطر فيها الملوك والأمراء وحاشيتهم على كل شيء في الدولة، يقابلها أنظمة جمهورية تدعمها أحزاب شعبوية، تفتقد بالأساس إلى مشاريع فكرية حقيقة ذات بنية طبقية وتنظيمه واضحة المعالم، فهي كـ (خرج العطار) تجد فيها كل ما تريد، فهناك في بنيتها التنظيمية تجد عمال وفلاحين وطلاب وعسكر وبرجوازية صغيرة وكبيرة غالباً ما تكون طفيلية، وبقايا من رجالات الاقطاع. يتبع هذه الأحزاب منظمات شعبية تفتقد أساساً لحريتها في التعبير عن مصالحها، فهي ليست أكثر من حزام ناقل للسلطة المركزية في الحزب والدولة. وعلى المستوى التعليمي، تجد في البنية التنظيمية لهذه الأحزاب، من الأمي أو الذي فك الحرف، إلى من يحمل أعلى الدرجات العلمية. أما على المستوى الثقافي، فهناك غياب واضح ومخجل في معرفة البنية الفكرية عند الكثير من مكونات البنية التنظيمية لهذه الأحزاب، لذلك لا نستغرب أن نجد فيها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، حيث تجد فيها المتدين الساذج، وفيها السلفي الأصولي والصوفي الذي يحارب العقل ويعتمد على النقل، وتجد فيها المسلم الاصلاحي، وتجد فيها اليساري والليبرالي والانتهازي والوصولي الذي لا ينتمي أصلاً لأي فكر عدا انتمائه لمصالحه وهم الأكثرية. هذا عدا عن القول، بان هذه الأحزاب كثيراً ما تطرح قضايا فكرية وتنظيمية واقتصادية تتناقض مع أهدافها أو الخطوط الاستراتيجية لبنيتها الفكرية وأهدافها عند الحاجة أو حسب الظروف الدولية والاقليمية.. فالتكتيك يتحول عندها إلى استراتيجية، هذا عدا التناقض الصارخ في شعاراتها، كأن تطرح الليبرالية في الوقت الذي ترفع فيه شعار الاشتراكية.. أو تطرح فيه اقتصاد السوق، في الوقت الذي تطرح شعارات الاقتصاد الصغير والمتوسط، أو تدعي العلمانية في الوقت الذي تحاصر فيه المفكرين العقلانيين العلمانيين وتفسح في المجال واسعاً لرجال الدين والمؤسسة الدينية أن تمارس نشاطها بكل حرية.

عموماً هي تحمل أيضاً شعارات وأهداف ذات بعد وطني أو قومي أكبر من إمكانياتها التنظيمية والفكرية.. لذلك غالباً ما نجد بنيتها التنظيمية مهزومة ومنخورة بالفساد والخيانة لأهدافها من الداخل، وعاجزة عند الأزمات عن حماية نفسها هي بالذات، بل إن قسماً كبيراً جداً من بنيتها التنظيمية يتحول إلى تيار الثورات المضادة للحزب أو الدولة. إنها أحزاب ما بعد الحداثة.

كاتب وباحث من ديرالزور سورية.

الأمتحان الصعب.. من هو المؤهل لدخولهِ؟

سَئلنا التاريخ فقلنا له: ان القصص القرآنية حدثتنا عن الخلل الكبير الذي حدث في موازين الحياة عند الشعوب في غابر الازمان؟ فهل ما يحدث اليوم هي الاحداث تأتي متشابهة في زمن مختلف؟ فيرد علينا قائلاً ان القصص القرآنية هي من الجزء المتغير من تراكم الاحداث الانسانية، وهي تجارب الشعوب التي سبقت الاديان السماوية واحداثها حصلت فعلا من جراء تجاوز الانسان على الحقوق في ذاك الزمان، وهي عضات وعِبرلمن يأتي بعده من بني الانسان.. لا يمكن تركها فهي تاريخهم المكتوب، لذا اعتبرها القرآن حقيقة لا مناص من الاعتراف بها، فقال عنها: “نحن نقص عليكم نبأهم بالحق،الكهف 13.. ” أي كيف ما كانت وحدثت.. ويقول:” ان الحُكم الا لله يقصُ الحق وهو خير الفاصلين الانعام 57″.أي هو الذي أوردها عنهم وليس هو منشئها حين وصفها بطابع العدل والحق كما يريدها.. لتكون عبرة لمن يأتي بعدها. ”

اذن فقد كان التعمد في الخطأ في مسار الفكر الانساني هو من صنع الانسان الأول حين تخلى عن القيم والمبادىء.. ولم يستجب لعدم ادراكه ما ارادته الطبيعة ان يعمل به وفق الصراط المستقيم التي أمرته ان لا يأكل حقوق الناس بالباطل،ولا يظلم احد، ولا يقتل احد دون فساد في الارض لانها تتنافي وموازين الحياة.. هذه ثوابت طبيعية جاءت بأقوال حدية يحرم على الانسان تجاوزها. أي هي.. “دائرة محرمة مغلقة “لذا.. فلفظة الحقوق الآلهية تعبرعن فكرة وتؤدي غرضا ابلاغيا لا يرد.. سماها القرآن لاحقاً بالقصص القرآنية.

رؤية جديدة تطرحها كتب السماء للبشرية ليتبصروا فيها ولأداء الحقوق بين الحاكم والمحكوم وبين الناس بعد ان مرت البشرية بعهود الظلام.. .نظرية آلهية جاءت لاحقة لخط تطور التاريخ.. فكيف لوتم الاعتداء عليها..؟.. أكيد يكون الانتقام ممن َظلم.. أشد وأمَر..

ثم جاءنا القرآن ليعرض علينا هذه القصص والتحذير مما حدث بأسلوب النُذر،وأسلوب الوحي للبشر:يقول الحق:” ان أنا الا نذيرُ مُبين،الشعراء 115.. فأنذرَهم بما جاء به الله فكذبوه فأغرقهم في البحر،يونس 73. وحين لم يتعضوا جاءهم بأسلوب الأيحاء بالنبوات ليقنعهم بترك الخطأ، يقول الحق: “انا أرسلنا نوحا الى قومه ان أنذر قومك.. فكذبوه فجاءت كلمة الغرق حقا وحقيقة لتكريس معنى العدالة المطلقة في التحقيق، التي رفض القرآن ان ينقذ حتى ابن نوح مع ابيه في السفينة لانه من غير الصالحين حين طلب نوح من ربه انقاذ ابنه من الغرق “هود 45″.. فيرد الحق على نوح ان يدعه يغرق ” لانه عمل غير صالح، هود 46″.. وتكررت في عهد فرعون فأغرقه في البحر وجعله من المثبورين.. الانعام.. .102.. هنا تحققت نظرية العدل المطلق وانتهاء ظلم الانسان للأخرين.. فدخلت البشرية في منعطف جديد .

اذن.. كيف يجب ان نقرأ النص القرآني؟ نقرأ النص معتمدين على المعلومات التاريخية المتوفرة لدينا من الحفريات الاثارية المتشابهة مع النص المنسوب للمعرفة الانسانية بخط تطور التاريخ.. وحين نقرأ التاريخ القديم نشعر بشيء جديد لم نتعلمه من مناهجنا المدرسية، وهوان الفترة الزمنية السابقة للديانات النصية هيأت لنا موردا علميا قابلا لاستقبال الايحاء الديني بعد ان تشكلت اللغة المجردة في ابسط صورها حتى بدأت انسانية الانسان تأخذ شكل الانسان الحديث.. حيث بدأ خط تطور التاريخ.. حين بدأت بقصة نوح ومن بعده هود.فنوح هو اول الانباء المرسلين ” يقول الحق:” انا أوحينا اليك كما أوحينا الى نوح والنبيين من بعده،النساء 163″. ويقصد هنا الأيحاء الى محمد(ص).

ان خط سير التاريخ انصب كله على تحقيق العدالة بين الناس.. لذا جاءت نظرية العدل الانساني بصفتها المطلقية التي لا يجوز تجاوزها بالمطلق لأن بها تستقرامور الناس.. أي هي ثابتة لا تتغير ولا تتبدل بتدل الانسان والتاريخ سرمدية الأصل والبقاء معاً.. فالخارجون عليها ليس لديهم قابلية دخول الامتحان ثانية واجتيازه.. بل أصبحت مركونة لاصحاب نظرية الحق.. فهو ثابت لا يتغير ولا يتبدل.. لأن “الله قوله الحق، الانعام 73″ وهي القوانين الناظمة للوجود كقوانين التطور نحو التغيير،وهو اللوح المحفوظ اي القانون الصارم للوجود والذي هو ليس مناط الدعاء مهما دعا اهل الارض والانبياء لتغييره لا يتغير وهو الذي تنطبق عليه كلمة القرآن حين يقول:” لا مبدل لكلماته الكهف 27″.. وهو صالح لكل زمان ومكان.. فحذاري من الاعتداء عليه لانه مطلق في التطبيق.. وهذا ينفي نظرية فقهاء الدين التي تنسب لنفسها التغيير.. بالدعاء والتبريك..

اما قولهم: “لا يردالقضاء الا الدعاء” فهو أمر لا علاقة له بالنصوص الحدية.. وما هي الا احداث جزئية في ظواهر الطبيعة ولا غير.. كما في قوله تعالى:”اذا قضى الله أمرا فانما يقول له كن فيكون البقرة 117″.. وهذ اليس له علاقة باللوح المحفوظ الحدي في التنفيذ.. وانما بالمتغير من احداث التاريخ.. ويبقى قولهم بالغيب والعصمة للانبياء والصالحين.. فهذا مردود عليهم بقوله تعالى:” تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها لا انت ولا قومك من قبل.. .هود49″.لذا ما تدعي به مرجعيات الدين من العلم ببصائر الامور والدعاء المُستجاب لهو فرية على الناس لا غير. .كما هي دعايتهم في ولاية الفقيه والمنتظر وغيرها كثير. واخير كما يقولون ان تبرئة المصاب بكورونا يكون بالدعاء والتقرب من الأولياء.. فهو وَهمُ كبير.

من يملك هذه الصفات الوهمية لا توضع فيه امانة الوطن ولا يستحقها الا المخلص لله والوطن.. وخاصة في هذا الزمن الرديء الذي اصبحت المنافع المادية تعلو على القيم والاخلاق والدين . فهل يستطيع من يملك زمام السلطة الظالمة ان يتصف بهذه الصفات وان يجابه كل عواصف التحديات والزمن..؟ لا اعتقد فقد ذهب عصرالأحرار.. وجاء عصر العبيد.. فعلينا الابتعاد عن آكلة المال الحرام.. فالطبيعة ترفض احلال الخلل فيها ثانية بعد ان حل الاصلاح.. بالأيمان ومعتقد القادر القدير .

هنا نرى ان الحكماء من اصحاب الحق، ادركوا كيفية نشوء المجتمعات وكيفية معرفتهم بأدارتها لأنهم كانوا كباراً في نظرتهم للعدل، وكيفية نقله للاجيال لتعيش فيها بأمن وامان وكيفية معرفة الحقوق.. اي بناء المجتمع ألانساني ألاكثر أمنا وأستقرارا وألاقدر على توفير اسباب الرخاء او ما يسمى اليوم بالسعادة للبشر فكانت الدساتير والقوانين.. من هنا بدأت المجتمعات المتقدمة برجالها الأفذاذ تدرك اسباب ربط الظواهر الحياتية – علماء العلم لا فقهاء الدين- حتى انتجت لنا نظريات متعددة ومتنوعة طالبتنا بمعرفة الاصح لاتباعها في التطبيق العملي لواقع الحياة الانسانية.. من لم يستطع ان يكون بهذه الصفات عليه ان يتخلى عن مسئولية الانسان والوطن وينزوي في زاوية الذل والمهانة كماهم اصحاب نظرية التغليس عن الحق من اتباع سلطة المظلومين في العراق وغيره.. .اليوم.

من هذه النظريات المتعددة هي النظرية الاجتماعية المبنية على نظرية الافكار الحديثة التي بواسطتها يستطيع المواطن ان يوقف الظلم ويرد السلطة عن هواها وهي ما نسميها بأرادة الامة.. “ثورة تشرين الوطنية في العراق مثالاً” البعيدة عن نظريات القوة والقداسة الوهمية والمتمسكة بنظرية القانون والعدالة الاجتماعية والحقوق.. هي نظرية ان يكون العدل فيها مكفولا ً بنص القانون والعرف الاخلاقي للجماعة الانسانية لا بقانون القوة، لا الذين كسبوا المعركة من اصحاب نظريات الحسب والنسب.. اما التقدم الذي كسبته الدول – الدولة الاسكندنافية مثلاً- لم يحدث الا بزيادة القبول للقيم المشجعة لهم على قبول مواصلة السير به.. من هنا نشأت نظرية فلسفة التقدم وتقريرها في الأذهان على اساس جديد للنظر الى التاريخ وأحوال البشر.

ومن هنا ايضاً قسم العلماء المجتمعات الى متحضرة لها قيمها الروحية الرفيعة في اساليبها المتطورة في مواجهة الحياة والطبيعة مثل المجتمع الياباني.. ومجتمعات غير متحضرة فهي التي لم تتجاوز الطور البدائي في قيمها الروحية واساليب حياتها العلمية والعملية والطبيعية والتي لم تفهم نظريات الحق والعدل المجتمعي.. وان ظهرت متحضرة في مظهرها الانساني كما عند غالبية دول المسلمين.. فالمظهر ليس كالجوهر.. وهي التي وقفت وتقف اليوم عاجزة عن مواجهة الصعاب والتحديات التي تواجهها.. لعدم قدرة انسانها على تجاوز هذا التحديات فقابلتها بنظرية التغليس والتبرير.. ولأن الباطل صار يتعايش معها،كما في المجتمعات العربية ويقف العراق الذي تنازل حكامه عن نظرية الحق وتطبيقاتها.. وتمسكوا بنظرية المظاهر الفارغة في المقدمة فقد ضاعت عندهم السيطرة على القانون وحقوق المواطنين.. وبقوا يعيشون في غرفهم المظلمة كالسجناء في زنزاتهم منفردين.

ان الذين استأثروا في الفيء،وأختيار الولاة على الهوى،وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة من جنس جحد الأحكام المنصوصة والشرائع الحقة المعروفة والعفو عن المجرمين والسارقين والقتلة بالعفو العام والخاص ونسوا المعتقلين والمغيبين بدون وجه حق.. باختراق الدستور،والسنن المنصوبة،خرجوا عن مفهوم العدالة واجماع الامة فلا يستحقون حكمها حين تحولوا من نظرية الصدق الى الكذب والأفتراء،وما علموا ان ليس هناك أحسن وأفضل من الصدق.. ولو كانوا كذلك لصدقوا ما كانوا به يدعون،ولوضعوا دستور يضمن حقوق كل الناس دون تفضيل نظريا وتطبيقاً،ليحدود سلطة الدولة عن حقوق الناس ولعاشوا محترمين في ظل القانون.. هذا التوجه فقده بعض الحكام العرب والمسلمين من زمن رغم اننا ورثناه من التراث.. والذي نادى “بالحرية والاخاء والمساواة قبل الثورة الفرنسية التي قامت عام 1789 بعهود” .

ولربما الاحساس بالعدل بدأ يظهر اليوم في بعض من ابتعدوا عنه، عندما بدأوا يحسون بالندم القاتل كما في موفق الربيعي مثلاً.. .وتحضرني كلمة قالها حيدر العبادي الفاشل سياسياً نكتبها بتصرف: “ان من يحكمون اليوم تعودوا على حياة مترفة لا يستطيعون التنازل عنها بعد.. ” كارثة اخلاقية هذا الذي تفوه به العبادي أبن الأصول الذي مسخ تاريخه بقصد.. وهذا لا يحقق دولة مواطن بل دولة لصوص.. ان الذي يجب ان يتحقق هو بأختيار الامة لحاكمها وتحديد مسئوليته في الرقابة المالية ومدة خلافته وسلطته الأخلاقية كي لا يتجاوز نظرية الحق والقانون.. هنا كان مقتل تاريخ قادة حزب الدعوة وعلى رأسهم المالكي للقيم والقانون عندما اسـتأثر بالسلطة تجاوزا على الوطن والمواطن تساعده نظرية القوة التي سخرتها له المحكمة الاتحادية تجاوزا على الحق والقانون في سنة 2020 عندما أغتصب السلطة من مستحقيها مستندا الى قوة الطائفة والحزب لا بنظرية حكم القانون.. “أخذناها وبعد ما ننطيها” وكأنها كانت ملكا له وللوارثين.. فهل قالها قبله محمد (ص) صاحب الدعوة والحق الكبير؟ والقرآن يخاطب محمد(ص): “لو كنت فظاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك،آل عمران 159”.. فكيف يتجاسر على قولها ظالم عنيد..؟ هذا هو تفكير الظلم.. الذي صرفته الدنيا عن التفكير بالحق.. وليس في الدنيا أخطر من العيش بدون تفكير.. فالعبرة بالحقائق الواقعة الى جانب المبادىء المعلنة .

