سعر الذهب يواصل الصعود في ظل التوترات الجيوسياسية فى كوريا الشمالية وسوريا

تصنيف وسطاء الفوركس 2020:
  • EvoTrade
    ☆☆☆☆☆
    ★★★★★
    EvoTrade

    الرائد في سوق الخيارات الثنائية!

  • FinMaxFX
    FinMaxFX

    أفضل وسيط فوركس لعام 2020!
    الخيار الأمثل للمبتدئين!
    تدريب مجاني!
    حساب تجريبي مجاني!
    مكافأة على التسجيل!

سعر الذهب يواصل الصعود في ظل التوترات الجيوسياسية فى كوريا الشمالية وسوريا

عاود سعر الذهب الارتفاع مجددًا خلال تعاملات اليوم الثلاثاء بالجلسة الأوروبية بعد توقفه بالأمس ضمن عمليات التصحيح وجنى الأرباح، ويعود الارتفاع الحالى فى أسعار الذهب إلى تراجع الدولار الأمريكى أمام العديد من العملات الرئيسية الأخرى، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات الطلب على شراء الذهب كملاذ آمن فى الأسواق المالية وذلك بسبب تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية فى منطقة شبه الجزيرة الكورية.

وفى الساعة 10:40 بتوقيت جرينتش صعدت أسعار الذهب لتصل سعر الأونصة عند 1286.66 دولار من سعر الافتتاح عند 1284.62 دولار، وقد سجل أعلى سعر للأونصة عند 1287.14 دولار بينما سجل أدنى سعر للأونصة عند 1281.33 دولار.

اختتمت سعر الذهب تعاملاته بالأمس متراجعا بنحو 0.5% لتسجل أول خسارة يومية بعد مكاسب دامت أربعة أيام متتالية ليدخل هذا ضمن عمليات التصحيح وجنى الأرباح بعدما سجل أعلى مستوياته فى خمسة أشهر عند 1295.31 دولار للأونصة.

وطيلة تعاملات الأسبوع الماضى حصدت أسعار الذهب مكاسب بنحو 2.5% لتسجل خامس مكسب أسبوعى على التوالى، فى أطول موجة مكاسب أسبوعية منذ شهر حزيران/يونيو 2020، تأتى تلك المكاسب بفعل تزايد عمليات الطلب على شراء الذهب كملاذ آمن فى الأسواق.

وخلال تعاملات اليوم الثلاثاء هبط مؤشر الدولار الأمريكى بنحو 0.2% مسجلًا ثانى خسارة يومية على التوالى، ليعكس مدى تزايد عمليات بيع الدولار فى مواجهة العملات الرئيسية الأخرى خاصة العملات ذات العائد المنخفض، الأمر الذى من شأنه كان دافعًا قويًا لارتفاع أسعار الذهب نظرًا للعلاقة العكسية التى تربط بينهما.

يأتى تراجع الدولار الأمريكى بسبب تأثير البيانات الضعيفة التى أصدرها الاقتصاد الأمريكى، إلى جانب التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” عن قوة الدولار الأمريكى التى تضر بمنافسة الشركات الأمريكية أما مثيلاتها، وتترقب الأسواق اصدار بيانات أمريكية هامة عن قطاع الإسكان وقطاع الصناعة لشهر آذار/مارس.

ارتفعت حيازات الذهب بالأمس التابعة لصندوق “SPDR Gold Trust” بقيمة 6.51 طن مترى ليصل إجمالى الحيازات عند 848.92 طن مترى وهى الأعلى منذ منتصف كانون الأول/ديسمبر عام 2020.

Posts Tagged: سعر الذهب

سعر الذهب يواصل الصعود فى ظل تراجع الدولار الأمريكى عقب فضيحة ترامب

سجل سعر الذهب ارتفاعًا خلال تعاملات اليوم الأربعاء محققا خامس مكسب يومى على التوالى، فى أطول سلسلة مكاسب يومية منذ شهر، تأتى تلك المكاسب على حساب انخفاض مؤشر الدولار ليسجل… more

تصنيف وسطاء الفوركس 2020:
  • EvoTrade
    ☆☆☆☆☆
    ★★★★★
    EvoTrade

    الرائد في سوق الخيارات الثنائية!

  • FinMaxFX
    FinMaxFX

    أفضل وسيط فوركس لعام 2020!
    الخيار الأمثل للمبتدئين!
    تدريب مجاني!
    حساب تجريبي مجاني!
    مكافأة على التسجيل!

سعر الذهب يواصل الصعود في ظل التوترات الجيوسياسية فى كوريا الشمالية وسوريا

عاود سعر الذهب الارتفاع مجددًا خلال تعاملات اليوم الثلاثاء بالجلسة الأوروبية بعد توقفه بالأمس ضمن عمليات التصحيح وجنى الأرباح، ويعود الارتفاع الحالى فى أسعار الذهب إلى تراجع الدولار الأمريكى أمام… more

سعر الذهب يستقر قبيل بيانات الوظائف الأمريكية بالقطاعات غير الزراعية

تداول سعر الذهب فى نطاق محدود خلال تعاملات اليوم الخميس بالجلسة الأوروبية، فى ظل ترقب الأسواق لتوقعات السياسة النقدية الأمريكية عقب ما جاء فى محضر اجتماع البنك الاحتياطى الأخير وما… more

سعر الذهب يسجل أدنى مستوى فى خمسة أسابيع قبيل بيانات الوظائف الأمريكية

واصل سعر الذهب تسجيل خسائره خلال تعاملات اليوم الأربعاء بالجلسة الأوروبية لثالث يوم على التوالى، ليصل لأدنى مستوى فى خمسة أسابيع، يأتى هذا وسط ترقب الأسواق لإصدار العديد من البيانات… more

سعر الذهب والتحليل الأساسى والفنى للفترة من 22 الى 24 فبراير

تراجع سعر الذهب خلال تعاملات اليوم الثلاثاء مسجلة أدنى مستوى فى أربعة جلسات وذلك فى ظل ارتفاع مكاسب الدولار الأمريكى أمام العملات الرئيسية بالاضافة إلى تراجع الطلب على ملاذات الاستثمار… more

سعر الذهب – التحليل الأساسى والفنى هذا الأسبوع 6 – 10 فبراير

انخفض سعر الذهب اليوم الثلاثاء خلال تعاملات الجلسة الأوروبية لأول مرة فى أربعة أيام وذلك بفعل عمليات تصحيح ،بعد أن سجلت الأسعار يوم أمس أعلى مستوى في ثلاثة أشهر ،بالاضافة… more

سعر الذهب – التحليل الأساسى والفنى 25 – 27 يناير

انخفض سعر الذهب اليوم الاربعاء بالسوق الأوروبية مواصلا خسائره لثانى يوم على التوالى ، بفعل ارتفاع شهية المخاطرة فى الأسواق المالية تفاؤلا بآفاق نمو الاقتصاد العالمى ، وهو ما ينعكس… more

سعر الذهب- التحليل الفنى والأساسى 18 – 20 يناير

تراجع سعر الذهب اليوم الأربعاء لأول مرة فى 8 أيام وذلك بفعل عملية تصحيح وجنى الأرباح ،بعد أن سجلت الأسعار يوم أمس أعلى مستوى في شهرين ،ويزيد من تراجع سعر… more

سعر الذهب – التحليل الفنى الأسبوعى 9 – 13 يناير

استمر سعر الذهب فى الارتفاع لثانى أسبوع على التوالى ليتعافى من من أدنى مستوى له فى 11 شهر عند السعر 1122 والذى تم تسجيله فى 15 من ديسمبر الماضى بعد… more

التدخل الروسي في سورية –مقالات مختارة-

في صفحات مميزة 17 أكتوبر, 2020 1,226 زيارة

مقالات لكتاب سوريين

سورية على فوهة بركان الصراعات الدولية/ برهان غليون

تنفذ موسكو مخططاً واضحاً في سورية، يستهدف سحق المعارضة المسلحة وتحييد المليشيات الإيرانية واستعادة سيطرة الدولة تحت سلطة الأسد، قبل الانتقال إلى مرحلة مفاوضات تفرض فيها رؤيتها للحل، وتكرس مركزها المتفوق في المشرق العربي، في مواجهة النفوذ الأميركي الأوروبي. وهي تستفيد في تنفيذ هذا المخطط من دعم دول عربية أصبحت تتبنى موقف نظام الأسد في وسم جميع قوى المعارضة بالإسلامية، وتطمح أن تتمكن روسيا من القضاء عليها جميعاً، وتطهير المنطقة منها، كما تستفيد من دعم أطراف من المعارضة السورية، وقفت باستمرار ضد التيار الغالب في المعارضة، ورفضت الاعتراف بالقوى المسلحة التي تشكلت للدفاع عن النفس، وكرد فعل على الهمجية والأساليب الوحشية التي اعتمدتها أجهزة الأسد ومليشيات النظام في قمع المتظاهرين السلميين، ثم في المواجهة المسلحة المكشوفة لكل مظاهر الثورة والاحتجاج.

حدود المواجهة الروسية الأطلسية في سورية

على الرغم من أن المخطط الروسي، الرامي إلى تصفية المعارضة وإجبار السوريين والعالم على الاختيار بين داعش ونظام الأسد، يهدف إلى تقويض استراتيجية الدول الغربية التي تراهن على وجود شريك من خارجهما، لتبرير الانتقال السياسي، إلا أن من غير المحتمل أن يستثير هذا العمل رد فعل قوي من هؤلاء. وصحيح أن الروس، بقضائهم على المعارضة “المعتدلة”، يضعون الغربيين أمام تحدي الدفاع عن حلفائهم، ويظهرون تخاذلهم، ولا صدقية التزاماتهم في سورية والمشرق، والعالم عموما، لكنهم لا يمسّون لهم مصالح استراتيجية ملموسة، وربما ساعدهم الهجوم الروسي في حرف الأنظار عن المحنة الإنسانية التي يعيشها السوريون، منذ أكثر من أربع سنوات، بسبب سوء إدارتهم الأزمة، ويقدم لهم ذريعة جديدة لتبرير تقاعسهم وشماعة روسية يعلقون عليها فشل سياستهم وخططهم السورية، ويشكل بالنسبة لهم فرصة جديدة للتملص من التزاماتهم التي أعلنوها مراراً تجاه الشعب السوري، تماماً كما قدم لهم الفيتو الروسي من قبل الذريعة، للتحلل من مسؤولياتهم تجاه حماية المدنيين السوريين، ومساعدة الثوار على تحقيق أهدافهم التي أجمعوا على مشروعيتها.

“سورية ليست بالنسبة لروسيا سوى فرصة للاقتصاص من الغرب، ومسرحاً لاستعراض القوة وتصفية الحسابات، وتقويض الصدقية الاستراتيجية للولايات المتحدة”

لا يعني هذا أن الانفراد الروسي بعمل يقلب ميزان القوى في سورية، ويقوّض سمعة الغرب لن يستدعي أي رد، فهو سيدفع، لا محالة، إلى انخراطٍ أكبر للولايات المتحدة في دعم الثوار، أو إلى مرونة أكبر في التعامل مع تسليحهم بأسلحةٍ كفيلة بإفشال موسكو، ودفعها إلى التخبط في حربٍ لا أفق لها. لكن، ما لم تحصل تطورات غير محسوبة، من المستبعد أن تؤدي أزمة العلاقات الروسية الغربية الراهنة إلى مجابهة مباشرة حول سورية. وسوف يستمر الروس، من دون خوف من أي رد فعل قوي، في تحقيق ما يعتقدون أنه يخدم مصالحهم، ويرد على استثماراتهم في النظام السوري، ومن بعد، في التدخل لحمايته ومنعه من السقوط. وعلى الأغلب، سيراهن الغربيون على غرق الحملة الروسية في الوحول السورية، وينتظرون عودة الروس إلى منطق التعاون، لحل الأزمات الدولية، من دون الاضطرار إلى تقديم تنازلات استراتيجية كبرى لهم، أو الاعتراف بهم شريكاً في صوغ أجندة السياسة العالمية.