هذا التوجه الفلسفي الصائب هو الذي احدث انقلابا في الفكر الجديد المعتمد على تقدم التعليم المقونن بالقانون.. من هنا بدأت نظريات ارسطو تنكمش وتضمحل تجاه العلم الجديد بعد ان كان المنطق الارسطوطاليسي هو المعتمد في التغيير.. من هنا اقول وبقوة ان البحث والتجربة والمنهج التعليمي الجديد الخالي من التوجهات المثيولوجية العقيمة هي التي اوصلت الانسان الى العلم الصحيح.. فبدأ العلم يحمي العقل البشري من الشكوك التي زرعها الفكر الديني الذي لا يؤمن بالصيرورة الزمنية في رأس الانسان فأوقف بنصه الجامد اللا متحرك عقل الانسان وتفكيره بعد ان ابعده عن الفكر الروحي الذي ظن به ان الانصراف عنه الى دراسة العلم العقلي انما هو مضيعة للوقت وصرف الانسان عن عبادة الله.. وكانهم هم وكلاء الله في الارض والقرآن يقول: “لكم دينكم ولي دين”، هنا كان ولا زال مقتلنا في امة العرب والمسلمين.. وهذا ينطبق على حال الوطن العراقي اليوم حين اصبحت سلطة الدين توجه العلم والتعليم والقانون.. والعكس صحيح.

ومالم يعمل علماء المناهج العربية التعليمية على الربط بين العقل والتفكير بطريقة منطقية عقلية واحترام القانون.. سنبقى مستسلمين للافكار غير العملية التي تقودنا الى التوقف دون حراك.. اي ان الصيرورة الزمنية ستتوقف عندنا كما احدثها اصحاب المذاهب الدينية التي تركتنا عظاما نخرة لا نقوى على الحراك وطرحت علينا مقولات لايقبلها العقل.. “73 سبعين فرقة في النار الا واحدة”من يقبل هذا المنطق وله عقل ودين..؟.. .نعم علينا وخاصة الطبقة المثقفة التي تدعو للاصلاح الى نقل مركز الثقل في العلم من الخيال الى الواقع ومن النظري الى العملي وخاصة في بناء المنهج الدراسي العلمي الصحيح.. لنحدث التفكير الانساني في روح الامة ومضونها الحضاري منذ الصغر.

فاذا ما توصلنا الى قناعة المنطق بموجب هذه النظرية.. سيكون الجزاء على قدرالمواهب والجهد المبذول ومستوى ذلك الجهد في الدقة وعدمها ونصيب العلم والخبرة في العمل،وان تكون للانسان العراقي حرية التصرف والتعاقد ليكون له الحق في الامان على النفس والمال،وان يكون هذا الحق مكفولاً بنص القانون والعرف الاخلاقي للأمة.. بعدها سنكسب المعركة في النهاية بالقيادة المخلصة للوطن والتي تراعي شروط ما يفرضه الوطن على الانسان وليس الأعتماد على الأخرين “ما حك جلدك مثل ظفرك”.. بسلطان الضمير بعد ان تحترم الحقيقة او بعضها وليس بالذين خانوا الامانة واصبحوا في مذمة الانسان والتاريخ.

لنعمل على ايقاف نظرية الخطأ والتخلف التي ينفذها الحاكم في الوطن بمساعدة رجال الدين السفسطائيين اليوم وذلك.. بتطبيق نظرية الضد النوعي لنهزمه دون متاعب وعراقيل..

هذه المهمة الوطنية الصعبة موكولة دائماً الى الكتاب الحقيقيين الذين تخلقهم العواصف والتحديات.. لمواقفهم الشجاعة من حقوق الاوطان والانسان.. وان يكن صوتهم خافتاً في البداية.. لكنه.. يمكن ان يوقظ أمة.. بكاملها في النهاية.. نأمل ان يكون الرهان على المخلصين ناجحاً..

هؤلاء.. هم الخيار.. المقدم.. للأمتحان الصعب.. وأجتيازه في النهاية.. بنجاح المخلصين..

د. عبد الجبار العبيدي

وفِيهِ صَارَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا

في صوم رمضان خصيصة رفيعة ليست في غيره من العبادات، وهي أن صومه مقرون بالله تبارك وتعالى، حيث يقول رب العزة: ” الصوم لي وأنا أجزي به “، ولهذا الشهر العظيم منزلة كبيرة غالية فهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن الكريم دستور المسلمين في شتى بقاع المعمورة، واختص هذا الشهر بلية القدر، وفيه كتب على المسلمين فريضة الصيام، يقول تعالى في محكم التنزيل: <يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ>.

ومن رفعة هذه العبادة الروحية أن الدعاء فيها لا يرد وإذا كان الدعاء مستحب في كل وقت وحين فإن هناك من الأوقات والأحوال يكون فيه الدعاء أرجى للقبول والله أعلى وأعلم، ومن هذه الأحوال حال المرء وهو صائم، ورسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) يرشدنا إلى ذلك، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ” إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد” (رواه ابن ماجه)، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً في بيان أهمية ومنزلة الدعاء للصائم: ” ثلاثة لا ترد دعوتهم ؛ الصائم حتى يفطر والإمام العادل والمظلوم” .

وشهر رمضان له مكانة في الإسلام لا يضاهيها شهر آخر لما له من فضائل على المسلمين فرداً ومجتمعاً، فمن أعظم علامات الرحمة فيه أن الله عز وجل يفتح أبواب الجنة ويغلق أبواب النار ويصفد الشياطين، عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: “إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين” (رواه مسلم) .وللعلماء آراء في تفسير هذا الحديث جديرة بالذكر؛ فمنهم من قال يحتمل أن يكون المراد أن الشياطين هم مسترقو السمع منهم وأن تصفيدهم يقع في ليالي رمضان لأنهم منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع فزيدوا التصفيد مبالغة في الحفظ. وقال بعض العلماء إن فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فضل الصائمين وأنه من الله بمنزلة عظيمة كريمة.

وفي رمضان جاء الوحي لأول مرة للنبي (صلى الله عليه وسلم)، والوحي في حقيقته حادث ضخم ومثير بحقيقته، ضخم بدلالته، وضخم بآثاره في حياة الإنسانية، ومن أفضل ما قرأت عن الوحي العبارة القائلة: ” الوحي أعظم لحظة مرت بهذه الأرض في تاريخها الطويل ” .

إن بداية الوحي في حقيقة الأمر النداء الأول للإسلام على أرض البشرية، وهذا النداء يحمل في طياته العديد من الآيات والعلامات والرؤى، ففي حادث الوحي تظهر قيمة العلم وكانته الرفيعة، ولنتدبر قول الله تعالى في أمره المباشر:) اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) (سورة العلق / 1 ـ 5) .

وظاهرة الوحي في ماهيتها حدث ذي وقع قوي وثقيل، وما يؤكد ذلك ما كان يلقاه رسول الله (ص) من شدة وتعب وثقل عند ظهور الوحي، يقول تعالى:) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) (سورة المزمل /5) . ورغم ذلك لقد مرأ المستشرقون يحاولون تأكيد ذاتية الوحي، واعتباره أمراً ذاتياً محضاً مرده إلى داخل النفس البشرية، ولكن الوحي استقبال وتلق لحقيقة خارجية .

وقد اجتهد العلماء في تحديد وتصنيف أنواع الوحي، ومنها الإلهام كما قال رسول الله (ص): ” إن روح القدس نفثت في روعي “، كما أن الوحي كان يأتي النبي (ص) مثل صلصلة الجرس، كما جاء في الحديث الشريف حينما سأل الحارث رسول الله (ص): ” كيف يأتيك الوحي ؟، فقال (ص): ” أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني، فأعي ما يقول ” .

واعتاد الرسول (ص) أن يخلو بنفسه قبيل وقت النبوة بغار حراء، وكما تذكر كل كتب السيرة أن هذا كان في شهر رمضان من كل عام، يطعم من جاءه من المساكين، وإذا قضى الرسول (ص) جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به الطواف بالكعبة، قبل أن يدخل بيته، حتى إذا كان الشهر المنتظر من السنة المنتظرة الحاسمة، بل والفارقة في تاريخ البشرية، خرج رسول الله (ص) إلى حراء كما كان يفعل في الأعوام المنصرمة قبل عامه هذا، حتى إذا كانت تلك الليلة الفارقة التي أكرمه الله وأكرمنا الله معه برسالته، وكما ذكر ابن هشام في نصه: ” ورحم العباد بها ” .

جاءه جبريل (عليه السلام) بأمر الله تعالى، وبأمر منه، ويذكر رسول الله (ص) ذلك في حديثه: ” فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ، قلت: ما أقرأ، قال: فغتني به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قال قلت: ما أقرأ، قال: فغتني به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قال: فقلت: ماذا اقرأ، ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي، فقال:) اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ((سورة العلق / 1 ـ 5) .

ولاشك أن ما حدث للرسول (ص) لأمر جلل بلا ريب، ما أظن لبشر سواه يستطيع أن يفيق من نومه في مكان مظلم ذي طبيعة جبلية موحشة على ملك من السماء، فما أثبت قلب النبي (ص) وما أشجعه وأقواه .

ولاشك أيضاً في أن الخلوة التي أحبها وفضلها رسولنا الكريم (ص) مع الذكر والعبادة هي التي أنارت قلبه، وكانت نوعاً من الإعداد الخاص، وتصفية للنفس من العلائق المادية البشرية، إلى جانب ما أولاه الله (تبارك وتعالى) من رعاية خاصة هي التي جعلته يستطيع التثبت لهذا الحادث الجلل في تاريخ البشرية .

وكما ذكرنا سابقاً إنه حادث ضخم بحقيقته، وضخم بدلالته، وضخم بآثاره البشرية جميعاً، وإذا تأملنا الحداث الجلل في تاريخ البشرية لوجدناه يقر حقيقة العلم ويرفع مكانته وقدره بقوله تعالى: اقرأ.

ولقد أصيب الرسول (ص) بالرعب والخوف مما حدث له، ومما رأه وسمعه وأحس به، فما كان عليه سوى أنه أسرع إلى بيته حيث سيدة نساء العالمين؛ السيدة خديجة (رضي الله عنها)، وهذا إن دل فإنما يدل على أن محمداً (ص) لم يكن منتظراً للرسالة التي سيكلف بها وسيكون لها مبلغاً ومبشراً ونذيراً للناس وأكد الله هذا في قوله تعالى:) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ (53) (سورة الشورى /52 ـ 53) .

ومما لاشك فيه أن وقع نزول الوحي على نبينا محمد (ص) كان شديداً كما هو هو واضح في نص ابن إسحاق، واتضح ذلك من حديث النبي (ص) نفسه: ” لقد خشيت على نفسي ” . ومما يبين شدة نزول الوحي على رسول الله (ص) ما روته أم المؤمنين السيدة عائشة (رضي الله عنها)، قالت: ” ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً ” .

ولصوم رمضان فضائل وفوائد عديدة حيث إن الصوم في حقيقته كعبادة وفريضة بدنية في المقام الأول إلا أنها تحقق رفعة ورقياً للمسلم حيث ترفعه من حضيض الحيوانية إلى المستوى الذي ارتأه الله تبارك وتعالى له، ويذكر العلامة محمد فريد وجدي في كتابه من معالم الإسلام أن هناك حكمة في تدخل الإسلام الحنيف في أمر التغذي، حيث إن الجسم والروح مترابطان في هذه الحياة، والروح جوهر كريم لا تكدره الأعراض، ولكنه مودع في هذا الغلاف المادي، وهو الجثمان، لا يسمح له أن يتصل بالوجود إلا من خلال الحواس التي جعلت فيه، ولا أن يدرك منه ما يدركه إلا بواسطة المادة المخية التي جعلت أداة للإدراك، ولما كان هذا الجثمان مخلوقاً من التراب فهو عرضة لكل ما يعتور الأجساد المادية من الآثار، وأد ما يصيبها منها ما ينصب عليها من ناحية الغذاء، لذلك كانت حاجة الإنسان ماسة إلى تعهد جسده بالمطهرات والمزكيات وليس منها ما هو أفعل فه من الصيام.

ورغم أن الصيام رياضة جسدية إلا أن فوائدها الروحية والانفعالية أجدى وأبقى أثراً ؛ فإذا كان المسلم يمسك عن الطعام والشراب وكافة الشهوات التي بالإفراط فيها تصيب الإنسان بحلات مستدامة من اللذة المؤقتة والقلق والغيرة وربما بعض الاضطرابات البعيدة عن النضج والاستواء، فإن الصيام يحقق للمسلم الاعتدال فلا يكون المرء ضعيف التاثر متبلداً ولا سريع التأثر يثور لأتفه الأسباب التي تؤججها رغباته وشهواته. وهو وسيلة راقية لتهذيب النفس وتحسين الخلق، لأنه يجعل الإنسان في عبادة مستمرة معظم الوقت الذي كون فيه مسيقظاً ـ كما أن الصوم يمنع المرء من اللغو في الكلام ومن البذاءة في اللسان وفي هذا كله تربية روحية للمسلم، يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ” الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم” .

والمتدبر في فريضة الصوم يدرك على الفور فاعليتها في سمو الإنسان ورقيه فوق شهواته كما أن هذه الفريضة تكسبه فضائل كالصبر والنظام وتحمل المشقة والصعاب، بالإضافة تربيته على قوة الإرادة، فالذي يقاوم دوافعه الفطرية إلى الطعام والشراب والملذات والشهوات يصبح قوي الإرادة، يملك نفسه ويسيرها على طريق الشرع. وما أفجع ما نراه في السنوات الأخيرة بعد أن تحول شهر رمضان إلى احتفالية بعيدة تمام البعد عن الإسلام الحنيف فوجدنا السمر والسهر بغير طاعة أو عبادة وتوسع في المطعم والمشرب ونوم النهار بطوله وغير ذلك من المفجعات التي تضرب صدر الشريعة، وهذا كله عبث وخروج على طاعة الفريضة السمحة التي جعلها الله لعباده طوق نجاة من الشرور والشهوات المهلكة.

ولكن لماذا كان الشكر بالصيام واجباً عن بقية العبادات؟ الإجابة باختزال شديد هو إن الإنسان مكون من روح علوي وجسد سفلي، والجسد له مطالب من جنس عالمه السفلي . والروح لها مطالب من جنس عالمها العلوي، وفي ذلك يقول أستاذي وشيخي الجليل الدكتور زين شحاتة أستاذ التربية الإسلامية وعلومها في كتابه الماتع ” على مائدة الصيام في شهر القرآن” إنه عندما يحكم الإنسان جانبه الروحي العلوي في جانبه الأرضي السفلي ويغلب أشواق الروح على نوازع الجسد يصير ملاكاً أو خيراً من الملاك. يقول الله تعالى: <إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)>. (البينة:7)، فبالصيام تقترب روح المؤمن المسلم من النورانية وتشع فيه الملائكية، ويتغلب جانب النور فيه على جانب الظلمة والشهوة.

وقد أشار إلى ذلك الإمام الشيخ أبو حامد الغزالي الغزالي في كتابه ” إحياء علوم الدين” بقوله: ” المقصود من الصوم التخلق بخلق من أخلاق الله عز وجل وهو الصمدانية والاقتداء بالملائكة في الكف عن الشهوات بحسب الإمكان، فإنهم منزهون عن الشهوات، والإنسان رتبة فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته، ودون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلي بمجاهدتها فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل السافلين والتحق بغمار البهائم وكلما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة” .

وشهر رمضان ونحن نستقبله يجب علينا أن نقتنص كل لحظة فيه من الطاعات حيث إنه فرصة عظيمة وموسم للتائبين، يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ” إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، فتحت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب واحد الشهر كله، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب الشهر كله وتململت عتاة الجن، ونادى مناد من السماء كل ليلة إلى انفجار الصبح، يا باغي الخير يمم وأبشر، ويا باغي الشر أقصر وأبصر، هل من مستغفر يغفر له ؟ هل من تائب يتوب الله عليه ؟ هل من داع يستجاب له ؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ ” . ومن فضل الله علينا في هذا الشهر العظيم ليلة القدر خير عطاء إلهي للمسلمين، يقول تعالى: <إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)>(القدر:1ـ5) . وهذه الليلة فيها سلام من الله تبارك وتعالى وسلام من الملائكة النازلين وهم يسلمون على كل مؤمن ومؤمنة وهي سلام للمؤمنين الموقنين ولعظمة هذه الليلة حث النبي (صلى الله عليه وسلم) على قيامها، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ” من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه”.

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م) .

كلية التربية ـ جامعة المنيا.