أما موسكو، فهي ليست معنية، ولم تكن في أي فترة سابقة، معنية بمصير سورية والسوريين. فسورية ليست بالنسبة لروسيا سوى فرصة للاقتصاص من الغرب، ومسرحاً لاستعراض القوة وتصفية الحسابات، وتقويض الصدقية الاستراتيجية للولايات المتحدة وهيبتها الدولية، على أمل فرض نفسها على المجتمع الدولي بمثابة دولة عظمى، من وزن الولايات المتحدة والصين، وإجبار الغرب على التراجع في مسائل العقوبات الاقتصادية وأوكرانيا، وتوسع دائرة الحلف الأطلسي في اتجاه أوروبا الشرقية.

يستخدم بوتين الأسد، مثل ما يستخدم سورية نفسها، وحياة الملايين من أبنائها، ورقة للضغط والمساومة، ولا يعنيه وجوده من عدمه في شيء. ما يهمه مصالح روسيا، وهذه اليوم في نظر بوتين فرض إرادته زعيماً عالمياً والاعتراف بمركزيته، ولا علاقة لذلك، لا بتحقيق السلام في سورية، ولا بإنقاذ اللاجئين والمشردين السوريين.

ولأن سورية لا تعني له شيئاً، فهو لا يهتم بتقديم أي عرض لحل الأزمة التي تمزقها، بل لا يعترف حتى بوجود أزمة، ولا أقول ثورة، ويقترح تحالفاً من الجيش الحر وجيش الأسد لمواجهة داعش، ويرفض الالتزام بأي رؤية للخروج من الأزمة، ويردد أسطوانة واحدة، منذ البداية إلى النهاية، هي معارضة التدخلات الأجنبية، وترك الشعب يقرر مصيره، أي ترك الأسد يقرر مصير سورية والشعب السوري معاً، ما دام الروس يعرفون أن السوريين ليسوا في وضع وظروف تسمح لهم بتقرير مصيرهم بحرية في ظل نظام خارج على القانون، يشن عليهم حرباً تدميرية.

وقد لفتني أن بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسية ومستشار بوتين لشؤون الشرق الأوسط قلل، في لقاءاته أخيراً، مع معارضين سوريين، من رهانات التدخل العسكري إلى درجة مضحكة، مؤكدا أن كل ما تهدف إليه بلاده من إرسالها قواتها الجوية هو القضاء على المتطوعين الروس في المنظمات الإرهابية، قبل أن يعودوا إلى روسيا. وفي اعتقادي، إن إشاعة هذا التفسير الهزلي لهدف التدخل يعني أن الروس يبقون رهاناتهم مفتوحة، ولا يريدون تقييد تدخلهم بأي التزامات، ولا تحمل أي مسؤوليات في الأزمة السورية، ولا تقديم أي عرض، ولا إعطاء أي وعود.

ترجمة هذا الموقف على الأرض تعني أن سورية، وخصوصاً في الشمال الغربي وسهل الغاب وريف حمص ومحيطها، مقبلة على تصعيد عسكري من نوع جديد، وأن القتل والدمار سوف يصلان إلى مستويات غير مسبوقة. ولن يتردد الروس في اللجوء إلى أقصى درجات العنف، لتحقيق أهدافهم. ولن تكون هناك معايير واضحة لمعنى الربح والخسارة في العملية الروسية. ما يهم الروس هو تكبيد المعارضة أكثر ما يمكن من الخسائر، وتحقيق أوسع تدمير ممكن في البنية التحتية للبلاد. وهذه أيضا كانت، ولا تزال، حسابات الأسد. فهو يعتبر نفسه رابحاً، حتى الآن، لأنه نجح في تدمير المناطق التي لا تخضع لسلطته، أو التي خرجت عنها، كما نجح في قتل أكثر ما كان في وسعه أن يقتله من المعارضين والمحتجين والرافضين لحكمه من المدنيين. وهذه أيضا كانت سياسة بوتين في الشيشان.

الرد على التدخل الروسي

لا يطرح هذا الموقف تحديات كبيرة على الدول الأطلسية التي تنتظر فشل الحملة الروسية في سورية، من دون أن تغامر بشيء، أو يلحق بمصالحها الأساسية أي أذى، لكنه يطرح تحديات كبيرة على الدول الخليجية وتركيا، لأنه يقوّض استراتيجيتهم العسكرية والسياسية التي تراهن على تنحية الأسد، مقدمة للإعداد لمرحلة انتقال سياسي، يغير من نمط السلطة والحكم في سورية، ويحبط الأطماع الإيرانية في تحويل سورية إلى منصة للحشد والتجييش ضد بلدان الخليج وبقية البلدان العربية وتركيا. وليس أمام هذه الدول سوى الارتقاء بمستوى التنسيق والتعاون في ما بينها، وزيادة دعمها المعارضة السورية المسلحة، حتى تتمكن من مجابهة العاصفة الروسية والبقاء رقماً أساسياً في المعادلة السورية والإقليمية.

أما التحدي الأكبر فهو موجه للمعارضة السورية التي تجد نفسها أمام تهديداتٍ خطيرةٍ، لا سابق لها. فما يستهدفه التدخل الروسي هو رأس المعارضة نفسه، ووجودها، طالما أنه يعتبرها تمرداً على الحكومة الشرعية، ولا يتردّد في إعلان تغطيته الجوية هجومات النظام البرية على الفصائل المسلحة جميعا. وبمقدار ما يسعى إلى فرض الأمر الواقع بالقوة، يقوّض هذا التدخل كل الجهود الدولية، للبحث عن حل سياسي ومرجعية جنيف التي قام عليها، كما يدفع إلى إطالة أمد الحرب، ويهدّد بتحويل سورية إلى أفغانستان جديدة، مع ما يعنيه ذلك من تفاقم موجات النزوح وتفريغ البلاد من سكانها، وتنامي مخاطر تقسيم البلاد وتعميق القطيعة بين جماعاتها المختلفة. وبدل أن يقضي على الإرهاب، كما تقول بياناته، سوف يزيد التدخل الروسي من جاذبية المنظمات المتطرفة التي تجعل من الحرب ضد روسيا قضية وطنية ودينية في الوقت نفسه. وفي موازاة ذلك، سوف تعزز الحرب الدولية بالوكالة من تبعية السوريين، في الحكم والمعارضة، للدول الأجنبية الداعمة، ويقوّض أمل السوريين في التفاهم والتقارب والعودة إلى الوطنية الجامعة.

“التحدي الأكبر فهو موجه للمعارضة السورية التي تجد نفسها أمام تهديداتٍ خطيرةٍ، لا سابق لها. فما يستهدفه التدخل الروسي هو رأس المعارضة نفسه، ووجودها”

لن ينجح الروس، مهما فعلوا في فرض إرادتهم على شعب يدافع عن حقوقه على أرضه، وقدم حتى الآن أكثر من 300 ألف ضحية، لكنهم يستطيعون إسالة مزيد من الدماء، وتعميم الدمار الذي أوغل فيه من قبل بشار الأسد، صنيعتهم الدائمة، وتأخير أجل الخلاص وزيادة معاناة السوريين ومحنتهم، وتسعير النزاعات الطائفية والمذهبية، وتوتير العلاقات الإقليمية والدولية أكثر مما هي عليه الآن. وقد خسرت موسكو منذ الآن رهاناتها السياسية، بمقدار ما أججت روح العداء عند الفصائل المستهدفة، ودفعت المقاتلين إلى التقارب والالتفاف حول الأكثر راديكالية، وضاعفت من جاذبية الأيديولوجيات المتطرفة، ومن مكانة ودور القوى الأكثر تعصباً وتشدداً فيها. وما كان لحديث البطريرك كيريل عن الحرب المقدسة إلا أن يزيد في شحن العواطف الدينية، وتفاقم التوترات المذهبية المتفاقمة أصلاً.

لكن فشل التدخل الروسي ليس عزاءً كافياً للسوريين، ولا يمكن أن يشكل هدفاً لكفاحهم التاريخي. وليس المطلوب منهم، اليوم، تكرار أسطورة أفغانستان أو ملحمة فيتنام المأساويتين. ينبغي أن يكون هدف المعارضة وقف الكارثة، وإنهاء الحرب، وإنقاذ ما تبقى من سورية وشعبها من احتمال الانخراط في حربٍ قاتلة ومدمرة طويلة. ولا يمكن تحقيق ذلك من دون مواجهة المسألة الأبرز، ومكمن العطب الرئيس الذي لا نزال نهرب من مواجهته، والذي كان السبب الأول في خسارتنا تعاطف الدول والرأي العام العالمي، على الرغم من التضحيات الأسطورية للشعب السوري ومأساته، أعني مسألة الانقسام والتشتت والنزاع الداخلي التي جعلت الثورة تبدو، ثم بعد ذلك المعارضة، كتلة هلامية متعددة الرؤوس والأطراف، لا يمكن التعامل معها، ولا الثقة بمشاريعها وخططها والرهان عليها لإعادة بناء سورية دولةً ومجتمعاً وشعباً متفاهماً ومتضامناً. ولا يقتصر هذا التحدي على تجميع الفصائل في كتلة واحدة، أو تحت قيادة عسكرية مشتركة. ولكن، في تحويلها إلى قوة سياسية واعية، وتزويدها بمشروع وطني واضح ومتفق عليه ومقبول من الجميع، واختيارها قيادة قوية ودائمة تمثلها، منبثقة من الأرض ومرتبطة بها، وقادرة على اتخاذ القرارات الكبرى التي تعكس إرادة القوى التي تمثلها، تنال ثقة المجتمع الدولي والعالم، لأنها تحظى بثقة القوى المقاتلة على الأرض، وتستجيب لمطالبها، وتضمن مصالحها، وتدافع عن أمنها وسلامتها. من دون حل هذه المسألة الحيوية، لن نستطيع أن نتقدم، بعد الآن، خطوة واحدة في تقصير أجل الحرب وإيقافها والدخول في عصر السلام وإعادة البناء، لأننا لن نستطيع، من دونه، أن نكسب ثقة العالم الذي نحتاج مساعدته في تحقيق التغيير السياسي والاجتماعي الذي نأمله، ومواجهة الأوضاع المأساوية التي هي أوضاعنا.

ثم إن تفاقم عواقب الأزمة ومضاعفاتها والتدهور السريع في شروط الحياة في سورية ومحيطها، سوف يدفع الدول إلى ممارسة مزيد من الضغوط، من أجل إيجاد حل يوقف عملية الموت والانتحار الجماعي، ويضع حداً لعملية التدمير المنهجي الذي لا يعوّض. وفي غياب ممثل حقيقي للشعب، مسموع ومقبول، يحظى بثقة السوريين، والمقاتلين في طليعتهم، وكذلك بالضرورة بثقة العالم، سوف تأتي جميع الحلول المقترحة على حساب الشعب وضده. وفي حال استمرار الانقسام الراهن، والافتقار لقيادة معتمدة تدافع عن حقوق الشعب ورؤية المعارضة وخياراتها ومصالحها، سوف تزداد الضغوط من أجل القبول بأي حلٍ يوقف سيل الدماء الجاري، من دون أي اعتبار لميزان الحق والعدالة. وغداً لن تكون روسيا الوحيدة التي ترى المخرج في تحييد المعارضة المسلحة، واستبعادها من كل الحسابات، وفي فرض التسوية التي تراعي مصالح القوى الأخرى المحلية والدولية، ولكن سيصف إلى جانبها مزيد من الدول المحبطة واليائسة من ارتقاء المعارضة السورية إلى مستوى المسؤولية التاريخية.