تأملات في الفكر السياسي الإسلامي (7): القرآن والحاكمية

الأساس الثالث من أسس الفكر السياسي الإسلامي هو مبدا (الحاكمية لله) الذي صاغه المودودي المسلم الهندي تحت ضغط الصراع مع الهندوسية أبان تقسيم الهند في 14 أغسطس عام 1947 وانقسام الهند الى مسلمين وهندوس وتحت ضغط التمايز عن الهندوسية كدين أراد المودودي أن يستعيد بشكل باهت تجربة الإسلام الأول كدين ودولة فنحت هذا المصطلح (الحاكمية لله) من فهمه للآية ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾(يوسف:67). هذا الفهم الأعوج والغبي الذي لا يدرك عمق المعنى في اللغة العربية والعلاقة بين اللفظ ومعناه ومفهومه فقَاءَ مَا فِي عقله المريض من عفن كما َقِيء المريض ما في مَعِدَتِهِ من قذر فسن سنة وضيعة راح ضحيتها الآلاف من الرعاع وبهائم العقيدة.

الإسلام السياسي كتنظيم الذي بني على هذه العقيدة المريضة كان يطمح الى بناء نظام حياة يهيمن عليه هذا التفسير المحدد للدين وهذا التفسير بلا شك اجتهاد بشري يقوم على عدة أصول يتم التوسع فيها ـ والإضافة عليها ـ دائما. ومن هذه الأصول النص القرآني-الذي ناقشناه في تأمل سابق-والنص القرآني عند جميع المسلمين هو “الأمر الإلهي” الملزم قطعا والذي لا يجوز مناقشته أو تبدليه أو تغييره بمعنى أن الاجتهاد مع النص لا يجوز. وهي قاعدة أصولية أكد عليها كل منظري الإسلام السياسي وكفروا القائلين بأن “النص القرآني ما هو إلا نتاج مراحل تاريخية” كما فعلوا مع المفكر الفذ (نصر حامد أبو زيد) وانتهت جل الآراء النقدية التي أخضعت النص الديني المقدس للدراسة العلمية المعاصرة في علوم اللغة بان هذه النصوص هي نتاج زمانها ومكانها ولا يمكن أن تنفصل عن البيئة الزمانية والمكانية التي ظهرت فيها وحملت رسالة تتعلق بحوادث معينة. يقول نصر حامد: “النصوص الدينية ليست نصوصا مفارقة لبنية الثقافة التي تشكلت في إطارها بأي حال من الأحوال. والمصدر الإلهي لتلك النصوص لا يلغي إطلاقا حقيقة كونها نصوصا لغوية بكل ما تعنيه اللغة من ارتباط بالزمان والمكان التاريخي والاجتماعي. ما هو خارج اللغة وسابق عليها ــــ أي الكلام الإلهي في إطلاقتيه ــــ لا يمت لنا نحن البشر بصلة، بالإضافة إلى أننا لا نمتلك الأدوات المعرفية ولا الإجرائية لإخضاعه للدرس، لذلك لا يمكننا إنتاج خطاب علمي حوله، وأي حديث عن الكلام الإلهي خارج اللغة من شأنه أن يجذبنا شئنا ذلك أم أبينا إلى دائرة الخرافة والأسطورة”. (حامد أبو زيد، نصر، النص، السلطة، الحقيقة: الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، المركز الثقافي العربي 1995 م، ص 92).

وفكرة (الحاكمية لله) تستند على النص القرآني كما أراد لها الإسلاميون أن تنسف القوانين الوضعية لصالح الأحكام والأوامر الإلهية لتأسيس طريقة الحياة والإدارة والتي يجب أن تكون على مناهج (السلف الصالح) أي إلى الأصول الأولى والمنابع الأولية للشريعة وكيفية تطبيقها في حياة المسلمين أي العودة الى طريقة حياة أبو هريرة وبلال الحبشي والأقرع بن حابس الكندي.

سنتوقف في هذا البحث على شرح مبدأ (الحاكمية لله) ونحلله لنتعرف على بنيته وتاريخيه وشروط علائقه مع ما سبقه من أسس.

الحاكمية في اللغة: الحاكمية: مشتقه من الفعل: (حكم)، وتأتي على عدة معان منها:(1).

1- القضاء ومنه حكم بين القوم إذا قضى بينهم وفصل الأمر ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾(2).

2- العلم والفقه ومنه قوله تعالى:﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾(3). أي علماً وفقهاً.

3-المنع والرد يقال: حكمت الدابة وأحكمتها أي: منعتها ولذلك يقال: للحاكم بين الناس حاكم لأنه يمنع الظالم من الظلم ويبين الحق من الباطل.

4- الإتقان يقال: أحكمت الشيء إذا أتقنته والحكم: متقن للأمور.

الحاكمية في الاصطلاح:

عرف العلماء الحاكمية بتعريفات متعددة تتفق في مفهومها وتختلف في ظاهرها بزيادة قيد أو شرط كما يلي:

ا- عرف ابن أمير الحاج الحاكمية بأنها:” الحكم علي الأفعال والأشياء من حيث الثواب والعقاب “(4).

ب- عرف السبكي الحاكمية بأنها: ” حكم الشرع دون العقل “(5).

ج- عرف الآمدي الحاكمية بأنها:” طاعة الله وحده والالتزام بأوامره ولا طاعة ولا التزام بأمر أحد إلا بأمر الله “(6).

د- عرف سيد قطب الحاكمية بأنها:” إفراد الله سبحانه بالألوهية، والربوبية، والقوامة، والسلطان؛ إفراده بها اعتقاداً في الضمير، وعبادة في الشعائر، وشريعة في واقع الحياة “(7).

ه- عرف زيدان الحاكمية بأنها:” مصدر السلطات في الشريعة الإسلامية وهو الله تعالى”(8).

بالنظر في التعريفات السابقة يظهر أن التعريف المختار للحاكمية هو ما ذهب إليه الآمدي وهو:” طاعة الله وحده والالتزام بأوامره ولا طاعة ولا التزام بأمر أحد إلا بأمر الله “.

الحاكمية في سياقها التاريخي.

بدأت دعوى الحاكمية الالهية خدعة في حرب صفين عندما طلب الخوارج من الإمام علي بالاستجابة لمبادرة معاوية للصلح وهتفوا: (لا حكم الا لله) (الحكم لله وليس لك يا علي) في اشارة الى المصاحف التي رفعها جيش معاوية على الرماح. وقد استجاب الامام علي لنداء التحكيم لكنه وصف دعواهم بأنها: (كلمة حق يراد بها باطل). والرواية ذكرها ابن الاثير كالتالي: (قال ابن الأثير: «فلما رأى عمرو أن أمر أهل العراق قد اشتد وخاف الهلاك قال لمعاوية: هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعاً ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم. قال: نرفع المصاحف ثم نقول لما فيها: هذا حكم بيننا وبينكم فان أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول: ينبغي لنا أن نقبل، فتكون فرقة بينهم، وان قبلوا ما فيها رفعنا القتال عنا إلى أجل. فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا: هذا حكم كتاب الله عزّ وجل بيننا وبينكم من لثغور الشام بعد أهله؟ من لثغور العراق بعد أهله؟ فلما رآها الناس قالوا: نجيب إلى كتاب الله» (9).

وفعلا كان دهاء عمرو بن العاص في محله فمفهوم الحاكمية من المفاهيم الملتبسة والغامضة غير المتمايزة ويمكن توظيفه لخدمة اغراض شخصية واخرى سياسية. فالمفهوم يوحي بدلالات واسعة تجعل المسلم البسيط يقدم على التضحية بنفسه حينما يتعامل مع المفهوم بسذاجة عالية وقد استقطبت هذه الخدعة في حرب صفين عددا كبيرا من الخوارج ممن طالبوا الامام علي بوقف القتال والتفاوض مع معاوية لكنه لم ينطل على العقول اليقظة لأنه مفهوم ملتبس في حدوده وتفصيلاته فلا ينبغي الانسياق مع ايحاءاته العاطفية.

هذه المقولة ليست لاهوتية كما يزعم كهنة الإسلام السياسي بل هي مثال صارخ لمقولة إيديولوجية أي صادرة عن وعي زائف وحاملة لخطاب كاذب ومنافق من حيث أنها كمقولة تأويلية غير مطابقة لموضوعها وهو هنا النص القرآني.

ومعروف أن أول من صاغ عقيدة الحاكمية الإلهية هو الباكستاني ابو الاعلى المودودي قبل أن ينقلها عنه ويدخلها الى الحقل التداولي للثقافة العربية المعاصرة سيد قطب المؤسس الثاني لحركة الإخوان المسلمين والذي جعل من نفسه سيفا للتخلف والرجعية مشهورا الى الآن بيد كل شذاذ الآفاق والمعوقين نفسيا من دعاة الإسلام السياسي. وبتنظيراته صارت الحاكمية عقيدة مشتركة لجميع التيارات الإسلاموية المتطرفة.

ولد المودودي في مدينة “أورنك آباد الدكن”، بمقاطعة حيدر آباد عام1903 م ومات عام 1979 م. وكان أبوه سيد أحمد حسن مودود الذي ولد في دلهي بالهند سنة (1850م) وبعد ولادة المودودي بنحو عام اعتزل الأب الناس، ومال إلى العزلة التامة، فنشأ أبو الأعلى في ذلك الجو المنعزل، وتفتحت عيناه على تلك الحياة التقليدية.

وقضى أبو الأعلى طفولته الأولى في مسقط رأسه في مدينة “أورنك آباد الدكن”، بمقاطعة حيدر آباد، وكان أبوه معلمه الأول، وقد حرص أبوه على تنشئته تنشئة دينية، واهتم بتلقينه قصص الأنبياء والتاريخ الإسلامي، وكان يصحبه إلى مجالس أصدقائه من رجال الدين. ولك أن تتصور كيف سينشأ طفل في هذا الجو المتعصب حتى ان ابوه لم يقبل أن يتعلم ابنه في المدارس الإنكليزية الموجودة في ذلك الوقت خوفا من أن تتغير ثقافته الإسلامية وينشا نشأة عصرية. فنشأ المودودي هذه النشأة التقليدية التي تشبه الى حد كبير نشأة اليهود المتعصبين في الجيتو اليهودي.

مفهوم الحاكمية عند المودودي

يقول الدكتور حسن حنفي في شرح الحاكمية عند المودودي: تعطى الحاكمية لله تصورا مركزيا للعالم. فالله قمة الكون خلقه ويحكمه ويسيطر عليه فالأنبياء هم المعلنون عن هذه الحاكمية، ومعهم القادرون على السير على هداهم. وتنبع السيطرة على الكون بكل ما فيه حدا لا يستطيع معه أحد الخروج عنه، فلا تكن الا عبد الله ولا تأتمر الا بأمره ولا تسجد لاحد من دونه فانه ليس هناك من صاحب جلالة فالجلالة كلها مختصة بذاته جل وعلا، ولا شارع من دونه، فالقانون قانونه، ولا يليق التشريع الا بشأنه، ولا يستحقه الا هو، ولا ملك ولا رازق ولا ولي الا هو، وليس من دونه من يسمع دعاء الناس ويستجيب لهم، وليست مفاتيح الكبرياء والجبروت الا بيده، ولا علو لاحد ولا سمو في هذه الدنيا فكل من في السماوات والارض عباد أمثالك والرب هو الله وحده. فارفض كل أنواع العبودية والطاعة والخضوع لاحد من دونه، وكن عبد الله، قانتا مستسلماً لأوامره”. (د. حسن حنفي أثر أبي الأعلى المودودي على الجماعات الدينية المعاصرة).

وتتمثل حاكمية البشر في ثلاثة نظم: العلمانية، والقومية، والديموقراطية وهي النظم التي سيطرت على الحياة السياسية في الغرب. فالعلمانية تعني عزل الدين عن الحياة الاجتماعية للأفراد وقصره فقط بين العبد وربه. أما القومية فأنها تقوم على مصلحة الامة ورغباتها بصرف النظر عن مصالح الامم الاخرى ومن ثم نشبت الحروب بين القوميات، والويل للمغلوب فلا مكان للضعيف. أما الديموقراطية هي الدولة الحديثة التي تتمثل فيها حاكمية البشر في الغرب والتي يرغب المسلمون في تقليدها. وهي نظم كلها ترفض الحاكمية لله وبالتالي تجعل الفرد خاضعا لشهواته ورغباته، وتجعل المجتمع خاضعا لأهوائه ومصالحه. وفي غياب حاكمية الله لا يوجد مكان الا للشيطان الذي يبشر بالإلحاد والعنف. (د. حسن حنفي أثر أبي الأعلى المودودي على الجماعات الدينية المعاصرة).

ونتسأل الآن يا ترى ماذا لو ولد المودودي في عائلة هندوسية متعصبة؟ بالطبع سيكون متعصبا هندوسيا!

يرى البليهي، أن مشكلة المسلم كامنة في انغلاقه ووثوقيته، واستعلائه الكاذب؛ فنحن رغم ضعفنا المخزي، وهواننا المكشوف، مازلنا نتوهم أننا مركز العالم، وأن الحقائق في جانبنا واضحة، وأن العالم لا يريد أن يعرف الحقيقة الجلية، وسر هذا الانتفاش الكاذب مصدره التربية الأم؛ ذلك أن البرمجة التي يخضع لها الطفل، والمعرفة التلقائية التي يتلقاها من المؤسسات ما قبل المدرسية، تجعله يتشرب جرعات كبيرة من بادئ الرأي المناقض لمقتضى العقل والواقع، لكن الأخطر من ذلك أنه يمتص أوهام الامتياز والاصطفائية. كما نرى قدرة النسق على تزيين هذا الأسر الثقافي، في حين أن الأفراد لا يدركون ذلك، بل يعتقدون على العكس منه، أن رؤوسهم تستضيء دوما بالحقائق، بل ويزدادون عجبا من الآخر؛ فكيف إذن لا يشاطروهم نفس القناعات، على وضوحها ونصاعتها. (إبراهيم البليهي بنية التخلف، منشورات كتاب الرياض العدد 16 أبريل 1995م).

يقول أحد الباحثين: (وعمليا فان كلمة الحاكمية الالهية كانت وراء استغلال الدهاة وضلال السذج، فقد استغلها أدهى الدهاة عمرو بن العاص عندما رفع المصاحف على اسنة الرماح ليعلي باطل معاوية على حق علي. وانخدع بها الخوارج فخذلوا عليا وهو اتقى الاتقياء، ومكنوا معاوية من الانتصار بحجة لا حكم الا لله. حكمت الرجال في دين الله) (10).

*مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ولكن أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (يوسف:40).

* ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (يوسف:67).

* إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فأولئك هُمُ الْكَافِرُونَ ﴿المائدة44﴾

نفهم من خلال تحليلنا لمستويات الخطاب القرآني في موضوع الحكم انها مستويات متعددة الدلالة ولا تشير من بعيد أو قريب إلى الحكومة أو(الحاكمية) بالمعنى السياسي لهذه الكلمة ففي سورة يوسف يرد تعبير ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ) مرتين وفي كلتيهما لا دلالة على أي معنى سياسي بل فقط توحيدي أي رافض لشرك المشركين وهم في سورة يوسف آل فرعون بطبيعة الحال.

أما بالنسبة لسورة المائدة فمراد الحلال والحرام وتطبيقه وأن كره الناس فواضح وضوحا تاما والعجيب أن هذه الجملة الاخيرة من الآية (44) من سورة المائدة هي التي يشهرها دعاة الإسلام السياسي ليجعلوا من القرآن دستورا سياسيا وليطالبوا بتطبيق الحاكمية الإلهية ولكن بما أن سياق الآية هو ان التوراة تتضمن حكم الله وأن من لم يحكم بما أنزله الله فيها فقد كفر فقد كان يفترض بأنصار الحاكمية الإلهية لكي يكونوا منطقيين مع أنفسهم أن يتخذوا من التوراة دستورا سياسيا الى جانب القرآن كما تشير الآية بوضوح. والخلاصة أنك أينما ذهبت في تفسير آيات الأحكام لن تجد آية واحدة ذات دلالة سياسية أو دستورية وكل ما ستجده هو التالي:

1 – الحكم بمعنى التحليل والتحريم في أمر العبادة والدين.

2 – الحكم بمعنى القضاء والقدر.

3 – الحكم بمعنى النبوة وسنة الأنبياء.

4 – الحكم بمعنى القرآن وتفسيره.

5 – الحكم بمعنى الفهم والعلم والفقه.

6- الحكم بمعنى القضاء وفك الخصومات بين الناس.

سليم جواد الفهد.

(1) انظر، ابن منظور: لسان العرب، 12/140-145، مادة (حكم).

(2) سورة النساء، الآية 58.

(3) سورة مريم، الآية 12.

(4) انظر: ابن أمير الحاج: التقرير والتحبير، 2/119.

(5) انظر: السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، 1/135.

(6) انظر: الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، 1/119.

(7) قطب، معالم في الطريق، ص42.

(8) زيدان، الوجيز في أصول الفقه، ص69.

(9) الكامل، لابن الأثير، ج3، ص316.

(10) جمال البنا، الاسلام دين وامة وليس دينا ودولة، القاهرة، دار الفكر الاسلامي، ص 279.

هل سيضع الكذب نهاية للتنوير؟

هل ستتمكن سياسات ما بعد الحقيقة Post-Truth Politics إنهاء مشروع التنوير؟ الصحفيون والسياسيون استخدموا تعبير “عالم ما بعد الحقيقة” و”وسياسة ما بعد الحقيقة”. بعض ما بعد الحداثويون رحّبوا بهذا العصر الجديد. هم يدّعون بحماس ان هذا العصر سيكتب نهاية مشروع التنوير. هذا الادّعاء يبدو صحيحا. ذلك لأن التنوير تبنّى مشروع السعي للحقيقة امام الدوغما الدينية والتعصب السياسي. التنوير أيّد وناصر العلوم التجريبية وطرقها المضادة للأحكام الدينية المرتكزة على الانجيل و سلطة الكنيسة. انه طالب باستخدام العقل والتبرير العقلاني في المؤسسات الاجتماعية المعادية للسعادة الانسانية. التنوير كافح من اجل حرية الكلام وحرية الصحافة في وجه الرقابة الدينية والسياسية.

ان التعبيرات المضللة والسيئة لـ “عالم ما بعد الحقيقة” و”سياسة ما بعد الحقيقة” برزت من نقاشات عام 2020 حول استفتاء بريطانيا على عضوية الاتحاد الاوربي وانتخابات الرئاسة الامريكية. في كلا الموضوعين جرى تطوير الكذب من جانب السياسيين والصحفيين. الكذب، ايضا يُعرف بـ “حقائق بديلة”، واصبح له رواجا سياسيا شرعيا. العديد من السياسيين الذي يلتمسون أصوات الناخبين لم يكونوا مهتمين بالجدال المنبثق من الحقائق المؤسسة جيدا والمدعومة بالدليل للوصول الى استنتاجات صحيحة. كل ما يهم هو الحصول على أصوات الناخبين لتمكينهم من الوصول الى الحكومة او لتحقيق اهدافهم الخاصة لا يهم كم هو حجم الكذب او مقدار التشويه في الحقائق. سياسات ما بعد الحقيقة هي متابعة الأهداف السياسية بصرف النظر عن الحقائق او الدليل المتوفر. أحكام الخبراء، المحامون الدوليون والمؤسسيون، علماء المناخ والمحافظون والاقتصاديون وعلماء السياسة، جرى تنحيتهم جانبا على اساس ان الخبراء احيانا يرتكبون الاخطاء. ولكن لم يتم توضيح ادّعاءات ما بعد الحقيقة التي يعرضها صحفيون وسياسيون جاهلون وليسوا ذوي اطلاع في انهم انجزوا مناعة ضد الخطأ . لم يكن لديهم الدليل المناسب. ما عرضوه كان فقط الادّعاءات الحادة والسخيفة للسياسيين الشعبويين والكارزميين الذين يعتبرون الولاء للصحف الكبرى يفوق كثيرا أي اهتمام بالحقائق او العقل. لابد من دفع الثمن الحتمي لتجاهل الحقائق وإهمال الحكم العلمي والتعليمي ونبذ التنبؤات العقلانية المتأسسة جيدا . لكن التكاليف بدأت على الارض. هذه التكاليف تتمثل بالضرر الذي وقع على روح الديمقراطية النيابية وضبابية التمييز بين الحكم الديمقراطي والحكم الديموتي (الشعبوي) demotic rule.

كيف نعرّف الحقيقة؟

ما يقوله الكائن البشري هو اما صحيح او كاذب. وعليه، فان الأفكار، العقائد، الشكوك، الحدس والتخمين للكائن البشري الذي يعبّر عن ذلك، هي ايضا تكون اما صادقة او كاذبة. الشيء الذي يُعبّر عنه بـ”ادّعي، أعلن، صرح، كشف” هو صحيح اذا كان الشيء هو بالفعل كما قيل عنه . لا توجد اشياء مثل الحقيقة التجريبية النسبية، لاشيء من قبيل “صحيح بالنسبة لي”او “صحيح لك”. فقط الرأي هو الحقيقة، وان الافضليات التي ربما تُبرر او لا تُبرر عقلانيا، يمكن ان تكون ذاتية بهذه الطريقة. الشيء يكون صحيحا اذا كان قد تأسس بواسطة الملاحظة والتجربة. انه احيانا يأتي من شخص ما يحاجج بآمان ولا حاجة ضرورية للجدال معه. ان انكار الحقيقة لا يضع حقيقة بديلة وانما الكذب. هل كونك معقول هو نفس كونك عقلاني؟ السمة المعرّفة للبشرية التي تميزنا عن الحيوانات الاخرى هي قدرتنا على التفكير. تلك القدرة لا هي هدية من الآلهة ولا هي اسطورة، وانما نتيجة لكوننا مخلوقات نستعمل اللغة. القدرة على التفكير تتضح في التفكير. التفكير يرسم استنتاجات من المقدمات او الافتراضات التي تبرر الاستنتاجات. عقل المرء يكون جيدا عندما توفر افتراضاته اسبابا جيدة للايمان بان الاستنتاج صحيح. الكائن العقلاني قادر على تمييز شيء ما كسبب، وهو قادر على وزن الاسباب، التشاور مع العقل، والوصول الى استنتاج على اساس من الأسباب. العقل يقوم بمهمتين اثنين هما الارشاد والتنظيم. عبر استخدام العقل نحن لدينا مرشد لأفكارنا وأحكامنا المتعلقة بالأشياء وبقراراتنا المتعلقة بما نريد وما نعمل، وبمشاعرنا لأننا لدينا عقول للتفكير وللفعل . باستخدام العقل نحن نتحكم بميولنا القوية للتفكير والفعل والشعور لأسباب سيئة او بدون أسباب. القرار باختيار ممارسة قدرتنا العقلانية هو متروك لنا. المخلوقات التي تستطيع التفكير هي وحدها تستطيع الاجابة على سؤال “لماذا”؟، هم يستطيعون تبرير ما يعتقدون به، ما يشعرون به، ما ينوون القيام به، ويستطيعون تبرير وتوضيح ما اعتقدوا او، شعرو به او فعلوا. قدرتنا على التفكير لها وجهان: كوننا عقلانيين rational وكوننا معقولين reasonable. كل شيء معقول هو عقلاني ولكن ليس كل ما هو عقلاني معقول. الرجل الاقتصادي العقلاني هو نموذج للامعقولية. المرء يكون عقلانيا اذا كان تفكيره صالحا و لا يتأرجح بالاعتبارات غير الملائمة.ولكن احدا ربما يكون عقلانيا في متابعة أهداف سخيفة او شريرة، او يسعى لهدف فردي (مثل مضاعفة الربح) في عدم اعتبار جميع الآخرين ومتناسيا الخير للناس الاخرين. كونك عقلانيا، بهذا المعنى، مرتبط بالاداتية Instrumentality. المعقولية وهي الوجه الآخر لقدرتنا في التفكير ترتبط بتقدير القيم وتعدديتها من حيث الوعي بالاهتمامات الشرعية للآخرين، وبالمقدرة على التوازن بين الادّعاءات المتصارعة للناس والمواقف. اللاعقلانية تتعارض مع كل من المعقولية والعقلانية.

ما هو مشروع التنوير؟

التنوير كان حركة فكرية اوربية – امريكية برزت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر في مراكز متعددة وفي اوقات مختلفة. أعضاء حركة التنوير كانوا جماعة صغيرة من المثقفين تضم الفلاسفة والعلماء الذين كانوا يكافحون تمايزات عصرهم وكذلك شخصيات نقدية بارزة. التنوير كحركة عالمية اكتمل في مؤتمر فيينا عام 1815، مع إعادة ادخال النظام القديم في كل اوربا، وإعادة تفعيل الكنيسة، وكبح حرية الكلام والدين، وإحياء قوانين العقوبات الوحشية. مشروع التنوير مستمر حتى اليوم، وحاليا هو تحت تهديد خطير من اصوات الوطنية اللاعقلانية، الخوف من الاجانب، التعصب الديني، متطلبات الاقتصاد الرأسمالي لتعظيم ارباح الشركات ونمو الاقتصاد القومي في تجاهل الأهداف الاخلاقية والاجتماعية الاخرى، وهو يواجه ايضا تهديد سياسات ما بعد الحقيقة.

التنوير لم يكن عالميا فقط بالعضوية ومراكز النشاط، وانما هو عالمي في الروح ايضا لأنه ادّعى ودافع عن التبادل الدولي الحر للافكار والمعرفة العلمية (حتى في وقت الحرب) وطوّر برامج للسلام العالمي (كانط). رجال التنوير وافقوا على فكرة الامم المتحدة (ولكن ليس على تطبيقاتها). رجال التنوير الاوائل (مثل فولتير) لم يدعموا الديمقراطية وشعروا بالارتياح مع النظم الاوتوقراطية شرط ان تكون تنويرية ذات سلطات دستورية محددة. الأعضاء اللاّحقين مثل (بنثام Benthan، باين Paine، غودون Godwin) دعوا الى الديمقراطية النيابية. في الواقع، جميعهم امتلك الايمان بالتقدم الاخلاقي و السياسي والقانوني الذي ينتج ليس من الثورات وانما من الاستخدام الحر للعقل وتطوير العلوم التجريبية. معظم مفكري التنوير كانوا مؤيدين لحقوق الانسان العالمية (باين، كانط) وكافحوا باقلامهم الكبيرة لأجل الاصلاح الجنائي وضد الاعتقال التعسفي واستخدام التعذيب القضائي والتطبيق الواسع لعقوبة الاعدام (بيكاريا Beccaria، بنتام). في الحقيقة، جميع أعضاء التنوير كانوا ضد رجال الدين . أعضاء الحركة الاوائل مالوا نحو الروحانية تبعهم فيما بعد اللاادريون ليتطوروا اخيرا الى ملحدين في اواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. هم لم يسعوا الى تحطيم الدين وانما دعوا الى التسامح الديني (ليسنك Lessing). معظمهم طالب بفصل الكنيسة عن الدولة، وازالة السلطة الدينية من التعليم. هم فضّلوا تعليما عالميا وانتشار المعرفة المرتكزة على بحوث تجريبية سليمة وعلى نظرية علمية موجهة نحو تحسين ظروف الانسان. وبقدر ما يتعلق الامر بالاخلاق، هم رفضوا الرؤية الثيولوجية القائلة بانه في غياب الايمان الديني والامتثال فلن تكون هناك اخلاق طالما ان الاخلاق تتأسس على مثال ديني. بالعكس، طبقا لمفكري التنوير، الاخلاق ظاهرة طبيعية يمكن توضيحها بالاشارة الى التعاطف الانساني الطبيعي والحاجات الطبيعية للتعاون الاجتماعي (هيوم، آدم سمث)، او بالاشارة للاستعمال الطبيعي للعقل الانساني المستقل (كانط).

ماهي نتائج فقدان الايمان بالعقل؟

إهمال الايمان بالعقل سيخلق فراغا ما لم يتم افتراض بديل. ولكن الدعوة الى خيارات مثل (الوطنية الهائجة، كراهية الاجانب، الاصولية الدينية) هي ذاتها تستلزم اللجوء الى اسباب سيئة وفقيرة تخضع لمحكمة العقل. جزء من الالتباس بالتأكيد يبرز من الفشل في التمييز بين وسيلة العقلانية الاقتصادية والمعقولية. الاحباط من العولمة، سوء توزيع الثروة، الوصول الى المنافع الاجتماعية (الرفاهية، الرعاية الصحية، التعليم)، والاغتراب السياسي لايمكن اصلاحها باللاعقلانية، وانما فقط عبر المعقولية والنقاشات المعقولة. عندما ينهار ذلك، سيحصل الخراب المجتمعي.

هل نحن نعيش في عالم مفرط في العقلانية والمعقولية؟

كلا، ليس كذلك ابداً . افتقارنا للاستجابة الجادة للتحديات الكبرى التي تواجهها البشرية، مثل الاحتباس الحراري، الانفجار السكاني، لم يكن عقلانيا ابدا. نحن نندفع كالقوارض نحو هاوية الارتفاع بمقدار اربع درجات في حرارة العالم في نهاية القرن وسكان بمقدار 11.5 بليون نسمة.

شكلنا الحالي من الحياة المادية، الاستحواذية والشديدة المنافسة والغير آمنة، يستلزم تفكك العائلة وإضعاف الهوية الاجتماعية، وفهم التعليم ليس كخير في ذاته وانما فقط كإعداد للمشاركة في اقتصاد السوق، وفرض نموذج اقتصاد السوق وعلاقات النقود على العلاقات الانسانية وعلى كل المؤسسات الاجتماعية (المدارس، الجامعات، المستشفيات، الخدمات العامة، الحياة الثقافية للامة)، وكل ذلك ليس عقلانيا .

اي من هذه القضايا او غيرها من المشاكل الاخرى سوف لن تُحل بالمزيد من اللاعقلانية واللامعقولية. هي يمكن حلها فقط بتحديد الحقائق ومواجهتها بالنقاشات العامة والحجج المعقولة.

كنوز العراق.. في زمن الكساد النفطي؟

(ان الارنب لا يخاف من الاسد لأنه اذكى منه: كتاب كليلة ودمنة)

كان النفط وما زال مصدراً اساسياً لدخل العراق ومعظم دول الشرق الاوسط وبالأخص دول الجزيرة العربية، ولعقود طويلة لم يحقق النفط لأي منها وجوداً معنوياً ولا قوة اقتصادية مرجوة، فمعظم الدول العربية استنزفت عوائد التصدير منذ اكتشاف النفط في اليمن (الحديدة) في العام 1912 وانتاجه في العراق 1925 وبعده دول الخليج الاخرى الى يومنا هذا في الاستهلاك والانفاق غير الانتاجي الا ما ندر، بل على العكس اصبحت هذه العوائد وبالاً على اغلب الشعوب العربية حين ساهمت بصناعة الجمهوريات المستبدة والمماليك المتوارثة والحروب المفتعلة ناهيك عن اشاعة ثقافة الاستيراد السلعي والاتكالية والاستهلاك الفاحش والوظائف غير المنتجة، ولم يفلح نفط الجزيرة العربية بصناعة ناتج قومي مستقر واستثمارات حقيقية تضمن للأجيال حياة كريمة ومستقبل مقبول في ظل تنامي المنافسة في العالم في التصنيع والابتكارات وتطوير المهارات، عدا بعض المحاولات القليلة من بعض دول الخليج في الاستثمارات الزراعية خارج اراضيها القاحلة او محاولات متأخرة لدعم قطاعات النقل والموانئ والمدن التجارية والسياحية بالاستفادة من عوائد النفط، وباستثناء ذلك لم تزل البطالة تشكل القاسم المشترك لحوالي ثلث او اكثر من القوى العاملة في هذه البلدان.

كما ان من نتائج الاعتماد على الريع الأحادي من تصدير النفط هو ما نشاهده من اجيال كسولة انتجتها التخمة المالية وافواج من العاطلين والموظفين الخاملين لن لم يكونوا فضائيين بعد ان توقفت نشاطات الانتاج والتصدير واستعيض عنها باستقدام العمالة الاجنبية والاستيراد السلعي لجميع الحاجيات الى درجة انك لا تشاهد في الاسواق سوى باعة يملئون الاسواق الرئيسية والفرعية والازقة بل اصبح بيع المستورد يملئ الدور التي توصل الطلبات الى ابواب منزل المستهلك. وشمل ذلك جميع انواع السلع حتى وصل الى استيراد الخضروات والزهور والالبان والمياه المحلاة وحتى ملح الطعام والاكياس الورقية والنايلون، هذه الحال تركت المجتمع المؤلف من 40 مليون انسان عراقي بين سندان الموازنة المرتكزة على اسعار النفط ومطرقة البطالة والبلادة الانتاجية لدى شعب صنع العجلة وشرع قانون حيازة الارض ورعايتها وانتج الحرف الذي استفادت منه البشرية في صناعة حاضر مشرق بالإنتاج والابداع والاكتفاء بينما اكتفى هو باستيراد ما تنتجه البلدان ولم يستخدم يده سوى بأنفاق ما تجود به الموازنة من راتب شهري مهدد في السنوات القادمة، ما دام الصناعي اصبح كاتباً والمزارع اصبح موظفاً والموظف اصبح مستهلكاً، ان هذا الحديث يبدو ثقيلاً على مجتمعاتنا لكن بمجرد النظر الى مزايا العراق وتنوع موارده الطبيعية وثرواته البشرية المتمثلة بالعقول الخلاقة القادرة على التأقلم مع متطلبات المراحل الحرجة سيدرك القارئ ان في الكلام وجهة نظر. بعد ان ظهر حجم الجمود الذي انتاب هذا الشعب الحي بداعي الوفرة المالية المتأتية من النفط، بينما اثبتت تجارب الحروب والحصار الاقتصادي في تسعينيات القرن الفائت، لكن مقارنة تلك القدرات القومية الرهيبة مع الانتاجية الصفرية الحالية التي وصل اليها العراقي

ومع اقتراب نهاية قرون من اعتماد العالم على استهلاك الوقود الاحفوري في توليد الطاقة فان جائحة كورونا اعطت انذاراً مبكراً واخيراً للدول التي اعتمدت طويلاً على عوائد النفط، اذ من المؤمل ان يتضاءل الاعتماد على مشتقات النفط في العام 2035 ، وبحسب خبراء الطاقة فان آخر سيارة تعمل بالبنزين ستصنع في العام 2034 واليك ان تتصور ما ستكون عليه حال الصناعة النفطية بعد 14 عاماً من الان.