لن نستطيع أن نتغلب على الموقف الروسي، وهو وضع العالم أمام الخيار الصعب بين الاستسلام لداعش أو التسليم لنظام العنف الوحشي، إلا بجعل الخيار الثالث جدياً وذا مصداقية، وأعني به خيار المعارضة، بما تشمله من جيش حر ومنظمات سياسية ومدنية مؤيدة لقيم الثورة، ونابعة منها. وهذا يتطلب ارتقاء المعارضة في وعيها وممارستها وتعاملها مع الوضع السياسي والعسكري إلى مستوى التحديات المعقدة التي يطرحها مخاض التحول والانتقال، بدءاً من كسب خيار الحل السياسي والتفاوض، ووقف الحرب، وانتهاءً بإعادة بناء الدولة، مروراً بتوحيد الشعب، وتطمين مختلف الجماعات وتنظيم شؤون المناطق والمحليات. هذا هو الخيار الذي أنكره زعيم الدبلوماسية الروسية، عندما تساءل في ما إذا كان هناك وجود لجيش حر، وهو الخيار الذي يحلم بالقضاء عليه كل من يرفض خيار التغيير والانتقال السياسي، ويسعى إلى وضع السوريين والعالم أمام الاختيار المستحيل بين نظام إرهاب الدولة وتنظيم دولة الإرهاب.

(أكاديمي وأول رئيس للمجلس الوطني السوري)

من بشار الإيراني إلى بشار الروسي/ عمر قدور

على التوالي التقى الرئيس الروسي بوتين، يوم الأحد الماضي(11 تشرين الأول)، ولي عهد أبو ظبي وولي ولي العهد السعودي، وبحسب ما تسرب من أخبار ثمة ليونة في مواقف البلدين إزاء التدخل الروسي في سوريا. الموقف الإماراتي كان متوقعاً، وراجت تسريبات صحافية من قبل عن دعم الإمارات تدخل موسكو، بخاصة عندما التقى بوتين ولي عهد أبو ظبي وملك الأردن والرئيس المصري قبل نحو ثلاثة أسابيع. الذي تخلله بعض من التغيير هو الموقف السعودي، فبحسب ما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية عن وزير الخارجية السعودي: السعودية ترغب في تشكيل حكومة انتقالية في سوريا، ستقود في نهاية المطاف إلى رحيل بشار الأسد عن السلطة.

بيت القصيد في التصريح السابق هو استخدام تعبير “حكومة انتقالية” بدل “هيئة حكم انتقالية” كاملة الصلاحيات، بحسب التفسير السعودي المعهود لبيان جنيف1، وأيضاً الإشارة إلى رحيل بشار في نهاية المرحلة الانتقالية، لا تعني اشتراطا لرحيله الفوري، أو خلال مدة قصيرة جداً. لكن الدلالة على التقارب في الموقفين الروسي والسعودي لا تقتصر على تلك التصريحات، بل تتعداها إلى المضي في العديد من مشاريع التعاون المشترك، بما فيها التعاون العسكري في سوريا بحسب تصريح لافروف!

لقد كُتب سابقاً الكثير عن يأس خليجي من إدارة أوباما التي أدارت ظهرها لحلفائها كرمى للاتفاق النووي الإيراني، ما دفع دول الخليج إلى المبادرة تجاه موسكو لإيجاد نوع من التوازن في علاقاتها الدولية، وأيضاً محاولة منها لاستمالة موسكو وفكّ تحالفها الوثيق مع طهران. في الجانب السوري، سيكون مفيداً هنا تذكر زيارة المسؤول الأمني البارز في نظام الأسد “علي مملوك” ولقائه ولي ولي العهد السعودي في الأسبوع الأول من شهر يوليو الفائت. فبحسب ما سرّبته وسائل الإعلام السعودية عُرضت عليه مقايضة مفادها انسحاب ميليشيات حزب الله والميليشيات الشيعية الأخرى من سوريا، مقابل وقف السعودية دعمها المعارضة. المطلب الذي عدّته الأوساط السعودية إحراجاً لنظام الأسد أمام موسكو، تستطيع الأخيرة القول بأن تدخلها يحققه الآن. فبشار المرتهن تماماً للحرس الثوري الإيراني لم يعد كذلك بعد أن أصبح في عهدتها. تستطيع موسكو أيضاً تأييد مزاعمها بأنها بدأت فعلاً بتفكيك ميليشيات الدفاع الوطني، وهي ذراع إيران في سوريا، وبأنها الآن هي التي تدير غرفة العمليات العسكرية من دون مشاركة الحرس الثوري.

ما تبيعه موسكو هو التالي: لقد جربتم بشار الإيراني، ولم يكن مسموحاً لكم إسقاطه، بل رأيتم كيف تغلغل النفوذ الإيراني في المنطقة، إذاً عليكم المفاضلة بين بشار الإيراني وبشار الروسي. مع بشار الروسي تتخلصون من التبعات المرهقة للصراع الشيعي السني، من دون أن تخسروا شيئاً بما أن سوريا لن تكون لكم ولن تكون لإيران. هو أيضاً ذاته ما تبيعه موسكو لإسرائيل، فموسكو الممسكة تماماً بالنظام، والتي تربطها علاقة ممتازة بتل أبيب، أفضل للأخيرة من طهران، وقد لا تحتاج مع وجود ضمانة روسية أكيدة إلى قصف شحنات أسلحة تشك في وجهتها. تل أبيب التي لا تريد إيران على حدودها، وتخشى سيطرة جماعات متطرفة على الجانب السوري من حدودها، لا يُستبعد أن ترى في الجار الروسي الجديد حلاً أمثل حالياً.

غير أن ما تسوقه موسكو إقليمياً لا يملك القيمة ذاتها سورياً. فالسوريون لا يضعون أنفسهم أصلاً على خط الصراع السني الشيعي في المنطقة، لسبب بسيط هو أن عدد الشيعة في سوريا هو من التواضع بحيث لا يثير أدنى مشكلة. المشكلة بدأتها إيران عندما وضعت السوريين في خانة أعدائها السنّة. بخلاف لبنان والعراق، لا تملك إيران في سوريا قاعدة مذهبية تمكّنها من بسط نفوذ مستدام. ولم يكن السوريون عموماً ينظرون إلى طهران وحزب الله كعدو قبل أن يضعا ميليشياتهما في هذا الموقع. أي أن القضية السورية منفصلة إلى حد كبير عما يسمى صراعاً سنياً شيعياً في المنطقة، وإن تحولت سوريا إلى ساحة معركة لذلك الصراع فهذا لا يحجب الصراع الأصل، وهو صراع داخلي على نوعية السلطة وعدالة تمثيلها. حتى المسألة الطائفية في سوريا يصعب إدراجها ضمن الصراع الطائفي الإقليمي على المدى البعيد، لأن المظلوميات الأقلوية السورية التاريخية لا تتغذى من فكرة الثأر المقدس المرتبطة بحرب يزيد والحسين.

الجانب الأهم هو أن السوريين غير معنيين بالفوارق التي تريد موسكو ترويجها بين بشار الإيراني وبشار الروسي. مشكلة السوريين هي مع بشار الكيماوي وبشار البراميلي… إلى آخر ما هنالك من أصناف الأسلحة التي استخدمها ضد إرادتهم. ولو أصبح بشار الأسد غداً أمريكياً أو سعودياً أو إماراتياً، على سبيل المثال، لما انتفت المشكلة ولن يتوقف سعيهم إلى التغيير. والحل الذي يطالب به السوريون، وإن بدأ برحيل بشار فهو لا يتوقف عنده، هو الحل الذي يضمن حقوقهم وكراماتهم التي لا ينبغي أن يُنتقص منها في أية تسوية دولية أو إقليمية. إذا كان النظام قد أصبح وكيلاً للاحتلال الإيراني والروسي على التوالي فالسوريون لم يرهنوا إراداتهم على نحو ما فعل النظام، ولا تستطيع أية قوة إقليمية أو دولية المباهاة بسيطرتها عليهم، حتى إذا سيطرت على بعض أطر المعارضة أو بعض الفصائل المقاتلة على الأرض. نعم، يحدث في أية حرب أن يكون هناك تقاطع في المصالح، ويحدث أيضاً أن تفترق مصالح الحلفاء، وربما لا يرى بعض القوى الدولية والإقليمية ضرراً في منح موسكو مهلة لاختبار النوايا. السوريون لا يملكون ترف الانتظار، فهم قد خبروا نوايا موسكو منذ بدء الثورة.

روسيا:الهروب الى الامام/ علي العبدالله

لم يكن القصف الروسي بصواريخ “كروز”من بحر قزوين، الذي يبعد عن الأراضي السورية أكثر من ألف وخمسمائة كيلومترا، عملا منطقيا في سياق المعركة الدائرة، فلا طبيعة المعركة ولا قوة الخصم تستدعي قصفا من هذا البُعد والإفراط في استخدام قوة تدميرية هائلة (11700 كغم الوزن الكلي للرؤوس الحربية التي أطلقت) لضرب مواقع متاح تدميرها بسهولة أكبر وبتكلفة أقل.