ان الحديث عن واقع اقتصادي مؤسف دون اعطاء اشارات نجاة يبدو بلا طائل، لذا سنعرض جزء من الامكانات الاقتصادية والانتاجية في العراق لنرى هل نحن شعب سوف يفلس اذا رفعت عنه عوائد البترول؟؟ كما سحاول ان نضع خطوط عامة للحلول التي بأيدينا على وفق الظرف الراهن من ولقع المجتمع الاستهلاك وموارد طبيعية وتاريخية مع الاخذ بنظر الاعتبار التضخم السكاني وتقلص حجم المياه السطحية المتدفقة وتصحر الاراضي الزراعية، ولتكن البداية من مصادر دخل غير مرصودة كثيراً، ولعل اهم الموارد الوطنية التي ينبغي العمل على وضع الخطط التنموية لها مستقبلاً ما يلي:

1- تفعيل مبدأ صناعة الفرد المنتج ودحر ثقافة الاستهلاك: ان اول ما يراد تطبيقه هو تغيير نمط التعامل مع الموارد عن طريق استقطاب ورعاية الابداع الانساني وتوجيهه الى العمل بمختلف الانشطة الاقتصادية من زراعة وتصنيع وتجارة وخدمات وبناء وبث وعي مجتمعي لجميع الفئات بضرورة توظيف الطاقات ضمن الفعاليات الانتاجية لتحقيق الاكتفاء الذاتي، واتباع الاسلوب العالمي الحديث القائم على الابتكار والتجديد والمنافسة والبدأ بتطبيق نظريات بحثية وبراءات اختراع ظلت حبيسة صدور اصحابها في مجلدات وكتب ومنشورات ومختبرات الصناعيين والكيمياويين والالكترونيات وبحوث البوليمر والاستزراع والاغذية وكيمياء الادوية والتصنيع الالكتروني والحرفي وغيره من اشكال الابداع العلمي والتخصصي في العراق، والالتفات الى ما لم يؤخذ بايدي اصحابه ومبدعيه من قبل القادة والمسؤولين، ان مهمة ومسؤولية استخراج كنوز العراق الاقتصادية تحتاج الى قيادة رشيدة ومواطنة صالحة واستقدام تجارب عالمية واقليمية ناجحة في ادارة الموارد في زمن الكساد النفطي والاستفادة من خبرات الكفاءات المنتجة سواء العائدة من دول مزدهرة او التي عكفت على التطوير داخل العراق، وهنا لابد من القول ان الاستضاءة بخطوات الاستثمار التي انتهجتها العتبات المقدسة في كافة القطاعات من التجارب الملهمة التي يندر تكرارها، وبالرغم من منطلقاتها بدأت عقائدية الا ان امتداداتها المعاصرة اصبحت ذات جدوى ونفع اقتصادي خدم الجماهير في اهم القضايا المصيرية واصبح الدعم اللوجستي والصحي والتجاري والفكري من السياقات والتجارب المعاصرة التي نحتاج الاستفادة منها، ولعل اهم ما يميزها هو استقلاليتها التامة عن الحكومة المركزية، ان لعب دور مؤسساتي اكبر للمنشآت الاقتصادية يحتاج الى تأصيل وتوظيف ومحاكاة هذه التجربة الفريدة على المستوى الوطني بالإضافة الى التجارب الاقليمية الناجحة .

2- العوائد الاستثمارات البحرية والمينائية: لن ننفق وقتاً في الحديث عن الصيد البحري والاستزراع الساحلي واستثمار الاملاح البحرية وتسخير طاقة المد والجزر التي تحرك المياه بسرع عالية 4 مرات يومياً وامكانية توليد الطاقة، لكن لنتحدث عن القدرات المينائية المحورية للعراق في مشروع عالمي هو طريق الحرير الذي سيغير ميزان القوى الاقتصادية، اذ يهدف المارد الصيني الى لعب دور عالمي اكبر في التجارة بعد تحقيق مشروع الربط البري والبحري والجوي (الحزام-الطريق) الذي يقع العراق في نقطة محورية منه في الربط بين اسيا واوربا وما يمكن ان يصنع من نقلة اقتصادية رهيبة للعراق وتوفير فرص عمل ويكفي ان الكويت التي تحاول الهيمنة على دور العراق في هذا المشروع بنت امالها الكبرى لاقتصاد ما بعد النفط على هذا المشروع، ولنا مقالة تفصيلية نشرت قبل سنة تقريباً فيها تفاصيل هذا المشروع.

3- مورد صناعة السلع الاستهلاكية والتصنيع الحرفي: امتلك العراق لغاية ثمانيات القرن الماضي امكانيات مشهودة في صناعة الحديد والصلب والنسيج والجلود والصناعات الالكترونية وصناعة التكرير صناعة الاغذية والورق وصناعة الادوية وصناعة التجميع وصناعة مواد البناء والزجاج والصناعات الكيمياوية والاستخراجية والتعدين الى درجة كانت تشكل شبه اكتفاء ذاتي في بعض السلع ، ويمكن لهذه الصناعات ان تستوعب ملايين الخريجين والعاطلين عن العمل وخريجي الدراسات المهنية اذا اعتمدت السوق المحلية كمستهلك بالأخص صناعة الهواتف النقالة والكهربائيات ومواد البناء والعقاقير الطبية والسلع الاستهلاكية الاخرى، ولابد ان يكون اسلوب الصناعات الجديدة مبني على الجودة والمنافسة.

4- المورد الزراعي: وهي الحاضر الغائب في المشهد واكثر ما يراد الاسراع بالبدء بها بطرق واساليب حديثة وخطط زراعية لإنتاج محاصيل استراتيجية، ولا داعي للتذكير بـأن معظم العراقيين من اباء واجداد مزارعين اكلوا ما زرعوا وان اكثر من نصف مساحة وطنهم يمكن زراعتها باستثناء ما يمكن استصلاحه من مساحات اضافية ما زالت تنتظر من يعيد لها الثوب الاخضر، اذا ان هنالك امكانية واقعية لاستصلاح مساحات شاسعة من الاهوار والاراضي الصحراوية والمساحات المتروكة او زراعتها بالزراعة الملحية، خصوصاً واننا نتحدث عن ملايين الدونمات يمكن استثمارها بزراعة محاصيل استراتيجية كالقمح والشعير والذرة وقصب السكر ومحاصيل العلف الحيواني.

5- مورد الرعي وتربية الحيوانات وهذه الحرفة لم تؤخذ القسط الكافي من الاهتمام وكانت ملتصقة بحرفة الزراعة بينما يمكن توسيع العمل بالرعي بشكل مستقل في مناطق واسعة من الهضبة الغربية واراضي التلال وضفاف الانهار وانشاء معامل الالبان والصناعات النسيجية والجلدية بالقرب من المناطق الرعوية ، فضلاً عن توسيع حرفة صيد الاسماك والطيور وتربية الدواجن ضمن مشروعات كبيرة ومنظمة بقصد التصدير.

6- المورد السياحي: ان للعراق تاريخ سياحي منذ 1940 في استقدام السواح الى المصايف لكن ملف السياحة لم يأخذ مداه المؤمل، ولنركز على السياحة الدينية لأنها تحتل المرتبة الاولى من انماط السياحة العراقية »بنسبة 80 % تليها (السياحة الثقافية والأثرية بنسبة 15 % ثم تأتي سياحة الأعمال بنسبة 5»%، وهي من اكبر المدخولات المالية اذا وضع لها استراتيجية واضحة وبيئة سياحية حاضنة، اذ يعتمد عليها 544 ألف شخص بنسبة 3 % من الناتج المحلي لعام 2020، ويكفي ان نشير الى مردود السياحة الدينية مؤخرا كانت بعوائد مالية تراوحت بين (1- 5 مليار دولار)( ⁕ ) بمتوسط نسبة 3.6 % من اكبر عائد نفطي للعراق وهو 83.7 مليار دولار في 2020 ، تأتي من المزارات الشيعية في النجف وكربلاء وبغداد، وقد لا نتصور حجم المدخولات الهائلة والمردودات الكبيرة اذا تم تنمية هذه السياحة ورفدها بمواقع وانشطة سياحية رديفة وخدمات فندقية وتطوير البنى السياحية المهملة، ومن اهم مزايا السياحة الدينية انها تخدم قطاعات محلية عديدة تبدأ من استيفاء منح تأشيرات ملايين الزائرين سنوياً ونقلهم واسكانهم وتبضعهم وتنقلاتهم.

7- مورد تحلية المياه البحرية وانتاج الطاقة الكهربائية من الاشعة الشمسية وطاقة الرياح (الطاقة الخضراء) وهي من الانشطة الممكنة جدا في العراق هي ضرورة في مع تنامي الضغط على موارد المياه السطحية من قبل دول المنبع.

ان الباحثين بالشأن الاقتصادي يدركون ان آلية التعامل مع المتاح من موارد يجب ان يكون مبني على خطط تنموية وطنية قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، كما يستلزم ذلك اعتماد الاستدامة والحداثة في اساليب الاستثمارات الزراعية والصناعية والتعدينية والخدمية وهذا سيكون ثقيلاً علينا ان بقينا بجمود الهمم وعدم الاهتمام بالقدرات الابداعية وتهميش العقول والتمدد في ساح الملامة على بعضنا، فلا متسع من الوقت للتراخي والتسويف في مواجهة التحدي الاقتصادي الاكبر في قادم الايام.

( ⁕ ) حسن، محسن (2020) السياحة الدينية في العراق: الواقع والمأمول – دراسة وصفية -مركز البيان للدراسات والتخطيط، بغداد 32 صفحة.

في ظل جائحة الكورونا: المؤتمرات العلمية الافتراضية للجامعات العراقية

تعد المؤتمرات العلمية واحدة من اهم الاحداث الرئيسية في جدول اعمال العلماء لما لها من غرض مهم في تقديم اعمالهم الجديدة إلى زملائهم بهدف تلقي ردود الفعل في مرحلة مبكرة من أبحاثهم، وبالتالي فهي جزء لا يتجزأ من عملية البحث العلمي والابتكار والتنقيب العلمي. وهي بمثابة مراجعة أقران غير رسمية يمكن أن تساعد الباحثين على تطوير عملهم وتوضيحه وتنقيحه أثناء شروعهم في كتابته وتقديمه للمراجعة الرسمية والنشر النهائي. بالإضافة إلى ذلك، تتيح المؤتمرات للباحثين الاستماع إلى ما يبحثه الآخرون في مجالهم وفي التخصصات ذات الصلة، والتحدث مع الزملاء من مؤسسات مختلفة حول العالم، والتعرف على الأبحاث والأدوات والتقنيات الجديدة التي قد تكون ذات صلة بعملهم. بعض المؤتمرات صغيرة وتركز بشكل ضيق على موضوع معين، في حين أن البعض الآخر يهدف إلى جمع عدة آلاف من العلماء معًا سنويًا. بغض النظر عن حجم الاجتماع، فإن الهدف الرئيسي هو جمع مجتمع من العلماء معًا وتوفير الفرص لهم للتفاعل.

ومع إلغاء المؤتمرات العلمية في جميع أنحاء العالم، يعيد الباحثون التفكير في كيفية الارتباط مع بعضهم. وبدأ يطرح في اوساطنا العلمية سؤال حول “ما هو الهدف من المؤتمرات الآن؟” وعلى الرغم من اننا لن نتوقع حدوث تغيير جذري في الارتباطات العلمية، إلا أن البعض يأمل أن يؤدي هذا على الأقل إلى إجراء بعض التغيرات الحقيقية في طريقة عقد المؤتمرات وأساليب التفاعل بينهم عبرها. ولربما يمكن ان يحدث هذا التحول في جعل حضور المؤتمرات أكثر سهولة لمجموعة أوسع من الباحثين، على سبيل المثال أولئك من الجامعات التي تفتقر إلى الموارد وجامعات العالم النامي.

لجأ العديد من المنظمين والمشاركين إلى التفكير في عقد مؤتمرات افتراضية عبر الإنترنت كوسيلة للاتصال والتفاعل، وتحاكي على الأقل بعض أجزاء الاجتماع الفعلي. وهي بالرغم من الاستجابة الضعيفة لها يمكن أن تكون بداية التحول إلى مؤتمرات يسهل الوصول إليها. هناك عقبات كثيرة لابد من تخطيها وهي كيف تضمن تفاعلا بين الباحثين كما هو يحدث عادة في المؤتمرات والتي يعتبرها البعض اهم من القاء البحوث، فهي كمثل لعبة كرة القدم الافتراضية لا يمكن مقارنتها بلعبة كرة القدم الحقيقية!

المؤتمرات الافتراضية في الجامعات العراقية

في العراق، ومن دون دراسة او استعداد او خبرة، بدأت ظاهرة عقد المؤتمرات الافتراضية تغزوا المجتمع العلمي وبدأت الجامعات والكليات تتسابق لعقدها، لربما لتثبت للعالم ان العلماء والباحثين العراقيين لا تثنيهم إجراءات الحجر الصحي ولا بقاءهم في البيوت، ولربما وجدوا في الغاء عقد المؤتمرات العالمية، وتوقف او تعثر البحث العلمي في العالم غرابة وتعارضا مع المثابرة والجهد والتحدي العلمي الذي اعتادوا عليه في نشاطاتهم اليومية. لكنه لا تبدوا لي هذه هي الأسباب الحقيقية التي دعت الجامعات العراقية الى عقد مؤتمرات افتراضية، عكس ما يجري في العالم من تشاءم حول إمكانية مثل هذه المؤتمرات ان تحل محل المؤتمرات التقليدية وتحقق نفس أهدافها.

ما يبدو لي ان المسؤولين في الوزارة تبنوا قرارا من مثل دفع الجامعات على الاستمرار في نشاطاتها في عقد المؤتمرات وبصورة افتراضية، وهو ما يتلاءم مع استمرار التدريس اون لاين. وطالما ان المشاركة في المؤتمرات لها ما يغديها من دوافع متمثلة في كتب الشكر، والنشر، وشروط التحصيل للشهادات العليا، والترقية العلمية، فأنها لابد ان تلاقي من الترحيب بما يكفل عقدها واستمراريتها بالرغم من ضعف البحث العلمي او حتى توقفه.

كنت قد تساءلت مرات ومرات عن السبب في عقد الجامعات والكليات والاقسام مؤتمرات علمية؟ هل ان الباحثين في حاجة الى اعلام زملائهم بمنتوجاتهم، وانهم بحاجة الى وسيلة للترويج لعملهم؟ أم انه كتعويض لهم لعدم تمكنهم من المشاركة في المؤتمرات العلمية العالمية؟ ام لأنه مجرد تقليد سيء لما يجرى في العالم اعتدنا عليه منذ أيام الحصار في العهد البائد؟؟ من الغرابة ان نجد في العراق هذا العدد الهائل من المؤتمرات العلمية الباهظة التكاليف بالمقارنة بالجامعات العالمية التي نادرا ما تعقد مؤتمرات بنفسها، فالمؤتمرات في العالم تعقدها منظمات ومؤسسات وجمعيات مستقلة تستقطب فيها علماء من كل الجامعات ومن كل البلدان، وتحقق في العادة ارباح للمنظمين. الغرابة في المؤتمرات العراقية كونها مجرد عرض للأعمال الجديدة للباحثين ومن دون مراجعة أقران حقيقية لها، وليس كمجال لتنظيم برامج التعاون العلمي بين الباحثين أنفسهم، وبينهم وبين الشركات ومؤسسات البحث والتطوير، ولا الى رسم خطط لعمليات مشتركة لتحصيل أموال جديدة للبحث العلمي.