جاء القصف الروسي بصواريخ “كروز” ردا عصبيا غاضبا على رفض الغرب للتدخل الروسي في سوريا ولتصورها للحل، وكذلك لتجاهله الدعوات الروسية للتعاون العسكري في سوريا، وتصعيدا كبيرا للموقف في سوريا٬ ولكنه، وعلى الرغم من اثارته غضب واشنطن واستياءها، حيث أن موسكو لم تبلغ واشنطن بإطلاق الصواريخ، وأنها مرت في أجواء تحلّق فيها طائرات التحالف الدولي – العربي، كان من الممكن ان يؤدي إلى صدام عسكري أمريكي – روسي، ناهيك عن استهدافه لقوات معارضة تدعمها واشنطن، فانه لم يحقق هدفه الرئيس: ارغام الادارة الامريكية على قبول تدخلها في سوريا والتعاون معها، فقد ردت واشنطن برفض التعاون وأشارت إلى السبب بوضوح: رفض التعاون بسبب الإستراتيجية الروسية التي تراها واشنطن “معيبة بشكل مأساوي”، وفق تعبير وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر، مع قبول التنسيق العسكري، لتلافي الاصطدامات والتضارب في البرامج، لحفظ سلامة طياري البلدين(قدمت الولايات المتحدة اقتراحات تتعلق ببروتوكولات سلامة بسيطة٬ مثل الحفاظ على مسافة آمنة بين الطائرات الروسية والأمريكية٬ واستخدام ترددات راديو مشتركة لنداءات الاستغاثة)، والتنسيق يختلف عن التعاون، الاول تقني بحت والثاني سياسي ويعني اعطاء شرعية للتدخل الروسي، ودفع (القصف/التصعيد) واشنطن الى القبول باقتراحات دول اقليمية حليفة برفع مستوى دعم المعارضة وتزويدها بذخيرة ومضادات دروع لـ “مواجهة القوة الروسية”، ووقف حملة قوات النظام المدعومة بغطاء جوي روسي لاستعادة المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في محافظات حماة وادلب واللاذقية، ومنعها من تحقيق انتصارات ميدانية كبرى في الأشهر الثلاثة المقبلة(نقل أن حوالي 500 صاروخ “تاو” أمريكي قد وصلت إلى فصائل سورية معارضة، وأن دفعة أخرى ستصل إلى “جيش الفتح”، الذي يضم فصائل إسلامية ويعمل في ريفي حماة وإدلب، و”الجيش السوري الحر”، الذي يعمل في مناطق مختلفة من البلاد. قال مسؤول سعودي لهيئة الإذاعة البريطانية:”إن السعودية ستزود ثلاثة فصائل في سوريا بأسلحة مضادة للدروع، وربما للطيران، رداً على التدخل الروسي الأخير، وأكد المسؤول الذي لم تكشف الهيئة عن هويته، إن الأسلحة الجديدة ستقدم لكل من فصائل الجيش الحر وجيش الفتح والجبهة الجنوبية، ولم يستبعد المسؤول دعم الثوار بمضادات للطيران على الرغم من معارضة الغرب الكبيرة لذلك، وذلك خشية من وصولها إلى يد المتطرفين”). كما لعب التدخل الروسي في سوريا والقصف بصواريخ “كروز” من بحر قزوين الى ارتفاع حدة الانتقادات الاقليمية والدولية والسورية المعارضة لرد الفعل الامريكي “الفاتر”، وزاد الدعوات الى رد مناسب يرتفع الى مستوى التحدي، فقد دعا زبيغينو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في ادارة الرئيس الامريكي جيمي كارتر، إلى ما أسماه بـ “التحلي بجرأة إستراتيجية”، قائلا:”تمس الحاجة إلى توسل القوة الامريكية في السعي الى صيغة جديدة للاستقرار الإقليمي”(لتعاون موسكو مع واشنطن في سورية، الحياة:7/10/2020). ودعت كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية من 2005- 2009، وروبرت غيتس، وزير الدفاع الأمريكي من 2006-2020، في مقال مشترك إلى “خلق توازن عسكري أفضل على الأرض، إذا كنا نريد التوصل إلى حل سياسي مقبول لنا ولحلفائنا”(واشنطن ومواجهة بوتين في سوريا، جريدة الاتحاد الإماراتية:11/10/2020). واقترح دينس روس، مساعد خاص سابق للرئيس باراك أوباما، ردا على مطالبة الرئيس الامريكي بـ “أفكار ناضجة”، “الموافقة على إقامة ملاذ آمن وحظر جوي”، قال:”لنذهب إلى الأتراك والسعوديين والقطريين والأوروبيين بهدوء ولنقل لهم إن الوقت قد حان لإقامة ملاذ آمن حقيقي بمحاذاة الحدود التركية السورية. وهو شيء لطالما دعا إليه الأتراك والخليجيون، وشيء يحتاجه الأوروبيون لوقف تدفق اللاجئين. ولنشرح لهم أننا سنضطلع بدورنا في فرض احترام منطقة “حظر الطيران”، لكن فقط إذا ساهمت أوروبا بقواتها الجوية، ووافقت تركيا على تأمين المنطقة ميدانيا لمنع تسلل عناصر “داعش”، ووافقت السعودية وقطر على تمويل البنية التحتية الخاصة باللاجئين وعلى قبول مرور كل المساعدات المادية الخاصة بتدريب قوات المعارضة في المنطقة عبرنا”. ودعا اللفتنانت كولونيل جون بارنيت إلى تحرك أمريكي تركي ضد روسيا في آسيا الوسطى، فأردوغان يشارك واشنطن مصلحتها في احتواء روسيا قبل أن تتمكن من توسيع وجودها على طول الحدود التركية، “باستغلال ميزاتهما الخاصة، أي القرب الجغرافي والجيل الخامس من الطائرات، من خلال عرض مفاجئ للقوة، ورفع وتيرة المناورات والتدريبات المشتركة مع دول القوقاز، ووضع خارطة طريق لانضمام جورجيا إلى حلف الناتو” (مغامرة بوتين في سوريا فرصة لواشنطن وأنقرة، موقع معهد واشنطن:6/10/2020). وقد نقلت تقارير إعلامية عن ضوء اخضر أعطته وزارة الدفاع البريطانية لجميع طياريها المشاركين في الحرب على “داعش”، باستخدام جميع وسائل الدفاع المتاحة ضد أي هجوم روسي، بما في ذلك تزويد طائراتهم التي تحلق فوق العراق، وقريباً فوق سوريا، بصواريخ جوـ جو للدفاع عن نفسها ضد المقاتلات الروسية. هذا بالإضافة الى رد الفعل العربي والاسلامي السني، حيث نُظر الى التدخل الروسي كاصطفاف الى جانب الشيعة ضد السنة، وتحذير السعودية من انزلاق روسيا الى حرب مذهبية، وما لذلك من أثر على مسلمي روسيا واغلبيتهم من السنة.

أرادت روسيا من قصفها بصواريخ “كروز” عرض قوتها وإظهار نهوضها وقدرتها على مواجهة الغرب(انخفض وهج الخطوة بسبب سقوط عدد من هذه الصواريخ، بين 4 و 6، على الأراضي الإيرانية، وقد استعادت الحطام لدراستها)، والضغط عليه وعلى حلفائه الاقليميين للقبول بالتدخل الروسي وبالحل الذي تتبناه موسكو للصراع السوري، وقد أسقط في يدها لان هؤلاء الخصوم لم يبدوا استعدادا للرضوخ والمقايضة، وان فرصتها في تنفيذ الحل محدودة جدا لان لا احد من هؤلاء الخصوم سيمنحها فرصة تحقيق نصر سهل بتغيير توازن القوى وصياغة النظام الاقليمي، خاصة بعد ان انتقلت من دور الوسيط الى دور طرف مشاركة في الصراع. لقد انزلقت إلى خيار عالي المخاطر، يمكن أن يتحول بسهولة إلى مستنقع، خاصة إذا اضطرت إلى الانتقال من القصف الى النزول على الارض، مع العلم إن التدخل يتم وهي تعاني من أزمة اقتصادية حادة وخطيرة ما قد يجعل محاولة استعادة هيبتها على الساحة الدولية ليس باهظة الثمن وحسب بل قد تكون كارثية.

الدور التركي بعد تدخل روسيا في سورية/ حسين عبدالعزيز

وجّه التدخل العسكري الروسي في سورية ضربة قوية للدول الإقليمية الداعمة للمعارضة السورية وأربك حساباتها العسكرية، حيث كشفت الغارات الروسية أن هدفها الحقيقي هو إضعاف قوة الفصائل العسكرية السورية المدعومة من تركيا والسعودية وقطر، بعيد فشل موسكو في إقناع صانعي القرار في أنقرة والرياض بالانضمام إلى تحالف إقليمي لمواجهة الإرهاب يكون النظام السوري جزءاً أساسياً فيه.

لكن تركيا تعتبر أكبر الخاسرين من التدخل العسكري الروسي بحكم جوارها الجغرافي لسورية وتأثيرها الكبير في الشمال، فمن شأن هذا التدخل أن يتجاوز بتداعياته مسألة «داعش» إلى التأثير سلباً على وضع المعارضة السورية المدعومة من تركيا في الشمال، ومن ثم الدور الكردي في شمالي البلاد.

بين البلدين مصالح مهمة. تشكل روسيا إمبراطورية عظمى ليس في محيطها الجغرافي القريب فحسب، بل أيضا في محيطها الاستراتيجي الأبعد، وبالتالي لا تستطيع أي دولة في الإقليم التغاضي عن هذه الحقيقة بما فيها تركيا. في المقابل تشكل تركيا بالنسبة الى روسيا دولة مهمة، فهي صلة الوصل بين آسيا وأوروبا براً وبحراً، وعضو في «الناتو»، ولها تأثير في محيطها الإقليمي.

هذه الجغرافيا السياسية فرضت على البلدين التعاون، بعدما ظلا طوال عقود في حالة عداء زمن الثنائية القطبية، وانعكس هذا الأمر بشكل جلي في الجانب الاقتصادي الذي يشكل حجر الزاوية في متانة العلاقات بين الجانبين على الرغم من وجود خلافات سياسية حول شبه جزيرة القرم وأرمينيا والبوسفور.

لكن التدخل العسكري الروسي في سورية يختلف استراتيجياً عن كل ما عداه، حيث يضع روسيا على الحدود الجنوبية لتركيا، ولاعباً رئيسياً يسعى إلى تغيير قواعد الصراع داخل الحدود السورية، وما يستتبع ذلك من آثار سلبية قد تصيب عمق الأمن القومي التركي.

تبدو تركيا حتى الآن عاجزة عن التصرف حيال هذا التطور الكبير على صعيد تغيير قواعد اللعبة الميدانية في سورية، فلا تسمح إمكاناتها مع حلفائها الإقليميين بمواجهة القوة العسكرية الروسية بشكل مباشر.

يظهر العجز التركي في ثلاث قضايا:

1- المنطقة الآمنة التي طالما دعت إليها أضحت في مهب الريح، حيث تتطلب حظراً جوياً لا سبيل إلى تحقيقه من دون تدخل مباشر من «الناتو»، وهو أمر ما زال مرفوضاً من قبل الأميركي والأوروبي سابقاً، فكيف الحال الآن بعد الوجود العسكري الروسي والخشية من حدوث اشتباك بين الجانبين من شأنه أن يفجر حرباً باردة غير مرغوب بها.

وقد أظهر الروس حزماً شديداً حيال التفكير في إقامة مثل هذه المنطقة في معرض ردهم على تصريحات رئيس المجلس الأوروبي التي أعلن فيها عقب لقائه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الاتحاد الاوروبي مستعد لمناقشة كل الموضوعات مع تركيا بما فيها المنطقة العازلة.

2- كيفية تقديم تركيا الدعم العسكري والبشري للفصائل المسلحة المدعومة من قبلها بعد توجيه موسكو تحذيراً شديد اللهجة إلى أنقرة من أن الطيران الروسي سيقصف كل المراكز التي يمر عبرها المقاتلون الأجانب في حال سمحت الحكومة التركية لمقاتلين بعبور الحدود نحو سورية.

وتخشى القيادة التركية أن يؤدي دعمها المباشر للفصائل المسلحة إلى حدوث تصادم بين الجانبين بدت نذره مع انتهاك طائرات روسية المجال الجوي التركي.

3- التعاطي التركي مع الحزب الديموقراطي الكردستاني الذي طلب المشاركة في العمليات العسكرية الروسية، وأصبح بذلك حليفاً للولايات المتحدة وروسيا على السواء، وستفكر أنقرة ملياً في كيفية التعامل مع الحزب الذي يحاول فرض أجندة كردية شمالي سورية.

ضمن هذه المعطيات، لا يوجد أمام تركيا سوى خيارين: إما القبول بالأمر الواقع في ظل تراخ أميركي ربما يكون مقصوداً، أو التوجه نحو إجراء تنسيق عال مع الرياض والدوحة لزيادة الدعم العسكري للمعارضة المسلحة، وتجاوز الفيتو الأميركي الذي يمنع تزويد المعارضة بأسلحة متطورة أولاً، ومحاولة تشكيل جبهة عسكرية تضم فصائل مسلحة على رأسها «أحرار الشام» و «جبهة النصرة» ثانياً، لكن عدم مشاركة «النصرة» في البيان الذي أصدره نحو 40 فصيلاً مسلحاً يدعو دول المنطقة إلى تشكيل تحالف لمواجهة التدخل الروسي، يطرح أسئلة حول إمكان نجاح مثل هذه الجبهة الموحدة.

من الصعب التكهن بما ستؤول إليه الأمور في سورية، في ظل الانكفاء الأميركي، والتردد الأوروبي، وحدود قوة الدول الإقليمية الداعمة للمعارضة السورية، لكن من الواضح حتى الآن أن التدخل العسكري الروسي أربك الجميع وفي مقدمهم تركيا، وجعل فرص تحركهم قليلة أو شبه معدومة على الأقل في المرحلة الحالية.

* إعلامي وكاتب سوري

ما اسم بوتين؟/ ميشيل كيلو

هو عبد الأمير أبو التين، ابن جاسم أبو التين، بائع التين المجفف في الشتاء والأخضر في الصيف، المعروف من أبناء مدينة “الناصرية” العراقية بتدينه الشديد، وإيمانه بآل البيت، والذي اضطره فقره للهجرة إلى روسيا، حيث تزوج من روسية اسمها، ماريا لافنونوفا، أنجبت له صبياً أسماه عبد الأمير، لكن صعوبة النطق باسمه جعلت والده يوافق على تسميته فلاديمير، بينما صار اسمه هو بوتين، بدل أبو التين العراقية.

بعد شكسبير الذي ولد، مثل عبد الأمير أبو التين، جنوب العراق، في بلدة صغيرة اسمها الزبير، وكان شيخاً معروفاً بحبه آل البيت، لكن ظروفه أجبرته على الهجرة إلى بريطانيا، حيث تحول من الشيخ زبير إلى شكسبير، وكان أول شيعي عراقي يدهش العالم بإبداعه الأدبي. أما عبد الأمير أبو التين اليوم فيعد أول شيعي عراقي تذهل عبقريته العسكرية البشرية جمعاء، بما ابتدعه من طرق حربية لم تكن معروفة قبله، منها إرسال طائرات حربية وسفن قتالية ودبابات لإنقاذ إخوته العراقيين والسوريين في العقيدة، فضلا عن إصداره أمراً بإطلاق صواريخ مجنحة وطوافة لقتل خصومهم، كفار كفرنبل واللطامنة وكفرزيتا وباقي قرى أرياف حمص وحماة وإدلب، الذين وصلت جحافلهم إلى مشارف العتبات المقدسة في النجف الأشرف وكربلاء وسامراء. ولولا لطف الله وغيرة عبد الأمير الدينية، لكانوا احتلوها وأبادوا المؤمنين من سكانها، لكن عبد الأمير هبّ للدفاع عن دينه، وصاح: يا إمام، قبل أن تتولى قواته تدمير كفار سورية، وإنقاذ أتباع آل البيت الأبرار.

هناك رواية أخرى، تجعل أسرة عبد الأمير من أصول أذربيجانية ذات جذور إيرانية، وتقول إنها لعبت دوراً كبيراً في نشر التشيع في أذربيجان وجوارها، وبفضل تمسكها قروناً بحب آل البيت، وتربية أطفالها على الولاء لهم، هب حفيدها عبد الأمير لحماية شيعة سورية، وأعلن استعداده لحماية شيعة العراق أيضا، وهو ينتظر اليوم رد حكومتهم، فإن جاء سلبياً رفضه، وتدخل بدافع من وازعه الديني وواجبه الإلهي، وأرسل جيشه لرد كفار الفلوجة والرمادي والموصل عن أتباع آل البيت، مثلما فعل في سورية. أيجوز، بعد هذه الإنجازات الإيمانية، أن لا يُمنح أبو التين لقب آية الله، تقديراً لتدينه وإنقاذ أهله في سورية والعراق؟

هل نضحك عند قراءة هذه التخريفات التي تبعث على البكاء بمرارة وحرقة؟ وهل نتوقف عند ما فيها من احتقار صارخ لقيادات سورية والعراق السياسية والعسكرية التي يدفع عجزها عن صيانة أمن شعبها وحياته إلى تعيّش كثير من مواطنيه على قصصٍ تثير أحقاداً مزمنة، تحرّض قطاعاته بعضها ضد بعضها الآخر، وتغرقهم في خرافاتٍ تسوّرها بخزعبلاتٍ تضفي القداسة على مجرمٍ مثل بوتين، رئيس روسيا الذي أرسل جيشه خدمة لمصالح استعمارية روسية، ولم يرسله دفاعا عن “آل البيت أو الفيلا أو الشاليه”، تكمن فاعليتها كخرافات في مضامينها المذهبية والشعورية اللاغية للعقل ومحاكماته المنطقية، والقادرة على إبعاد من يصدقها عن الأسباب الحقيقية لما يعانيه من مشكلاتٍ، ينتجها من يحرّضونه على شركائه في معاناة الظلم والفقر والقهر، كي لا يتحد وإياهم ضدهم.

لا أعرف كم من الناس صدّق رواية عبد الأمير أبو التين، لكنني أثق بأن عدداً هائلا من السوريين يعتقد أن اسم رئيس روسيا الأصلي هو “بوطين”، مثنى بوط، حذاء العسكر الذي كثيراً ما ألغى لابسوه عقولهم، وفكّروا بواسطته، كما يفعل رائد المخابرات السوفييتية السابق، بوطين.

ماذا يريد بوتين؟/ ميشيل كيلو

في الحد الأعلى، يريد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، كسر ظهر الثورة السورية، ممثلة بالجيش الحر، لاعتقاده أن هذا الجيش اليوم نواة الثورة الصلبة وعمودها الفقري، وأن القضاء على قواه الرئيسة سيجعل من السهل تهميش المعارضات السياسية، أو احتواءها وإخراجها من حسابات الصراع الحاسمة. ويريد، في الحد الأدنى، استعادة ما كان الوضع عليه قبل سقوط إدلب وصمود الزبداني وفك الحصار عن الغوطة الشرقية، واختراق دفاعات النظام ومواقعه حول دمشق، وقد أيقن بوتين أن النظام يسقط بسرعة. لذلك، قرر المسارعة إلى نجدته بالقتال بدلاً عنه، ريثما يمده بشيء من القوة عبر تدريب عصاباته وتسليحها.

ليس صحيحاً أن السياسة الروسية لا تدري ما تفعل، وتجهل خطوتها التالية، فدخول الروس إلى الحرب وراءه سببان:

ـ اعتبار قوى الثورة السورية بفصائلها كافة، ومنذ أول يوم انطلقت فيه، تنظيمات إرهابية تمارس إرهاباً عجز النظام عن احتوائه، أو كسر شوكته، على الرغم مما وصل إليه من مساعدات، ما يحتم تدخلاً عسكرياً مباشراً، وبغزو واسع يستخدم أفتك الأسلحة والذخائر وأحدثها، يفرضه السياق العام للسياسة الروسية تجاه الربيع العربي عموماً، وثورة الحرية السورية خصوصاً.

ـ انتزاع المبادرة الاستراتيجية من واشنطن، وفرض حل روسي/ إيراني/ أسدي بقوة واقع ميداني، تبدلت موازين قواه جذرياً لصالح النظام، بالتوازي مع تبدل علاقات القوى الدولية والإقليمية/ العربية لصالح تحالف يمسك بمفاصل المنطقة، ويخترق مجتمعاتها ودولها، يضم موسكو وطهران ودمشق وبغداد، وقوى تنتمي إلى الإرهاب الأصولي، بشقيه الشيعي والسني.

من تحصيل الحاصل القول إن روسيا لم تغزُ سورية، لتدخل في حلقة مفرغة، تكون فيها متفوقة تارة، ومغلوبة تارة أخرى. دخلت الحرب كي تنتصر، ليس فقط على الجيش الحر والسوريين، بل كذلك على داعميهم، حقيقيين كان هؤلاء أو مزعومين. ويعلم بوتين، بلا شك، أن فشله أو هزيمته يعنيان نهاية روسيا قوة كبرى ونهايته الشخصية. لذلك، لن يتراجع عن حربه ما لم يدرك أنه سيفشل أو يهزم. ولن يكفي أي كلام في إقناعه بالخروج من الصراع على سورية وفيها. من هنا، إعلان موسكو عزمها على جعل وجودها في سورية محدوداً زمنياً يقصد بها الإعلان عن تصميمها على استخدام قوة مفرطة، بل ساحقة، ضد الجيش الحر، وتجاهل أي قانون أو عرف أو اعتبار دولي أو إنساني، وعزمها على تحقيق أهدافها، مهما كان ثمنها السوري مرتفعاً.

من تحصيل الحاصل القول أيضاً إن هدف روسيا الرئيس هو إعادة الوضع السوري إلى ما

“ستؤدي سيطرة روسيا على الشرق الأوسط إلى إمساكها مفاصل تتحكم بصور حاسمة في الصراع الدولي حول منطقتنا وخارجها” كان عليه قبل الثورة، ساحة سياسية يملؤها نظام طائفي مجرم، وشعب مذبوح، خاضع وخانع، طرد الأسد معظمه من وطنه، بينما تحول من بقي حياً منه إلى أسرى في معسكر اعتقال كبير، تسهل تصفيتهم واحداً بعد آخر، فإن استحال تحقيق هذا الحد الأعلى، غدا هدف روسيا كسر الجيش الحر وقتل قياداته وتدميره، وإخراجه من معادلات القوة، واحتواء المعارضات السياسية باستكمال ما بدأه الروس في لقائي موسكو، بإقناع بعض المعارضين بـ “إنقاذ ما يمكن إنقاذه “، بحجة تخلي العالم عن الشعب وضرورة قبول عرض الأسد بالاندماج في نظامه “سبيلاً إلى التغيير”.

دخل جيش روسيا بلادنا لكي يحسم الصراع لصالح النظام بسرعة، وفي وقت قصير. وستظهر حقيقة نياته في أثناء الهجوم الأرضي الذي سيشنه جيش الأسد ومرتزقة إيران ومليشياتها على المناطق التي خسروها شمال وطننا وجنوبه، وفي تدمر في مرحلة لاحقة، حيث تمسي الحاجة إلى إخراج “داعش” منها، لإقامة اتصال أرضي مفتوح بين طهران ولبنان. دخلت روسيا المعركة، وهدفها شرق أوسط هي سيدته الآمرة الناهية، بحصة ما لطهران، وذلك وضع جيواستراتيجي جديد، ستكون له عواقب كارثية على أميركا والغرب، الذي سيفقد منطقة هي درة العالم الاستراتيجية، ستؤدي سيطرة روسيا عليها إلى إمساكها مفاصل تتحكم بصور حاسمة في الصراع الدولي حول منطقتنا وخارجها، من دون أن ننسى الأثمان الباهظة التي سندفعها نحن العرب، ومنها اكتمال تحولنا إلى مستعمراتٍ، يمسك بها الكرملين، وتشرف طهران ومرتزقتها عليها.

هل يستطيع أوباما قبول هزيمة أميركا وتحجيمها أو إخراجها من المنطقة بالقوة على يد شراكة روسية مع طهران؟ لا نستطيع، سوريين وعرب، قبول تحولنا إلى عبيد والقضاء علينا، ولا خيار لنا غير الرد بكل ما يتطلبه الرد من جهود وتحالفات وتضحيات، لأن انتصارنا سيكون بمثابة ولادة جديدة لشعبنا الذي سينعم بعده بما يقاتل من أجله: حريته وكرامته الإنسانية.