التساؤل الاخر الذي طرحته في الماضي والذي لا أجد اجابة عنه هو: هل ان عدد المؤتمرات العلمية في العراق هو انعكاس لكثرة البحوث العلمية واهميتها؟ لو ان المؤتمرات العلمية غير موجودة في العراق، هل ستتأثر نوعية البحوث، وهل يقل عددها وعدد الأوراق المنشورة؟

واليوم وفي ظل هجوم العالم الافتراضي نتساءل عن الدوافع لعقد المؤتمرات العلمية الافتراضية. لربما هناك بعض التبريرات الموضوعية والتي تتمحور حول ضرورة الاستمرار في تقليد اعتدنا عليه سابقا وليس من بديل في أيام انتشار الجائحة الا عقدها عن طريق الانترنت. إذا كان هذا هو التبرير الصحيح أستطيع القول ان هذه المؤتمرات الافتراضية لن تختلف كثيرا عن المؤتمرات التقليدية في الجودة والشمولية والاهمية، ولسبب ان المؤتمرات التقليدية السابقة ما كانت بحقيقتها الا افتراضية فيما عدا الحضور البدني للمشاركين. من هذا المنطلق أرحب بالمؤتمرات الافتراضية لأنها ستوفر أموال عقد مؤتمرات لا تسمن ولا تغني عن جوع. وقد تساعد في تحقيق التفاعل الابداعي بين المشاركين والذي تفتقده المؤتمرات التقليدية، والذي يعتبر في العادة اساسا لنجاح أي مؤتمر. ولربما أيضا لن يتم دعوة المسؤولين من غير الاختصاص، ولا في جلوسهم في الصفوف الأمامية، مما يسمح لأصحاب الشأن من المشاركين من وجود فعلي مبني على الرغبة الحرة فلا يتركون المؤتمر حال مغادرة المسؤولين كعادتهم في المؤتمرات التقليدية. ومن المحتمل ان لا تكون هناك شهادات مشاركة، وعندها ستكون المشاركة للمهتمين فقط. وسيكون رائعا إذا تخلت المؤتمرات الافتراضية عن فكرة نشر الأبحاث التي اعتادت عليها المؤتمرات التقليدية لان مشروع القاء البحث في مؤتمر ونشره عن طريق المؤتمر نفسه لا يعد له اية اهمية كإنتاج علمي، ولا يمكن لهذا البحث من الاعتراف به كإنتاج علمي الا بعد نشره في مجلة علمية.

مع الأسف ما كانت هذه الا كلمات عابرة لا أرى انها ستؤثر في العقلية السائدة لعقد المؤتمرات، ومع هذا، ولربما، سيضطر المنظمون للمؤتمرات الافتراضية من تحقيقها لما تفرضه عليهم طبيعة وشروط التواصل عبر الانترنت.

دعني اتمادى وأزيد في تمنياتي بالدعوة الى مشاريع وفعاليات كتطوير للمؤتمرات او كبديل عنها، وهي كالتالي:

1- اقامة ورشات عمل لتحسين كفاءة الاستاذ والطالب، وتطوير قابلياتهم الابداعية والمهنية.

2- تحسين اسلوب كتابة مشاريع البحث العلمي، وربط اهدافها بالنشر بالمجلات العالمية الكبرى.

3- التخلي عن استخدام عنوان “المؤتمر العالمي” فالعالمية لا تتحقق بمجرد مشاركة عدة شخصيات من خارج البلاد.

4- تجنب عقد مؤتمرات شاملة تضم على سبيل المثال الطب والعلوم والهندسة والانسانيات لان ذلك لا يتناسب وطبيعة المؤتمرات العلمية ويضفي على المؤتمر صفة “بتاع كله” على حد قول المصريين.

5- منع تنظيم المؤتمرات من قبل الكليات والاقسام وتشجيع اقامة المؤتمرات العلمية من قبل مؤسسات مستقلة خارج الجامعات وبتمويل من قبل المشاركين عن طريق استحصال اجور المشاركة.

6- التقليل قدر الامكان من دعوة المسؤولين لافتتاح المؤتمرات، وعدم السماح بحضور المؤتمر لغير المشاركين الفعليين.

7- مقاومة الرغبات في وضع توصيات عامة شكلية لا علاقة خاصة بأهداف المؤتمر، ولا تتوفر الارضية الواقعية لتحقيقها في فترة ما بين مؤتمرين.

8- نشر مختصرات البحوث فقط وتجنب قدر الإمكان نشر البحوث كاملة في اجراءات المؤتمر لان ذلك قد يمنع نشر البحث في مجلة علمية رصينة، كما ان نشر “بحوث” المؤتمرات كاملة يشجع الادعاءات الزائفة والمواد المقتبسة والضعيفة.

بروفسور الهندسة الخلوية، جامعة دبلن

التسارع والتباطؤ وإنتاج المعارف

“نحن مستعدون لتخفيف السرعة لاستعادة السيطرة على مسار الأحداث”

الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني هارتموت روزا

تشخيص المقدار في كل حركة يعتمد على دقة الشخص ووعيه، وتشخيصه لأهمية كل حركة ودلالاتها ومآلاتها وتداعياتها، قد يقول البعض أن هذه الدقة والتعاطي الشمولي أمر صعب، وفيه تضييق وتشديد على الإنسان.

فالتباطؤ الذي يطرحه هارتموت روزا ناظر إلى الحركة الديناميكية في النمو وخاصة الاقتصادي منه في الغرب، والتي تعتمد على تسارع الإنسان ضمن نطاق زمني ضيق ليحقق أكبر حجم من النمو الاقتصادي، وهو ما أفقده لحظة الوعي للذات، وأدخله في دوامة الوقت والعمل والتشييء، قد تصل حالة التسارع إلى اغتراب الإنسان عن ذاته وعن وعي محيطه بشكل واقعي.

لكن سأستغل مفهوم التسارع والتباطؤ في بعده الابستمولوجي (المعرفي)، والذي يعتبر استغلال منهجي يشكل قبلية معرفية من الناحية المنهجية في فهم حركة التسارع والتباطؤ في النمو وفي أبعاد أخرى.

وأعني هنا بالذات النخب والمفكرين المعنيين بصناعة المعرفة وإنتاجها، وما يترتب على هذه الصناعة والإنتاج من تداعيات على مستوى السلوك الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. فالمصنع الجيد ينتج بضاعة جيدة وذات جودة عالية، يصبح لها سمعة اقتصادية وسوقية تزيد من نسبة استهلاكها وربح المصنع، والمصنع السيئ ينتج سلع سيئة ذات جودة رديئة، وبالتالي يكون صدى استهلاكها ضعيف، أو يكون مستهلكها من بيئات فقيرة، لا يهمه جودة المنتج بقدر ما يهمه سعرها الزهيد، لذلك يكون عرضة للاستغلال والغش بل قد يعرض صحته وحياته للخطر، لعدم جودة السلعة وضمان نسبة أمان صحي عالية من حيث الجودة الصحية وأهليتها للاستهلاك البشري، خاصة في الدول التي لا يوجد عليها رقابة قوية على جودة المنتجات وأهليتها للاستخدام البشري.

وكذلك المعارف، لكن تختلف المعرفة في كونها تشكل بنية الإنسان الفكرية، وهي التي تدعم وعيه وتبني أسسه، وهي التي توجه سلوكه ليدرك ويميز بين السلع الجيدة والرديئة.

تعتبر المعرفة السلاح الأول في الصفوف الأمامية التي على كل إنسان التسلح بها، لأن الإدراك ووعي الإدراك بالمحيط والذات والوظيفة يحدد سلوك الإنسان في محيطه وعلاقاته، بل يؤسس لمنظومة الحقوق الواجبات، ومنظومة القيم والمعايير والقوانين التي تنظم حياة الفرد والمجتمع في محيطه.

وكما هو معروف أن للمعارف مصادر تستقى منها، هذه المصادر كفيلة بفهم طبيعة هذه المعرفة وقيمتها ومدى مطابقتها للواقع الخارجي، أي صدقها. وتكمن أهمية التركيز على المصادر والتحقق منها وتشخيص قيمتها في أنها القاعدة التي تشكل بنية فكر الإنسان وتحدد مسارات سلوكه وبناه المعرفية، وهذا يدفعنا لسؤال المعرفية وكيفيتها ومنهجها.

التباطؤ والتسارع المعرفي:

ان لكل شيء وزن وقيمة وصدى في هذا الكون، خاصة أن الإنسان حسي الطبع، وأغلب معارفه تتحقق بواسطة الحواس، فيكون اللفظ والمعنى والدلالة وما ينشئ عنه من تصورات في الذهن ويخلق دافعية في النفس للعمل، يكون ذا أهمية كبيرة يحتاج إلى إفراد جهد خاص في بنيته ودلالاته، وما ينشئ بالتالي عن نظمه في خطاب من دلالات معنوية وتصورات ذهنية وأفعال واقعية خارجية مترتبة عليه.

فلكل لفظ دلالة ومعنى وبالتالي صورة وفعل، لذلك كان الكلام من أخطر وسائل التواصل وأهمها، تكمن خطورته في صياغته كألفاظ لها دلالات ومعاني في جمل، وأهميته فيما ينتج عن هذه الصياغة من تصورات ذهنية تشكل منظومة السلوك والفعل الإنساني في المجتمع.

يحتاج الإنسان للبحث ليجيب على مجموعة تساؤلات قد تكون نتاج حراكه في محيطه ونتاج ملابسات واقعه، وهنا يسير الإنسان في عدة مسارات ليجيب على الأسئلة لتتشكل لديه وفق هذه الإجابات معطيات وتصديقات تتحول إلى معارف وأفكار ومعتقدات تحدد سلوكه ومنهجه وما يعتقده، ويحدد مساره في المحيط.

فهو في مسيرته البحثية يذهب من المجهول إلى المعلوم ومن المعلوم إلى المعلوم ومن ثم من المعلوم إلى المجهول ليجيب عن تساؤله.

فالواقع الخارجي يطرح عليه تساؤلات عديدة يجهل إجابتها، بل قد تكون تجاربه المعرفية الخاصة تطرح عليه تساؤلات تتطلب بحثا للإجابة عنها، هذه الإجابة يسافر خلالها الباحث ويكون سفر الباحثين على عدة أوجه:

يبحث خلال ذاكرته المعرفية المخزونة والمتراكمة عبر خبراته وأبحاثه السابقة، ومعارفه المتنوعة المكتسبة والموروثة، ويحاول خلالها الإجابة عن السؤال، وقد يخضع خلال هذه الرحلة لتحيزاته المعرفية أو لمعتقداته الخاصة، أو لبيئته ومحيطه ومعاداته وتقاليده.

يحاول الباحث الخروج من بيئته الخاصة المعرفية والتوسع في الإجابة خارج نطاق منظومته المعرفية والفكرية الخاصة بعقيدته وبيئته وعاداته وتقاليده، ولكن خروجه لا يعني عدم الاستعانة بها، بل هو خروج يراكم هذه الحصيلة، مع حصيلته الجديدة التي يتحصل عليها من البحث في إجابته عن التساؤلات، وأيضا هنا لا نضمن عدم وقوعنا في التحيزات المعرفية، وتطويع الجديد لحساب القديم.

باحث يحاول الإجابة على تساؤلاته منطلقا من قيمة صفر معرفيا، لأن لكل زمن تساؤلاته وإشكالياته في زمن التسارع المعرفي، القيمة الصفرية هذه لا تعني أبدا لفظه للثوابت المعرفية، ولا نكرانه لما تحصل عليه من معارف بالدليل القطعي، بل تعني محاولة البحث بأقل قدر من التحيز للوصول إلى أقرب جواب للواقع، والجواب بطريقة القيمة الصفرية أو ما هو أقرب للقيمة الصفرية، قد يعزز قناعات سابقة ومعطيات معرفية لديه، لأنه استند لمناهج جديدة معرفية ومتسلحا بالخروج من معارفه ومحاولا ترصد الإجابة وفق معطيات واقعية، وقارئا الآراء المتنوعة حول التساؤل محل البحث. فتعدد الآراء وتنوعها هو مصداق لجمع العقول إلى عقله الموصى به بالنص الصادر عن المعصوم ع.

وهنا لا أنكر أن هناك من الباحثين من يبدأ مساره في الشكل الأول من البحث، لكن يتطور معرفيا ومنهجيا وتتراكم معارفه وآفاقه المعرفية ليصل إلي الشكل الثالث من الباحثين، ومنهم من يختصر طريقه في البحث ليكون من الشكل الثالث، وهكذا، ولا ننكر أن التجارب كمصدر من مصادر المعرفة تركام المعارف وتثريها، وقد تكون في مرحلة من مراحل الباحث عائقا معرفيا يشكل له تحيزا بذاته، وجدار صد لذلك يجب أن تكون التجربة ملهمة من جهة، وكاشفة للجهل من جهة أخرى، ولكنها يجب أن لا تشكل قطعا بذاتها إلا إذا رفدت بمصادر معرفية أخرى قطعية الدليل، فكثير من الباحثين من يجعل من تجربته المعرفية الخاصة، قطعا ويقينا معرفيا، يقطع به طريقه البحثي والمنهجي نحو الحقيقة، وهو ما يترتب عليه تبعات معرفية وبالتالي منهجية وسلوكية من قبل من سيخلفه ويأتي بعده وبالتالي من قبل من سيتبنى رأيه ويحوله لمنهج عملي تطبيقي على مستوى الفرد أو المجتمع أو حتى الدولة والعالم كما سنرى لاحقا.

ويأتي كلامنا هنا في هذه الرحلة التي يسلكها الإنسان في مسيرته البحثية للإجابة عما يجهله، وهل كل الناس تسلك هذا المسار؟ أما هنا من يذهب من المجهول مباشرة دون المرحلة الوسيطة ليجيب عن تساؤله بشكل متسارع؟ وهل الذي يجيب عن تساؤلاته ضمن هذا المسار البحثي عن الإجابات يمتلك الأدوات المنهجية السليمة؟ وهل يخلو بحثه من التحيزات المعرفية؟ وحينما يجيب عن التساؤل هل يجيب عنه كمسلمة يقينية خاضعة لاعتبارات الاجماع والمشهور بحيث تتحول إلى دائرة معرفية مغلقة أمام النقد والتقييم وإعادة النظر؟

وهل النقد والتقييم لا يخضع للتحيزات المعرفية ولاعتبارات ذاتية؟

فعلى سبيل المثال لا الحصر، خاض الغرب معركة طويلة من العصور الوسطى مع الكنيسة، وكان لفهم الكنيسة ومعارفها دورا بارزا في تشكيل البنية المعرفية للمجتمعات الغربية على مدار قرون، وترتب على هذه البنية صناعة أحداث ورؤى سلبت الكثيرين حيواتهم لمجرد الخروج عن مألوف ومشهور الكنيسة وفهمها للكتاب المقدس، حتى في مجال العلوم والطب والمنطق والفلسفة، كانت الكنيسة هي الناطق الرسمي لها، فالأرض محور الكواكب فهي ثابته ويدور حولها الشمس والقمر، وحينما اكتشف القص برونو أمرا خلاف ذلك تم سجنه وتعذيبه ومن ثم حرقه بحجة الكفر، وهنا لي وقفة في التسارع والتباطؤ المعرفي، فمن جهة كان تسارع الكنيسة المعرفي في تبني قطعيات ويقينيات مغلقة غير قابلة للنقد والتبديل حتى مع وجود أدلة، سببا في مسار تسافلي معرفيا واجتماعيا، بل وحتى على مستوى الحريات وكرامات الناس وحيواتهم، هذا التسارع الذي رسم مسارا للأحداث أدى في نهاية المطاف لانقلاب كبير على الكنيسة وتدريجيا على الدين المسيحي برمته، بل على الدين ككل، ومن جهة أخرى هل يعتبر تسارع برونو في الإفصاح عن رأيه دون امتلاكه دليلا على هذه الآراء ومع ثبوت حقيقة ما تبناه لاحقا، هل يعتبر هذا التسارع محمودا؟ نحتاج هنا أن نتأمل قليلا قبل إطلاق الأحكام. فالكنيسة في تسارعها المعرفي دمرت كل السبل بين الناس والدين غالبا، وبرونو في تسارعه المعرفي فتح كوة في جدار الصمت لمن خلفه للتفكير خارج الصندوق، ولكن ومع ذلك هل إطلاق العنان لأفكاره وتأملاته دون إحرازه دليلا عليها، سواء دليل تجريبي أو عقلي منطقي هل يعتبر تسارعا في غير محله، وكان يمكن أن يمارس التباطؤ المعرفي حتي تكون حجته أتم، وبدل مرور سنوات طويلة عليها بعد موته لاكتشاف صحة ما طرحه، كان يمكن أن تختصر هذه السنوات من خلال تعميق تأملاته وتفكيره وإحراز أدلة تجعل للحقيقة مكانا في عقول وقلوب المحيطين؟

هنا لا يمكننا الجزم في موضوع برونو، ولكن في موضوع الكنيسة كان التسارع المعرفي سببا في تدمير علاقة الناس مع الدين، وفي تأخر كثير من العلوم أزمنة طويلة فوتت على البشرية فرصا للازدهار والنمو، وتأخرت عجلة التطور والنهضة قرون نتيجة التسارع المعرفي الذي حدد مسار الأحداث قبل التأمل في التداعيات والمآلات. الفرق بين تسارع برونو وتسارع الكنيسة، هو في نوعية المعارف، فبرونو امتلك حقيقة ثبتت بعد قتله بسنوات لكنها حقيقة لم يمتلك عليها دليل فهو سلك منهجا معرفيا خارج صندوق معتقداته وعاداته وتقاليد الكنيسة، وخارج المسلمات الاجتماعية والمعرفية العامة، لكنه في ذات الوقت تسرع في إعلان ما لديه قبل إتمام الدليل عليه، وقبل إخضاعه لمزيد من التعميق، ورغم ثبوت صحته بعد مدة زمنية طويلة، إلا أن إثبات هذه الصحة جاء من خلال التدليل عليه بأدلة أخضعت هذه المعرفة للتجربة، وأرفدتها بأدلة كشفت الزيف بشكل قطعي، فلمجرد مخالفتها للإنجيل ” الكتاب المقدس”، ومجرد أن يعبر الإنسان عن فكرة خارج الإطار المألوف، فهو حق له في التفكير الحر دون أن يعتبرها مسلمة مغلقة خارجة عن النقد. وقس على ذلك كثير من العلوم والمعارف التي تسارع أصحابها في تحويلها لقناعات ويقينيات مغلقة أخرت مسار البشرية أو حرفت مسارها، وتسبب ذلك في تقويض العدالة وهدر كرامة الإنسان.

فمسيرة الغرب المعرفية والتي كانت كرد فعل على العصر الكنسي في القرون الوسطى، وتحولاتها في عصر التنوير، وما طرح من قبل كثير من الفلاسفة أثر لاحقا على بنية الدول المعرفية وعلاقتها مع الدين والطبيعة والإنسان، أي في الرؤية الكونية، وفي تشخيص مصادر المعرفة التي تدريجيا أخرت الدين والغيب والعقل من هذه المصادر، وصلت بالغرب اليوم إلى التشيئ، تشييئ كل شيئ حتى الإنسان، وأخضعت نظمها الأخلاقية للنسبية والنفعية، والتي تجلت في أمة كورونا بشكل واضح، حينما تركت كبار السن ليواجهوا الموت دون أدنى مساعدة. وهنا لا أعني أن كل نتاج الغرب نتاج سلبي، ولكن البنية الفلسفية قامت على أسس مادية جاءت نتيجة التسارع المعرفي الذي تولد كرد فعل على كل ما هو ديني، وأقصت نتيجة ممارسات الكنيسة السلبية غالبا، الدين كمصدر معرفي هام يمكن الاستفادة منه، ومن ثم تسارعت بشكل يتمثل فيه طغيان الإنسان وإعجابه بنفسه وإنجازاته حتى في نتائجها البحثية المعرفية والفلسفية حول الوجود والكون والله، هذا التسارع الشديد حتى في نمط الحياة، أفقدهم نقطة ارتكازية في المعارف، وهي وعي الذات، ومحاولة الخروج من هذه التجربة بالاستفادة الإيجابية منها دون تحيز، ووعي الذات نقطة ارتكازية في الانطلاق لوعي المحيط، وفقدان هذا الوعي على ضوء التجربة المحيطة، ومحاولة فهم أسباب التجربة وتداعياتها وتمحيص نقاط ضعفها وقوتها، قد يفقد الباحث اتزانه المعرفي ويوقعه في التحيزات العميقة معرفيا، والتسارع أيضا يتمثل في من تأثر بالتجربة الغربية وانبهر بها، ولم يمارس التباطؤ المعرفي قبل أن يتبنى منتوجها المعرفي، منطلقا من عقدة نفسية تمثلت في استبداد أنظمته السياسية، وتراجع المؤسسات الدينية غالبا في أداء دورها كما يجب، وفي تشابك الفقر مع الجهل مع الاستعمار، مما دفعه دفعا تحت ضغط الكولونيالية المعرفية إلى التسارع المعرفي نحو الغرب، والمعارف لا يمكن أن تتحصل بالانبهار ولا بردود الفعل، ولا بالضغوط الخارجية، لأن أصل المعرفة الحقيقية يكمن في التباطؤ والتأمل والتفكر والتعقل الطويل، ورصد الأدلة من كافة مصادر المعرفة دون إقصاء مصدر حتى لو كان باعتقادي مصدرا ضعيفا.

ويعتبر يورغن هابرماس على سبيل المثال من العلمانيين الذين نادوا بشكل عنيف لتحييد الدين عن الدولة في القرن الماضي، إلا أنه مؤخرا بعد نقد وتقييم الحداثة، أي ما بعد الحداثة، وجد أن الكنيسة والمتدينين يمكنهم أن يقدموا رؤى تساعد في تقنين قوانين تخدم الإنسان والمجتمع، وكونهم مكون هام من مكونات المجتمع فلهم الحق في هذه المشاركة، وقد طرح “هابرماس” تساؤلا مهما حول ذلك قائلا: هل السلطة السياسية ممكنة بعد استكمال القانون الوضعي، هذه السلطة التي لا تستند مشروعيتها لا من الدين ولا من أية ما بعد ميتافيزيقيا؟ ويكمل قائلا:” حتى وإن أقر المرء بهذه المشروعية، فإن الشك يبقى على المستوى الانفعالي ويكمن هذا الشك في التساؤل ما إذا كان في الإمكان تعزيز أسس الحياة المجتمعية المتعددة عن طريق خضوعها إلى خلفية معيارية متفق عليها شكليا في أحسن الأحوال، يعين خضوعها إلى نمط عيش معين. ويمكن القول حتى وإن تفهم اللائكية[1] الثقافية والمجتمعية كصيرورة تعلم مزدوجة، يكون في حاجة لها أتباع تقاليد الأنوار والتعاليم الدينية على حد سواء للتفكير في حدود تخصصهما[2].

هذه المراجعة المهمة التي قام بها “يورغن هابرماس”، حول دور الدين والمتدينين في الحياة السياسية، وفي التضامن الاجتماعي وسن الدولة لقوانين خادمة لكل مكونات الدولة، هي مراجعة منهجية لتجربة طويلة في ظل دولة علمانية شاملة، وصل فيها إلى قناعة مهمة مؤخرا أقر فيها عن ضرورة الاستفادة من الدين والمتدينين في الدولة. فبعد التسارع في اتخاذ مسارع معرفي محدد في رؤيته الكونية التي أقصت الدين كمصدر معرفي هام للتقنين، عاد التباطؤ مجددا يطل بإرسه بعد مراجعات وتجربة ميدانية طويلة كشفت عن قصور وخلل في ذلك التسارع المعرفي، أدت لتراجع وإن بشكل بسيط، لتضم مجددا الدين كفكرة يمكن الاتكاء عليها في التقنين وخدمة المجتمع، ولكن هذا التسارع كم دفعت البشرية المتعاقبة ثمنا له من ذاتها ووجودها وحيواتها، خاصة من شخصية تعتبر من المدرسة الفرانكفونية التي تؤثر في قرارات الدولة وترسم لها فلسفتها؟

وهذا لا يعني أيضا عدم وجود تسارع في المؤسسات الدينية وفي المدارس الدينية والإسلامية والعربية الشرقية، فهذه سمة إنسانية لا تخص إنسان دون غيره، وكثيرة هي الشواهد على التسارع المعرفي وأهمها رفض كثير من الإسلاميين والعلماء لكل منتج الغرب المعرفي رفضا مطلقا حتى قبل الإطلاع عليه وفحصه والتنقيب في عمقه، بل تسارع الكثيرين في رفض نظيرة داروين دون حتى محاولة دراسة للعلوم ونشأتها وتطور هذه النظرية وملابساتها ونقاط ضعفها وقوتها، وكان لهذا أثر كبير في تراجع جيل من الشباب عن الدين، وفي ترك الكثيرين إيمانهم بالله، بسبب سلوك الكثيرين المعرفي السلبي اتجاه العلم واتجاه الغرب، بغض النظر عن ملابسات وأسباب هذا الرفض، لأننا بالأصل نتحدث عن المعارف التي يجب أن لا تكون خاضعة لردود الأفعال ولا للتجارب السلبية أو المحيط البيئي الخاص والعام. وأيضا التسارع يتمثل في التكفير وفتاوى التضليل التي يطلقها كثير من علماء الدين على من يخالف المشهور والمألوف، حتى لو كانت مخالفاته المعرفية تمتلك الدليل والبرهان، وعلى من يختلف معهم في المنهج والنتيجة، بل هناك حرب معرفية بين العلماء والمثقفين يتراشق أغلبهم فيما بينهم تراشقا إقصائيا، فكثير من العلماء يسفهون المثقف ومنتجه المعرفي، وكثير من الثقفين يستهزؤون بالدين والعلماء ويقصون معارفهم كمصدر، وهذا التسارع تذهب ضحيته الحقيقة والناس الذين يجب أن يشكل كل باحث لهم منطقة الأمان وطوق النجاة من الجهل، لا أن يكون بتسارعه المعرفي سببا لمزيد من الجهل والتضليل والانتكاس القيمي، والتراجع في مستوى العدالة والكرامة الإنسانية.

فنحن أمام مسارات عديدة تتطلب تشخيص دقيق وتأمل وتفكر وتدبر في تحديد متى يتم التسارع المعرفي، ومتى يكون التباطؤ. ويخضع كل من التسارع والتباطؤ لعدة عوامل بعضها ذاتي وبعضها خارجي في مسار عملية التفكير والكسب المعرفي.

ومن أهم وأبرز العوامل التي تؤثر في مسار المعارف هو التحيزات المعرفية، والتي تؤثر في كل من التسارع والتباطؤ، ولكن تأثيرها يكون بدرجات متفاوتة، وباتجاهات قد تكون أحيانا متعاكسة.

إن المشكلة التي يعاني منها الإنسان اليوم هي التسارع، خاصة التسارع المعرفي، والذي يؤثر في صناعة الحدث ومساره، حيث فقد الإنسان قدرته على ضبط توقيت هذا التسارع، وفهم متى يمكنه أن يتسارع في نشاطه، ومتى يحتاج إلى التباطؤ، نحن نحتاج للتسارع في النهضة والتنمية، لكن يسبقها تباطؤ في المعرفة وفهم الذات والمحيط، لأن الفهم والإدراك والمعارف هي التي تحدد شكل التنمية والنهضة وآلياتها والأهداف المرجوة منها، أي تحدد مسار الأحداث ومآلاتها، لذلك التباطؤ في المعرفة وفهم قريب للواقع يحقق لنا فهم موقع الإنسان وقيمته في كل حركة ومسار حدث.

التباطؤ المعرفي يحدد لنا من هو الإنسان، وما هي وظيفته، وكيف يمكنه أن يعرف وماذا عليه أن يعرف، وكيف يحقق معارفه في الخارج في دائرة تتحكم بها العدالة والكرامة، إنه باختصار التأمل الفريد والتحكم في المعرفة وإتقانها، فالتأمل والتفكر أدوات معرفية تحقق نوع من التباطؤ للتدقيق والتعميق البحثي للوصول إلى نتيجة محكمة في مبانيها، تحدد الأحداث ومسارها وفق معطيات أقرب للواقع منها للخيال والوهم. هذا التباطؤ يعطي مساحة كبيرة للعقل للتأمل، والخروج من تحيزاته المعرفية سعيا لفهم الواقع خارج حدود ذاته ومحيطه، ومدركاته القبلية، ومن خبراته المتراكمة نتيجة تجاربه التي أكسبته ألوان معرفة دفعته للتعميم وخلقت لديه حواجز نفسية من معارف أخرى، فالتجربة على سبيل المثال من مصادر المعرفة المهمة، وتجربة الإنسان الاجتماعية وفي علاقاته مع المحيط والمعرفة، تعطيه خبرات مهمة، لكنها أيضا تخلق لديه حواجز نفسية تمنعه من التمرد على تلك التجربة ومحاولة خوضها بطرق أخرى، ودراسة أبعادها، فقد تكون بعض التجارب هي نتاج تسارع معرفي، فتكون مخرجاتها غير متقنة، وتحتاج إلى نوع من التباطؤ حتى يتحصل للإنسان معرفة أقرب للواقع، تمنع خلق حواجز نفسية تمنعه من تشكيل مدركات تؤثر في مساره العلمي والمعرفي ونموه الفكري والعلمي.

التحيز هو حصر الشخص نفسه في حيز ومكان مسوّر بسور متميز عن غيره، وهذا هو المعنى الحسي للكلمة، والاستعمال الشائع للكلمة هو استعمالا مجازيا خاصة في المسائل الفكرية والمعنوية، فالتحيز له حقيقة في اللغة ومجاز في الاستعمال.. وهناك علاقة بين التحيز وبين مسألة العدل والهوى، فالتحيز ينبغي أن يكون منه الممدوح والمذموم، فالممدوح هو ما وافق العدل، بحيث تكون قيمة العدل هي الدافع والحافز لتبني المواقف والآراء والأفكار، والعدل ما طابق الواقع، والحق هو ما طابقه الواقع من العدل.. وهناك فرق بين التحيز وبين الرأي الموضوعي على مستوى الواقع من جهة وعلى مستوى الأمل (ما ينبغي أن يكون) من جهة أخرى، والتحيز قد يتعارض أو يتوافق مع الرأي الموضوعي، فالرأي الموضوعي قد ينصب على الحكم على موضوع الكلام، أما التحيز فهو منشئ ذلك الرأي[3].

ولقد أشار الله تعالى في محكم كتابه الكريم إلى مرجعية العدالة كقيمة معيارية كمعالجة لموضوع التحيز، سواء في الحكم أو في القول أو في الموقف، مؤسسا لقاعدة عامة تعالج التحيزات بكافة أشكالها حيث قال جل شأنه في سورة المائدة آية ٨:” يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ”.

والتحيز المعرفي هو مصطلح عام يستخدم لوصف العديد من الآثار الملاحظة في أداء العقل البشري، فالبعض منها قد يؤدي إلى تشويه الإدراك الحسي، والى اتخاذ حكم أو قرار غير دقيق، أو تفسير غير منطقي. هذه الظاهرة العقلية تم دراستها في العلوم المعرفية وعلم النفس الاجتماعي[4].

وهناك من يشير إلى أن التحيز المعرفي يعتبر خطأ في التفكير والتقييم والتذكر، أو إدراك إجرائي يحدث أحيانا نتيجة قناعات وإيمانيات مترسخة، تجعل الفرد يلتزم بها بغض النظر عن أي معلومات مغايرة، والتي قد تكون أكثر عقلانية. مثال ذلك، التحيز التأكيدي، الذي هو ميل للبحث في المعلومات التي تتوافق مع قناعاتنا فقط، فالذاكرة هنا تؤدي غرض التحيز، بحيث أنها وبسهولة تؤثر في كيف وماذا تريد أن تتذكر، فالناس وبشكل جلي يتذكرون المواقف الممتعة وتلك التي تذكرهم بأنفسهم وكم هم مهمين.

إذا التحيز المعرفي هو خطأ في التفكير الذي يحدث عند الناس، نتيجة معالجة أو تفسير معلومة معينة بشكل خاطئ. بمعنى أنه غالبا ما تكون هذه الأخطاء نتيجة محاولتنا لتبسيط معالجة المعلومات على ضوء خبراتنا ومعارفنا التي تشغل حيزا عريضا في أذهاننا، وهنا يكمن التسارع المعرفي في تبني النتائج كمعتقدات نهائية، والتي لا نعلم غيرها وفي الغالب أيضا لا نود معرفة ما يتصادم معها. إنها ببساطة تشكل قواعد أساسية في طريقة تفكيرنا، والتي من خلالها تجعلنا نصيغ ونُكَوّن أفكارنا وتصوراتنا عن العالم من حولنا بالطريقة التي ترسمها لنا، والتي تساعدنا في اتخاذ القرارات بسرعات متفاوتة، لكن مما يؤسف له أن هذه الأفكار والتصورات والتي تفرز وجهات نظر أو قرارات نقوم باتخاذها والتي تبدو لنا عقلانية ومنطقية إلا انها تكون غالبا غير صحيحة[5].

إلا أن إطلاق الحكم بكون التحيز المعرفي خطأ في التفكير، هو تحيزا أيضا باتجاه فكرة أحادية الجانب، كون هناك تحيزات معرفية إيجابية صحيحة، خاصة إذا تطابق التحيز المعرفي مع معيار العدالة، والتأني والتباطؤ في البحث والتنقيب المعرفي والتدليل عليه بأدلة منطقية وعقلانية، بالتالي يكون تحيزا للحق وهو بذاته صحيح وليس مذموما. وغالب التحيزات المعرفية وخاصة تلك المتعلقة بالعقيدة يكون سببها ذاتي في بنية الإنسان الدماغية التي تميل للتبسيط، وتبتعد عن التعقيد، بل تعود أيضا لميل الإنسان للكسل، وهروبه من البحث العميق في الأفكار وتمحيصها والعجلة التي وصفه بها الله في محكم كتابه العزيز حيث قال: ” خُلِقَ الإنسانُ مِنْ عَجَلْ”[6] ، والعجل من السرعة والتسارع وهو عكس الأناة والتباطؤ، وتلاها بقوله “سأوريكم آياتي فلا تستعجلون” والآية هي الدليل القطعي للمعرفة التي يطرحها نبي الله ص، وهو الإنسان المقصود بها النوع الإنساني، فيكون الطريق الأسهل لعامة الناس هو التبسيط والتحيز، للتخلص من أي تعقيدات ذهنية تشعرهم بالاضطراب المعرفي، وتسلب منهم اطمئنانهم المتسالم عليه والمتوارث.