ما بعد التدخّل الروسيّ/ سمير العيطة

خلق التدخّل الروسيّ ديناميّة جديدة في الأزمة السوريّة. أبرز معالمها في المرحلة الحاليّة القصف الجويّ والمعارك على الأرض. وكلاهما يتمحوران الآن حول أرياف حمص وحماه وإدلب. من الواضح إذاً أن الأولويّة في الأهداف حاليّاً ليست لتوجيه ضربة قاصمة لـ «داعش» ولإحداث خرق رئيس في جبهات القتال معها. بل هي لتمكين الجيش السوريّ على الأرض وصدّ «جيش الفتح» ودفعه إلى التراجع عن المناطق التي كسبها مؤخّراً.

ليس واضحاً كيف ستتعامل القوى الإقليميّة الداعمة لـ «جيش الفتح» مع هذه الأولويّة، وما إذا كانت ستذهب في دعمها إلى تصعيد المواجهة إلى حدودٍ قصوى. في حين يتضح أن الولايات المتحدة ما زالت أولويّاتها في عدم دعم سوى مَن يقاتل «داعش»، أي «وحدات حماية الشعب» YPG التي نظّمها «حزب الاتحاد الديموقراطي» الكردي PYD ومن يتحالف معه، لتجد «وحدات الحماية» هذه نفسها مدعومة من الدولتين الكبيرتين سويّة، أي أميركا وروسيا.

يبقى أنّ هذه الديناميّة الجديدة لا يُمكن لها سياسيّاً ومعنويّاً الاستمرار طويلاً، من دون الانتقال سريعاً إلى مرحلة ثانية والتوجّه مباشرة وبشكلٍ كبير لمواجهة «داعش» ذاتها. إذ ستفقد روسيا، إذا ما استمرّت الأولويّات كما هي الآن، التعامل الحيادي أو المرتبك لكثير من الأوساط المعارضة في سوريا تجاه تدخّلها على أنّه، على عكس التدخّل الإيرانيّ، يُمكن أن يُخرِج الصراع السوريّ من احتقانه الطائفيّ. خصوصاً أنّ القصف العشوائيّ بالبراميل على المدنيين قد تقلّص في الآونة الأخيرة. كما ستفقد أيضاً التعامل الحياديّ الخجول من كثيرٍ من الدول الأوروبيّة إذا ما ظهر أنّ «داعش» ستكون هي المستفيدة من انخراطها في الصراع. كذلك لا يُمكن للولايات المتحدة الاعتماد على «وحدات حماية الشعب» وحدها للدفع إلى معركة كبيرة ضدّ «داعش»، وإلاّ سيفسّر الأمر توجّهاً نحو تقسيم سوريا.

كلّ هذه التطوّرات الميدانيّة ومآلاتها المتعدّدة المُمكنة تضع العمليّة السياسيّة بالانتظار، وخاصّة تلك التي أطلقها المبعوث الأمميّ ستيفان دي ميستورا. إذ لا يبدو أنّ مجمـــوعة الاتصال الدوليّة ستجــــتمع قريباً، طالما أن التباين ما زال كبيراً بين مواقف الأطراف الإقليميّة، وبين روسيا والولايات المتحدة. وربّما سيتّجه المبعوث الأمميّ إلى إحلال ديبلوماسيّة مكوكيّة بين الأطراف بدلاً من جلبها جميعها إلى طاولة تفاوض واحدة.

كذلك هو الأمر بالنسبة لمجموعات العمل السوريّة ـ السوريّة المقترحة، حتّى بعدما قام الأمين العام للأمم المتحدة بتسميّة «ميسّريها». إذ تتضارب الدعوة لمجموعة العمل العسكريّة والأمنيّة الأمميّة مع الرغبة الروسية للاجتماع بالمعارضة المسلّحة للتفاوض مباشرة مع الجيش السوريّ. كذلك انقسمت توجّهات المعارضة السياسيّة بين متسرّعٍ للانخراط في مجموعة العمل السياسيّة الأمميّة وبين رافضٍ كليّاً لها بعد تردّدٍ طويل. وهنا أيضاً قد يستبدل المبعوث الأمميّ طاولة التفاوض في المرحلة الحاليّة بالديبلوماسيّة المكوكيّة.

والحقيقة أنّ هذه الديبلوماسيّة المكوكيّة ضروريّة، خاصّة للمواضيع التي كان يجب أن تعالجها مجموعة العمل المختصّة بالشؤون الإنسانيّة. إذ إن ديناميّة الحرب الجديدة ستؤدّي إلى ضحايا جدد وإلى ضرورات إنسانيّة ملحّة أكثر وإلى موجات نزوح كبيرة لمئات آلاف من السوريين الذين لن يعرفوا إلى أين سيتوجّهون بين الحدود التركيّة المغلقة وممارسات السلطة في سوريا.

المقصود بالديبلوماسيّة المكوكيّة في هذه الحالة خلق آليّات تواصل بين جميع الأطراف الحريصة على وحدة سوريا وسلامة أبنائها لإيجاد نقاط تلاقٍ وقواسم مشتركة… على الأقل على المستوى الإنسانيّ ولوقف الحرب ولو في مناطق معيّنة.

أمّا على الصعيد السياسيّ، فما زال الطريق عسيراً وطويلاً كي يتذكّر السوريون أنّهم في النهاية سيعيشون جنباً إلى جنب يوماً ما حين ستنتهي الحرب.

وحدةُ» السوريين «مُعادِلاً» موضوعياً للوجود الروسي/ وائل مرزا

بقراءةٍ عاجلة، تحمل العبارة أعلاه بعضَ مبالغة. لكن التاريخ معرضُ المستحيلات، كما يقولون. وهناك، دائماً، مقاربةً «ثقافية» أكثر شمولاً، تعطي مثل هذه المواضيع أفقاً يتجاوز السائد في طرق التحليل.

ليست هذه دراسةً «كمية» في مسائل العتاد والعديد العسكري الروسي، وحسابات ما يجب أن يتوافر للسوريين لمواجهته من صواريخ مضادة للدروع والطائرات. هذا أمرٌ مهم، لاشك في ذلك. لكنه، في رؤية المقال هنا، لا هو «المدخل» ولا العامل الرئيس في حسم المعركة. هو في الحقيقة «عنصرٌ» من المعادلة، لكنه ليس عنصراً حراً في ما يتعلق بقيمته ودوره وتأثيره في نتيجتها.

ثمة عناصر أخرى، كثيرة، يمكن لها ألا تجعل ذلك العنصر هامشياً فقط، بل وتُحوّله سبب هزيمةٍ كبرى لروسيا بوتين، ليس كثيراً على الاجتماع البشري وتاريخه أن يجعلها نسخةً أخرى من هزيمة روسيا بريجينيف في أفغانستان. المفارقة هنا أن الزعيم السوفياتي المخضرم كان يُدرك خطورة التدخل وآثاره الممكنة، ما جعله يرفض ثمانية عشرة طلباً للتدخل، قبل أن يعود، مريضاً ومُتعباً، للرضوخ وإصدار قرار التدخل، بسبب ضغوط قادةٍ مهووسين بمنطق القوة. تماماً كما هي حالُ بوتين الذي كان يومها ضابطاً شاباً في جهاز أمن الدولة، ليُتابع بعد ذلك مسيرةً مِهَنية تغرس كل مرحلةٍ منها في أعماق تكوينه ذلك الهوَس.

بِفهمٍ أكبر للتاريخ والاجتماع البشري، فيما نحسب، حاول بريجينيف تجنيب بلاده مصيراً كان يرى ملامحه، رغم أن التدخل كان في خاصرة الاتحاد السوفياتي الحساسة، ورغم الضغط الذي غالباً ما تُشكلُه حسابات «جيوبوليتيكس»، كثيراً ما تُخيف صانعي القرار لدرجة الغفلة عن كل كل مُعطىً آخر.

في المقابل، يقفز بوتين إلى بقعة نارٍ ملتهبة، بعيداً من مجاله الحيوي المباشر، في خطوةٍ صارخة المعاني، من الواضح أنه يراهن فيها باسمه ودوره ومستقبله السياسي، لكيلا نتحدث عن أمرٍ هو في آخر اهتماماته، يتعلق باسم روسيا ومصالحها القومية الحقيقية كدولةٍ وأمة.

من «الهزل» في مقام الجد هنا الحديثُ عن مكاسب روسية تتعلقُ بالوصول، أخيراً، إلى المياه الدافئة. وكذلك الوهمُ بأن روسيا تملأ، بتدخلها، فراغاً خلقه عجزُ أميركا و»تردّد» أوباما. فبحسبةٍ معقولة، يمكن التأكيد بأن «فيتو» حقيقية من واشنطن تجاه الخطوة الروسية كانت قمينةً بقتلها في مَهدها.

لا ينبع هذا من قناعةٍ (اختزالية) تفترض سيطرةً كونيةً مُطلقةً لأميركا على قرارات روسيا وغيرها، وإنما يتعلق باستشراف طريقةٍ ومستوى من الفكر السياسي في أميركا، فريدٍ من نوعه، تتعايش فيه الأخطاء والخطايا بالتناوب مع عمليات الاستدراك والاستيعاب والتوظيف، آنياً أو لاحقاً، للأخطاء نفسها، في كسب أوراق تكتيكية أو استراتيجية.

من دون كثير تفصيل، لا يبدو «التغاضي» عن التدخل الروسي، مع استطلاعات رأي تُظهر أن غالبية الروس ضدّ التدخل، وبتوظيفٍ كاريكاتوري للكنيسة الأرثوذوكسية، في مُحيطٍ «جيوبولوتيكي» هائج من الفوضى العسكرية والأمنية، والتناقضات السياسية، والكراهية الثقافية والاجتماعية، إلا دعوةً لحفلٍ للانتحار بشكلٍ مهيبٍ واستعراضي مُغرٍ، لا يشتري تذاكره عادةً إلا أمثال بوتين. مشهدٌ يدعو الأميركان إلى أن يضحكوا في أعماقهم سراً، إلى أن يكشفه، كعادته… «توماس فريدمان».

يطولُ التحليل عن الملابسات «الروسية» في القضية في شكلٍ لا يحتمله المقام. نُركز، لذلك، من هنا، على عنصر يهمنا أكثر في إطار البحث، يتعلق بالسوريين، وما يمكن أن يقوموا به، هم من دون غيرهم، لدعم احتمالات «الإمكان» الوارد في عنوان المقال.

والحقيقة أن الوضع السوري الراهن يحمل في طياته مفارقةً غريبة. فعلى مدى قرابة خمس سنوات، كان السوريون، من أهل الثورة، يصبون جام غضبهم، وكل ما في طاقتهم من استنكارٍ وانتقاد على معارضةٍ سورية، سياسية وعسكرية، كان عنوانُ ممارساتها الأبرز الخصام والتشرذم والخلاف بكل أنواعه ودرجاته وخلفياته.

لهذا، كانت الدعوة إلى تجاوز ذلك الواقع قضيةً أساسية بين النشطاء والمثقفين والإعلاميين. بل إنه كان «الثيمة» الأبرز في أحاديث وكتابات و»تغريدات» مئات الآلاف من السوريين.

لكن تطوّر الأحداث، وضغطها، يبدو وكأنه دفعَ شرائح المعارضة، السياسية والعسكرية، لتدرك «عبثية» الممارسات السابقة. ورغم كل الملاحظات الممكنة على طُرُق عملها وتفكيرها، في السياسة تحديداً، تَظهر في أوساطها، اليوم، ملامحُ وعيٍ سياسي متقدم، نسبياً، لا ينبغي أن يُصرﱠ بعضهم على إنكاره، لأسباب شخصية أو أيديولوجية، وربما البناء عليه.

نعم. شرائح المعارضة تتقاربُ اليوم، تحت ضغط الواقع وإكراهاته، أكثر من أي وقتٍ آخر. اجتمع الائتلافُ الوطني مع الفصائل مرات عدة، واتفقوا على لقاءات دورية ومزيد من التنسيق. وهناك إرهاصات لإعادة هيكلة الائتلاف نفسه في شكلٍ يجمعُ المزيد من أطياف المعارضة. والرسالة التي أرسلها مُعارضون إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة جاءت بتوقيع أسماء، بعضُها لم يكن يقبل مجرد الاجتماع مع الآخرين. وثمة حديثٌ متصاعد عن تشكيل رؤيةٍ سياسية موحّدة، يُشارك فيها خبراء ومثقفون وساسة لم يتفقوا من قبل على وثيقة.

لكن الملاحظَ، بغرابة، أن ثمة سلبيةً مُطلقةً بين السوريين اليوم في ما يتعلق بهذا الحراك. يسودُ هذا بين النُشطاء والمثقفين والكتاب والإعلاميين، وبين عامة السوريين، ممن لا يزالون يكتبون ويتحدّثون في ألف موضوعٍ وموضوعٍ آخر، وكأن ما يجري في أوساط المعارضة، في موضوع الوحدة تحديداً، يأتي في آخر جدول اهتماماتهم!

لا تَضارُب، في فكرٍ سياسي محترف، يحمل أيضاً روح الثورة، بين استثمار الواقع الراهن، والإقرار بكل ما حصل في المراحل السابقة من اختلافات، وخلافات، عميقة وجذرية بين «حاملي» لواء الثورة في كل مجال، شخصياً، ومصلحياً، ومبدئياً، وأيديولوجياً، وحزبياً، ومناطقياً. ولا مع إمكانية استمرارها في المستقبل.

لكن «كل» ما حصل لا يمثل «لعنةً» تاريخيةً نهائيةً أصابت سورية وشعبها وثورتها، كأنها قدرٌ لا فكاك من آثاره التدميرية، بالطريقة التي يفكر بها سوريون كُثُر. فتلك طريقةٌ في التفكير ليست، فقط، مدعاةً لليأس والإحباط والسلبية في أعلى درجاتها، وإنما هي أيضاً، مع الاعتذار، نوعٌ من التفكير الطفولي، لا يليق بشعبٍ بدأ ثورةً من أعظم ثورات التاريخ.

شعبُ سورية يعيش، في نهاية المطاف، «نصيبه» من قصة البشرية على هذه الأرض. بكل ما فيها من صراعٍ وطموحات وتضحيات وآلام عاشت المجتمعات مثلها، وستعيش، في يومٍ من الأيام.

وما يجري في أوساط المعارضة جيد، إذا كان السوريون واقعيين، وحاولوا فهم منطق التاريخ وآليات التطور الثقافي لدى الشعوب. من هنا، يمكن السوريين أن يلتقطوا خيط الأمل هذا، وينسجوا منه، تدريجياً، ثوب الوحدة. وسيكون بمثابة الانتحار أن يزهدوا بالممارسات السابق ذكرُها، ودلالاتها، مهما كانت ملاحظاتهم مشروعةً على المعارضة، ومهما كان عتبهم كبيراً عليها.

مجمل الكلام أعلاه يحمل مؤشرات ولادة ثقافةٍ سياسية جديدة يحتاجُ إليها السوريون، وثورتهم وبلادهم، اليـــــوم أكثر من أي وقتٍ آخر.

وثـــمة حـــاجةٌ كبيرةٌ الآن لتشكيل رأيٍ عامٍ سوريٍ ضاغط على المعارضة لتستمر في طريق وحــــدةٍ ستكون شرطاً لازماً، تُبنى عليه أي قرارات إقليمية توفر لهم الدعم الحقيقي. رأيٌ يكون رافداً وطنياً جامعاً لتلك الوحدة في أنظار العالم، وسابقةً لظهور روح «رقابةٍ» شعبية تكون، بـــدورها، ذُروةً لتلك الثقافة الجديدة.

بقراءةٍ ثقافية «أوسعَ صدراً»، ليس بعيداً أن تصبح هذه المعاني مجتمعةً، وما يتولد عنها من حراك عملي، العنصر الرئيس والأكثر تأثيراً في المعادلة المذكورة أعلاه في المقال، وأن تُثبت صدقية عنوانه العتيد.

نوادر الإعلام الروسي/ باسل العودات

لم تكن مفاجئة طريقة تعامل الإعلام الروسي الرسمي وشبه الرسمي مع التدخل العسكري الروسي في سورية، فبلد تحكمه سلطة شمولية تَعتبر الإعلام ملكها ووسيلة للترويج لها، لا يمكن أن تقبل إعلاماً يُقدّم الحقيقة المجردة ويلتزم بشرف المهنة.

أثبتت وسائل الإعلام الروسية التي تنطق بالعربية، الرسمية منها وشبه الرسمية، خلال الأسابيع الأخيرة أنها أداة تنفيذية لما تأمر به السلطة السياسية، وأنها ليست إلا وسائل إعلام لسلطة شمولية ترى بعين واحدة وتتجاهل أخطاء النظام السياسي، وتُسوّق للسلطة السياسية بطريقة فجّة استعراضية لا تخلو من الكثير من المبالغات والأكاذيب، وتنسى أن مهمتها الأساسية (النظرية على الأقل) هي أن تكون وسيلة للتقارب بين الحضارات والشعوب.

تابع العربي عموماً والسوري خصوصاً الكم الهائل من الأخبار والتعليقات والبرامج التي بثتها وسائل الإعلام الروسية من أجل محاولة فهم الموقف الروسي من الأزمة السورية والأسباب الحقيقية وراء تدخل موسكو، لكنهم فوجئوا بحجم تبعية الإعلام الروسي للسلطة السياسية الروسية ومقدار التحيّز للنظام السوري.

يفقأ العين التحيز الفجّ لوسائل الإعلام هذه للنظام السوري، رغم كل (البراميل) التي ألقاها ويلقيها على شعب كان يوماً يتغنى بصداقته للشعب الروسي، كذلك تثير الانتباه التقارير والأخبار التي تبثها لتضخيم الآلة العسكرية الروسية بأي طريقة لترهيب المعارضة السورية (وغيرها)، حتى لو كانت كاريكاتيرية يخجل أن يصنعها محترفون، مثل تقارير عن “الصواريخ المفاجأة”، وأخرى عن “الأسلحة الروسية الخارقة”، و”السلاح الروسي السري الذي سيهزم العالم”، و”الجيش الروسي الذي لا يُقهر”، و”صدمة في العالم من الأسلحة الروسية”، و”الدبابة الروسية التي تهزم مائة دبابة أمريكية” وغيرها الكثير من (النوادر).

في السياق، لا يخفي الإعلام الروسي الجهود الاستثنائية التي يبذلها لتضخيم شخصية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، (رامبو) الشرق و(هرقل) الجديد، الوسيم الخارق وبطل كمال الأجسام، الجامع لفكر وأخلاق تولستوي وفلسفة فرويد وحكمة لقمان، (زير) النساء ومحبوب المراهقات حول العالم، (آل باتشينو) موسكو ونجم نجوم رؤساء العالم.

بالمقابل، لم يعرف هذا الإعلام كيف (يُرقّع) أخطاء جيشه، ولا سبب سقوط صواريخه (الدقيقة جداً) في إيران بدلاً من سورية، ولم يُفسّر كيف استطاع الطيران الروسي تدمير 60% من مقدرات تنظيم الدولة الإسلامية خلال خمسة أيام وبثلاثين طلعة جوية فقط، فيما عرف جهابذته أن يُذكّروا بأن (الطقس مناسب) لقصف سورية، وأن (جحافل الإرهابيين) يفرون من سورية أفواجاً خوفاً من الدب الروسي، وأن روسيا قتلت مئات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في بلدات لم يطأها مقاتل من هذا التنظيم يوماً.

كل هذا التوصيف ليس تركيباً كاريكاتيرياً، وليس اتهاماً لهذا الإعلام بأنه أصبح إعلاماً (تشبيحياً) كما هو إعلام النظام السوري، ولا (تحاملاً) على موسكو التي (صمتت دهراً ونطقت كفراً)، بل هو حقيقة يمكن أن يجدها بسهولة من يبحث عن كل ما صدر عن هذا الإعلام خلال الأسابيع الماضية، حيث يتولد بسهولة للمتابع انطباع بأن القائمين على هذه المؤسسات من العرب والروس هم ممن احترفوا تحريف الحقائق لحساب أنظمة مهترئة ويحملون في عمقهم أمراضها.

يمكن الحديث دون حرج عمن يستضيفهم هذا الإعلام من خبراء سياسيين واستراتيجيين، يتحدثون عن كل شيء ويَفتون به، وهم في الحقيقة لا يملكون أساسيات الفكر التحليلي، ويجزمون بوحدانية آرائهم وصوابيتها، ماهرون بخلق كره بينهم وبين المتلقي وكأنهم يبحثون عمداً عن أي وسيلة لاستفزازه وإخراجه عن طوره.

لا يعرف السوريون من ورث عن من، هل النظام السوري ورث (التشبيح) الإعلامي عن النظام الروسي أم العكس، فكلا الإعلامين نتاج سلطة شمولية، ووسائل لتقييد الحريات ورفض الرأي الآخر، ومنابر لتلميع السلطان وحاشيته، ووسائل لمنع كشف الفساد السياسي والمالي والأخلاقي، وتوجههما الأجهزة الأمنية ومؤسسات الظل، في بلدين لا يعترفان بالحرية وحق التعبير، وكلاهما يتبعان نظرية (غوبلز) وزير الدعاية الألماني النازي التي تقول (إكذب، إكذب، حتى يصدقك الناس).

رغم أن زمن (غوبلز) ليس زماننا، وظروفه غير ظروفنا، إلا أن النظامين الروسي والسوري مازالا عالقين في ذلك الزمان لا يعرفان أن الدنيا أصبحت قرية صغيرة.

الدب الروسي في معرض الزجاج السوري/ سعيد لحدو

من المعلوم أن الدببة لا تتعاطى السياسة، وشهرة الروس في ألعاب السيرك وفنونها لم تكن يوماً انعكاساً لتجارب مدربيهم الفاشلين في ألعاب السياسة. لذا فإن استعارة القيصر بوتين ووزير خارجيته الأزلي لافروف لبعض بهلوانيات السيرك لاستخدامها في السياسة تعتبر قفزة خارج إجراءات الأمان التي تتخذ عادة في ألعاب السيرك.

الدب الروسي الذي سُحبَت قدمه إلى الشتاء السوري في غفلة منه، قد لاتطول به الأيام حتى يداهمه الإحساس بالغربة عن بيئته القطبية، بعد أن يصحو من غفلته تلك. ولقد قيل في المصطلح الشعبي السوري: (ياغافل إلك الله). لكن يبدو أن الله لم يعد يكترث لمن سكن أكثر من سبعة عقود في بيت الشيوعية الذي تداعى على ساكنيه بسبب التكاذب والنفاق والتعاظم المزيف، وما زالت أشباح ستالين وبريجنيف تداعب أحلام قياصرة روسيا الجدد ببناء أمجاد واهية على حساب دماء وحياة السوريين، ومستقبلهم.

إعادة الحياة لعظام ستالين أسهل ألف مرة من إعادة الروح لمصطلح استعماري قديم سئمه الناس وكرهوه، وكرهوا أكثر وأكثر مستخدميه، ابتداءاً بدعاوى الاستعمار القديم وليس انتهاءاً ببشار وحماته الطامعين بـ (الحج والناس راجعة).

حماية الأقليات، الذريعة الواهية التي عاد إليها القياصرة الجدد بعد استفاقة متأخرة، هي سبب معلن لجلب الدب الروسي للكرم السوري. لكن ذريعة حماية الأقليات تلك لم تعد شعاراً يستوجب سوى السخرية والاحتقار لمستخدميه، وبخاصة إذا علمنا مافعلته روسيا الأورثوذكسية عبر تاريخها لمسيحيي المنطقة، الأورثوذكس منهم بشكل خاص، وهم يشهدون المذابح والقتل والتهجير على حدودها، ولم تحرك ساكناً. لا بل دعمت وساعدت القتلة بكل ما استطاعت. ومذابح المسيحيين الأورثوذكس الأرمن والسريان الآشوريين واليونان قبل مائة عام على أراضي الامبراطورية العثمانية لا تغفلها عين الراصد. وما يزيد الجرح إيلاماً أن تبارك الكنيسة الأورثوذكسية الروسية اليوم جهود المافيا الروسية-الأسدية في القضاء على ماتبقى من أحلام للشعب السوري في الحياة.

لن يُحسَد السيد دي مستورا على الحال الذي وجد نفسه عليها، وهو يخطط ويضع الأطر لتجسيد آماله في الحل السوري البعيد، عندما داهمه الدب الروسي ليقطع عليه خلوته وهو يتأمل بكل دقة تفاصيل معرض الزجاج السوري الهش، ليتحطم كل شيء في لحظة غير محسوبة. وليدرك الجميع كم كان الروس جادون في بحثهم عن أرقام متسلسلة جديدة لمؤتمرات موسكو المتقادمة بفعل سياسة الدببة تلك. فهل علينا أن نتمعَّن بما خلفه الدب الروسي وراءه من خربطة أوراق كان الوضع السوري بغنى عنها في ظل التداخل والتعقيد والحساسية التي تميزت بها الحالة السورية أصلاً.

ليس بعيداً عن ملاعب الدب الروسي تلك، جرَّبت إيران العمامة تلو الأخرى من آياتها المعصومة علَّها تضفي شيئاً من القداسة على درر سياساتها البعيدة، لكنها لم تكن يوماً أبعد عن مكة مما هي عليه اليوم. فهل ستكون مخالب الدب الروسي أقدس من كل تلك العمامات لتقربها ولو قيد أنملة؟؟؟

ولعل القريب الأبعد هو هذا العجز العربي عن ،الفعل رغم القدرة، بإلقاء شبكة المصالح لتقييد الدب الروسي بها وإبعاده ولو إلى حين عن معرض الزجاج السوري القابل للكسر عند كل صدمة غير محسوبة.

يبقى الدور الأهم للمايسترو الذي أعطى الأدوار ووزع المهام مسبقاً، والذي بات همه الأكبر الآن السهر على حسن التزام كل لاعب بدوره المرسوم له غير مكترث بآلام الشعب السوري المتوجع حتى الموت في هذه التراجيديا الإنسانية.

أما الرابح الأوحد والذي لم يستثمر فلساً واحداً في كل هذا المهرجان المسرحي فهو كما هي الحال دائماً، دولة إسرائيل (الشقيقة).

خطيئة بوتين/ د. رياض نعسان آغا

لن تغفر شعوب روسيا الاتحادية لبوتين خطيئته في احتلال سوريا حتى لو أيدته الكنيسة، ولن يقبل بذلك ملايين من المسلمين في الكومونولث الروسي، ولم يكن في سوريا أحد يعادي الروس، وبيننا وبينهم تاريخ صداقة عريقة، ولم يكن السوريون عشاقاً قط للولايات المتحدة، ولكنهم صاروا في حال الغريق الذي يتلمس قشة يمسك بها قبل الغرق.

وقد استجاب كثير من المعارضين لدعوات روسيا للبحث عن حل في مؤتمرات موسكو، ولكنهم لم يجدوا جدية روسية في دعم الشعب، فقد كانت روسيا تحاول اصطناع معارضة تدعو للنظام بأشد مما يدعو الموالون له، حتى بدا الأمر مدعاة سخرية.

وأما خطيئة بوتين في تدخله العسكري، فهي أنه أعلن عداءه للشعب السوري عامة، حين قال إنه يعتبر المعارضة المعتدلة إرهابية، بمعنى أنه سيقاتل كل من اعترض على الحل العسكري الذي انتهجه النظام في سوريا، وهو الحل الذي قاد البلاد إلى الدمار بدعم وتشجيع روسي إيراني، ولم يستطع النظام أن ينهي ثورة الشعب ولا أن يحقق انتصاراً، سوى أنه فقد سيادته وقراره، وبات الإيرانيون يفاوضون أهل الزبداني مثلاً في غياب كامل للنظام. ولم يستطع النظام أن يفيد من دعمه الخفي للتنظيمات المتطرفة التي منحته دليلاً على زعمه الأسبق بأنه يواجه إرهاباً، فقد وقف الشعب كله ضد هذا الإرهاب، وأصر على أنه يريد الحرية والكرامة فقط، ويريد بناء دولة مدنية ديمقراطية. وحين شعر الروس بأن النظام اهترأ وأن الإيرانيين صاروا حكام سوريا الفاعلين، سارع بوتين للتدخل العسكري، لكنه أخطأ حين تدخل معلناً أنه ضد مطالب الشعب. ولا يغيب عنا أنه قدم هذا الإعلان كي يحصل على شرعية التدخل في كونه يلبي دعوة النظام، ولو أنه كان ذكياً لفعل كما فعل الأميركان الذي تدخلوا دون شرعية وهم لم يقفوا مع الشعب، لكنهم لم يتورطوا بالقول إنهم قادمون لدعمه، مع أنهم في العمق لم يهاجموه إلا بالتصريحات التي صار الشعب السوري يسخر منها ويتهكم.

ولو أن بوتين قال، إنه قادم ليحارب «داعش» فقط فربما كان السوريون لن يسموا تدخله احتلالاً، مع أنهم يكرهون كل تدخل خارجي، وهم يعرفون أن «داعش» وسواها من التنظيمات المتطرفة تستمد بقاءها من بقاء النظام، وحين ينتهي لن يبقى أحد مع المتطرفين؛ لأن غالبية من التحقوا بهم هم من الشباب الباحث عن لقمة عيش أو عن جدار يستندون إليه. أما الفكر الديني المتطرف، فهو عند الأغلبية مجرد ستار يختبئون خلفه، أو ردة فعل على تطرف أشد ستنتهي حين ينتهي التطرف المقابل.

وقد بدا أن العالم يريد إبقاء مؤسسة النظام خوفاً من انهيار شامل، ويعلن حرصه على مؤسسات الدولة، وشعبنا أشد حرصاً على مؤسساته؛ لأنه هو الذي بناها، وأعتقد أن غالبية المعارضين متفقون على أن السبيل إلى حل سلمي ينهي هذه المأساة هو في بداية حكم انتقالي لا يكون لأحد من المجرمين والقتلة دور فيه، ويجب أن تبدأ هذه المرحلة التمهيدية بتشكيل مجلس عسكري يقوم بإعادة هيكلة الجيش النظامي وقوى الأمن والجيش الحر، ونحن نحرص على أن يعود الجيش وطنياً يدافع عن سوريا وليس عن أشخاص. وكذلك نحرص على أجهزة الأمن التي ينبغي أن تكون مدافعة عن أمن المواطن وليس مهددة لأمنه، ولن تنجح أية مساعٍ تريد فرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية. ومهما ازداد العنف ضد الشعب، فإن الموت واحد، وقد اعتاده شعبنا ولم يعد مرعباً له منذ أن أعلن أنه يفضل الموت على المذلة. وربما سيفيد الشعب السوري من الاحتلال الروسي بأن يتوحد في مقاومته للاحتلال، وأن يتحرك أصدقاء سوريا الذين لن يغيب عنهم أن بوتين يحقق حضور روسيا في المنطقة على حساب غيابهم، وندعو الله أن نرى نتائج إيجابية في الأيام القادمة بعد سلسلة اللقاءات العربية الروسية، وبخاصة مباحثات قادة السعودية والإمارات مع بوتين، ونحن واثقون من أنهم عبروا عما في وجدان الشعب السوري، وأنهم يحرصون على تلبية مطالب شعبنا في إيجاد حل نهائي يضمن وحدة سوريا، وانتصار شعبها، وبناء دولة مدنية ديمقراطية ينتهي فيها الاستبداد الذي قاد إلى هذا الدمار.

سيّد واحد للكرملين إنّما بسياستين مسيحيّة وإسلاميّة/ حسان القالش

باحتلال روسيا سورية تتأكّد عودة «المسألة الشرقية» مجدّداً. فبينما تعزّز إيران وجودها العسكري هناك حماية لمشروعها المذهبي، تصرّ تركيا على أخذ ما تعتبره الحدّ الأدنى من حصّتها الكامنة في عمق الشّمال السّوري كخطوة باتّجاه طموحها لإحياء عثمانيّة جديدة تستعيد زعامة الإسلام السنيّ.

أما المشروع الروسيّ فيبدو أكثر تعقيداً، إذ يحاول بوتين ومُنظّروه المزجَ بين سياستين متناقضتين اعتمدتهما روسيا قبل الثورة البلشفيّة وبعدها، تقوم إحداهما على تعزيز الشعور القوميّ وشدّ العصَب الأورثوذكسي المترافق مع العداء للإسلام، بينما تميل الثانية إلى استيعاب نسبيّ للإسلام.

هكذا، يتوجّه الرّوس إلى المشرق، بسياسة ذات وجهَين، ساعين إلى تحقيق غايتين رئيسيّتين تتفرّع عنهما مكاسب كثيرة، تتمثّل أولاهما باستعادة الكنيسة المشرقيّة، ما يشكّل انتصاراً معنويّاً وقوميّاً. وهذا ما يفسّر تديين التدخّل في سورية، وحملة البروباغندا المرافقة له، فضلاً عن دعوات التطوّع للقتال هناك التي ظهرت في مواقع الإنترنت الروسيّة والهادفة إلى تشكيل ميليشيات سيكون طابعها الدينيّ أوضح ممّا كانته في شرق أوكرانيا، وستبدو أشبه بالميليشيات الشيعية العراقية واللبنانية. بينما تتمثّل الثانية في تعميم نموذج العلاقة الروسية – الشيشانيّة الراهنة في ما يتعلّق بضبط الإسلام واستخدامه في ما يخدم مصالحها فقط، وهنا تحديداً تكمن ملامح سياسة بوتين الإسلاميّة.

وبعيداً من استحالة تطبيق هذه السياسة، لا شكّ في أنّها ستصطدم بالمشروعَين الآخرَين. فإذا صحّ أنّ روسيا ستعمّق حلفها مع إيران، ما يسمح بتوسيع عملياتها العسكريّة لتشمل العراق، فهذا ما لا يمكن أن تقبل به غالبية مسلمي روسيا والقوقاز التي ستعتبر الأمر نوعاً من الاستفزاز والتهديد لهويّتها الدينيّة. ذاك أنّ الإسلام السنّي، الصّوفي تحديداً، يشكّل منذ أواسط القرن التاسع عشر ملمَحاً أساسيّاً من ملامح الانتماء الوطني لمسلمي القوقاز