فالرحلة التي يقطعها العقل من المجهول إلى المعلوم، ومن ثم من المعلوم إلى المعلوم والتي تبحر في خضم المعلومات والأفكار التي تختزنها الذاكرة، والتي شكلتها خبرات الشخص، هنا تقع كثير من التحيزات خاصة إذا لم يحاول الشخص الخروج من ذاتياته وأفكاره، ومحاولة البحث عن المعلومات خارج الاطار المعرفي الذي اعتاد عليه، فهو هنا يقع في تحيز شديد الانغلاق، بالتالي وصوله إلى معلوم يكون خاضع لهذه التحيزات، وقد يكون وصولا آمنا صحيحا، ولكن غالبا ما يكون الوصول غير آمن ويرتبط المجهول بمعلوم غير واقعي وغالبا ليس صادقا.

ولكن لو امتلك هذا الشخص في رحلته هذه المعرفية أدلة قطعية على معارفه وعلى نتاج رحلته البحثية، والتباطؤ في فهم الموضوع محل البحث، والتباطؤ هنا يعني التبحر في الآراء حول الموضوع، والآراء المتعارضة والمتوافقة، وبحث معطياته ومفاهيمه ودلالاته، حتى مع عدم خروجه خارج هذا الصندوق، فإن منهجه يكون منهجا علميا لكنه متسارعا، وقد يحتاج هنا للتباطؤ الذي يعني مزيد من التأمل حت فيما لديه من أدلة ومعطيات، من خلال محاولة الإبحار خارج صندوق عقله وأفكاره، هذا التباطؤ يمكنه من تفعيل أدوات المعرفة وتعميق البحث للخروج بمعارف ترفع الجهل من جهة، وترفعه بشكل أقرب للواقع بعيدا عن الوهم من جهة أخرى.

الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله (١٩٣٨ ـ ٢٠٠٨م) عندما استوقفته إشكالية التحيّز عند دراسته للظواهر الإنسانية، اختار المصطلح: “التحيّز”, بالرجوع إلى المعجم اللغوي العربي، وفيه: أن التحيّز يعني الانضمام والموافقة في الرأي وتبنّي رؤية ما، مما يعني رفض الآراء الأخرى. وقد اختار هذا المصطلح ليطلقه على مجال جديد لدراسة ظاهرة إنسانية من صميم المعطى الإنساني، ومرتبطة بإنسانية الإنسان، كما كان يرى، وهي ظاهرة[7]

وضع الدكتور المسيري قواعد أساسية تساعد على فهم التحيّز وتمييزه، وهي:

١ ـ القاعدة الأولى: التحيّز حتمي: وذلك بسبب المعطيات التالية:

أ ـ لأنه مرتبط ببنية عقل الإنسان ذاتها، فهذا العقل لا يسجّل تفاصيل الواقع كالآلة الصمّاء، فهو عقل فعّال، يدرك الواقع من خلال نموذج فيستبعد بعض التفاصيل ويبقي بعضها الآخر.

ب ـ التحيّز لصيق باللغة الإنسانية المرتبطة إلى حدّ كبير ببيئتها الحضارية، وأكثر كفاءة في التعبير عنها. فلا توجد لغة تحتوي كل المفردات الممكنة للتعبير عن الواقع بكل مكوّناته، فلا بدّ من الاختيار.

ج ـ التحيّز من صميم المعطى الإنساني، ومرتبط بإنسانية الإنسان، أي بوجوده ككائن غير طبيعي، لا يردّ إلى قوانين الطبيعة العامة ولا ينصاع لها، فكل ما هو إنساني يحوي على قدر من التفرّد والذاتية ومن ثمّ التحيّز.

٢ ـ القاعدة الثانية: التحيّز قد يكون حتمياً ولكنه ليس نهائياً:

فالتحيّز ليس بعيب أو نقيصة، بل على العكس يمكن أن يُجرّد من معانيه السلبية، ويصبح هو حتمية التفرّد والاختيار الإنساني.

واللغة الإنسانية رغم حدودها قادرة على تحقيق التواصل، وعلى مساعدتنا على تجاوز أشكال كثيرة من التحيّز، وعلى بناء نماذج معرفية هي نتاج تجربتنا الحضارية الخاصة، ولكنها بنفس الوقت تساعدنا على التعامل مع أنفسنا ومع واقعنا ومع الآخر. فمعنى أنه ليس نهائياً أي أنه ليس نهاية المطاف حيث يمكن تجاوزه، ولكن النهائي هو الإنسانية المشتركة والقيم الأخلاقية الإنسانية[8].

إلا أن قول المسيري أن التحيز حتميا يحتاج توضيحا وفق ما أفهمه للتحيزات الحتمية، كون الحتمي لا يمكن تجاوزه كما قال الدكتور المسيري، وقد يكون المسيري يقصد من الحتمية كونها أمر واقعي تكويني في الإنسان ضمن تركيبته البيولوجية التكوينية كما أشرنا في آية خلق الإنسان من عجل، إلا أنه خلقا قابلا للتغيير بالمجاهدة والإرادة الحرة وإلا كان جبرا وخلاف العدل الإلهي، وتجاوزه يأتي من خلال التعلم والتدريب المعرفي البحثي والممارسة البحثية على الطرح الموضوعي وكسب ثقافة الخروج من الصناديق المعرفية المغلقة، دون التنازل عن الثوابت التي تشكل حقائق ثابتة في الهوية المعرفية، فالباحث أو المثقف لابد له من أن يتحيز للحقيقة والحق، لكن ذلك لا يتم إلا بعد أن يستعرض ويستقرئ كل الآراء التي طرحت بخصوص الموضوع محل البحث، أي أن يقوم بعملية ضرب للآراء ببعضها البعض، ومن ثم يخرج بالرأي الأقرب للحق والحقيقة، وينحاز له ليطرحه ويدافع عنه، وهذا الانحياز المعرفي هو انحياز صحيح وصحي في ذات الوقت، إلا أنه مشروط بعدة شروط أهمها:

١- أن يعتمد الباحث والمثقف في فهمه للواقع واستقصائه للمعارف على مصادر المعرفة البشرية المعتمدة من المدرسة التي تنتمي هويته إليها، مضافا إلى ذلك اطلاعه على المدارس الأخرى في المعرفة.

٢- استقراء جل الآراء وأهمها المطروحة في الموضوع خاصة البحث، واستعراضها عرضا نقديا علميا، ومن ثم الخروج وفق منظوره برأي.

٣- المراجعة النقدية لما توصل إليه من رأي، واعتباره عرضة للنقد والتطوير والتراكم المعرفي من قبل الباحثين والمثقفين الآخرين.

٤- التجرد من الأنماط والرغبات الاجتماعية معرفيا “الشعبوية”، والتجرد من ثقافة الإجماع السلبية ومبدأ المشهور المعرفي العلمي.

٥- والأهم من كل ما سبق هي معيارية العدالة المرجعية في تشخيص صلاح هذا التحيز المعرفي لأن العدل معيارا للحق، والانحياز للحق هو انحيازا إيجابيا، ولكي يحقق هذه المعيارية على المثقف والباحث أن يكون حرا في بحثه المعرفي.

وأغلب التحيزات المعرفية تعمد إلى حجب الحقيقة، ومن أهم مسببات التحيزات المعرفية هي:

١- البيئة والمحيط الاجتماعي والأسري، الذي يعمل على تنميط الأفكار والمنهجيات ومصادر المعرفة.

٢- مناهج التربية والتعليم التي تضعها الدولة، ويتربى عليها الطفل، ومناهج التدريس التي يستخدمها المعلم في تعليم التلاميذ.

٣- الانتماءات العصبوية بكافة أشكالها سواء القبلية أو المذهبية أو الطائفية.

٤- الأنماط الاجتماعية والإجماع السطحي القائم على الشعبوية بمعناها السلبي، فقوة الاجماع الشعبي تخلق تسالما سطحيا للمعارف، وبالتالي تصنع جوا معرفيا متحيزا بشكل غير منطقي وموجها للرأي العام، هذا الاجماع الشعبوي يستخدم فيه قوة خفية تفرض من خلالها هذه الإجماعات رأيها، وهذه القوة الخفية تتعلق بالشعور والرغبة الداخل نفسية بالانتماء للجماعة والخوف من الخروج والمخالفة، إلا أن المثقف والباحث عليه أن يتخلص من هذه المخاوف، وأن لا يخضع لهذه القوة الخفية التي يكتنزها الإجماع الشعبوي، وأن يكون نفسيا وشعوريا متحررا من الانتماء للجماعة ليصبح شعوره الأصيل الداخل نفسي هو الانتماء للحق والحقيقة، وفهم الواقع وملابساته لتعرية كل الوهم المرتكز في العقل الجمعي السلبي الأبعاد، وليناضل كمثقف وباحث وظيفته صناعة الوعي، يناضل لأجل استبدال هذا الوهم بالحقيقة.

٥- الثقافة والتربية الأحادية المتوارثة دون مراجعة وتمحيص، تصنع عقلا أحادي المنهج والفكرة، وتخلق تحيزات معرفية لاغية لكل ما هو خارج هذا الصندوق المعرفي المتوارث، والمورث للاطمئنان التواضعي البسيط.

٦- التحيز المعرفي الناشئ عن أخلاقية الخضوع والانهزام النفسي أمام معارف الدول الأقوى حضاريا، والأكثر تقدما في الانتاج المادي والمعرفي، أي هو تحيز نتيجة الفارق الحضاري والانبهار، وهو تحيزا له بعد نفسي، وله بعد معرفي. وهو من أكثر التحيزات التي يقع في شباكها المثقف والباحث.

ومن أهم ما يجب أن يلتفت إليه المثقف والباحث هو الخروج من التحيزات المعرفية التي تتعارض مع مبدأ العدالة والإنصاف، لأن وظيفته صناعة وعي واقعي قائم على أسس معرفية رصينة، وأدوات ومناهج سليمة علميا، كون التحيزات تعمل كمضادات حيوية للمعرفة والوعي، وكحُجُب موجهة للمعرفة باتجاهات محددة ومغلقة ونمطية.

لذلك كان لزاما على المثقف والباحث الذي يتصدى لصناعة الوعي، وتطوير المعارف والعصرنة والمواكبة أن يعتمد على عملية النقد المستمر للذات، والمراجعة المستنيرة للأفكار والمناهج والمحتوى الفكري، وإلى المواكبة لكل التطورات المعرفية على الساحة الثقافية، والإلمام بمستحدثات الإشكاليات والمعارف التي تواجه المجتمعات، خاصة أن العولمة حولت المجتمعات إلى قرية صغيرة، تتناقل فيها المعارف وإشكالياتها بالعدوى المعرفية. وهو ما يستدعي المثقف والباحث للخروج المستمر من الصناديق النمطية، إلى فضاءات المعرفة المختلفة، لأن الوعي في حركة تكامل وكمال مستمر، والعقل في سيرورة و صيرورة معرفية تطورية مستديمة، لا تلغي الثوابت لكنها تحصنها بتطوير المتغيرات وفق الزمان والمكان، هذا فضلا عن اتصافه بالإنصاف العلمي والمعرفي في اعتماده على مصادر معرفة متعددة.

فهناك مثقفون وباحثون يستبعدون مصادر معرفة بشرية كونها لا تتناسب وأيديولوجيتهم وعقيدتهم، مثل المثقف أو الباحث الذي يستبعد النص والعقل، ويعتمد فقط على الحس والتجربة، أو ذلك الذي ينكر دور الحس والتجربة، ويستبعدهما كمصادر ويعتمد فقط على النص والعقل مع تغليب النص وتهميش العقل وهكذا. لذلك المثقف والباحث عليه ألا ينحاز إلا للحقيقة والحق التي تتطلبان منه أن يطلع على الآراء معتمدا على كل مصادر المعرفة، التي من خلالها يعرف الإنسان ويتعلم ويفهم.

كلها تساؤلات تخضع لعمليتي التسارع والتباطؤ المعرفي، والذي أعني فيه الزمن والوقت الذي يستغرقه الباحث عن الحقيقة في الوصول إلى الإجابات، والمنهج الذي يسلكه، والتحيزات التي يخضع لها، وما هي تداعيات التسارع والتباطؤ على الفرد والمجتمع، وبالتالي على الأفكار المعرفية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وأمامنا اليوم تجارب غنية بالتسارع والتباطؤ بين الشرق والغرب، فالعلموية أقصت الدين كليا وتبنت العلم كمصدر للحقيقة وهو نموذج للتسارع الذي تراكمت عليه مواقف ومعارف لا تسلم من ثغرات حقيقية تم كشفها مع التقادم، وبعض المنتمين للمؤسسات الدينية لم تعتبر العلم مصدرا هاما وملهما ولم تضعه في موقعه المعرفي السليم، وبنت منظومتها المعرفية على هذا التسارع، وواجهت تحديات معرفية كبيرة كان لبعضها الأثر في تهاوي موقع الكنيسة وتراجع موقع الدين ووظيفته من حياة مجتمعات بأكملها.

لذلك نحتاج إلى تشخيص سليم للتسارع والتباطؤ، متى نتسارع ومتى نتباطئ؟ ومتى يكون التسارع مذموما والتباطؤ محمودا ومتى يكون العكس؟ ومتى يكون التنافس يحتاج إلى تسارع ومتى يحتاج إلى تنافس لكن ببطيء؟

كلها تساؤلات تتطلب تشخيص سليم للزمان والمكان وقراءة منهجية لإشكاليات العصر، لفهم الواقع ومواجهته مواجهة معرفية متخلصة من التحيزات المعرفية السلبية، وهمها فهم الحقيقة كما هي وفق أدلة وبراهين قطعية، تستمد من الثوابت قاعدتها التي تنطلق منها.

إيمان شمس الدين

[1] اللائكية أو العلمانية

الفرنسية، بالفرنسية laïcité (تنطق [la.isiˈte])، هي مفهوم يُعَبِّرْ عن فصل الدين عن شؤون الحكومة والدولة وكذلك عدم تدخل الحكومة في الشؤون الدينية. تواجدت العلمانية في فترة مُبَكِّرَة من التاريخ الفرنسي المعاصر استناداً إلى القانون الفرنسي لفصل الكنيسة عن الدولة عام 1905م، وامتد تفسير العلمانية الفرنسية ليشمل المساواة في التعامل مع جميع الأديان، وأصبح التفسير أكثر تحديداً في عام 2004م.

فاللائكية – كصياغة عربية – مُشتقة من الفظ الاتيني “laicus” وهو بدوره مأخوذ من اللفظ اليوناني ”laós – λαός” ومعناه “الشعب”. غير أنَّ استعماله اللاتيني قد تخصص في قسم من “الشعب”، وذلك في مقابل “الكاهن” clerc، وهو رجل المعرفة “العالِم” (من اللفظ اليوناني clêros بمعنى الحظ الموروث)، والمقصود رجل الدين (المسيحي) المنتظم في سلك الكهنوت الكنسي.

ويبدو أن ترجمة Laïcité إلى اللائكية في اللغة العربية، هو نوع من التعريب لا الترجمة، إذ أنَّ لللائكية معنى خاص في تجربة مجتمع المجتمع الفرنسي دون غيره.

[2] جدلية العلمنة ـ العقل والدين / يورغن هابرماس وجوزيف راتسنغر”البابا بندكتس xvI” /تعريب وتقديم حميد لشهب / دار جداول/ ص٤٦

[3] إشكالية التحيز/رؤية نقدية معرفية ودعوة للاجتهاد/ تحرير عبد الوهاب المسيري/المعهد العالمي للفكر الإسلامي/١٩٩٨م/ بحث بعنوان كلمة في التحيز ـ د. علي جمعة ص ١٧ـ ١٨ بتصرف

[4] د.سالم موسى/جامعة الملك خالد/ أبها / التحيزات المعرفة التصديق الزائف / https://middle-east-online.com/التحيزات-المعرفية-والتصديق-الزائف/ تم الاطلاع في ١٥/ مايو / ٢٠١٩م

كندرا تشيري /خبيرة علم النفس/ المصدر السابق بتصرف [5]

[7] امفهوم التحيز عند الدكتور عبد الوهاب المسيري/رغداء محمد أديب زيدان/ تم الاطلاع في ٢٤ـ مايوـ٢٠١٩/

تصنيف وسطاء الفوركس 2020:
  • EvoTrade
    ☆☆☆☆☆
    ★★★★★
    EvoTrade

    الرائد في سوق الخيارات الثنائية!

  • FinMaxFX
    FinMaxFX

    أفضل وسيط فوركس لعام 2020!
    الخيار الأمثل للمبتدئين!
    تدريب مجاني!
    حساب تجريبي مجاني!
    مكافأة على التسجيل!

Like this post? Please share to your friends:
أرباح فوركس
Leave a Reply

;-) :| :x :twisted: :smile: :shock: :sad: :roll: :razz: :oops: :o :mrgreen: :lol: :idea: :grin: :evil: :cry: :cool: :arrow: :???: :?: :!: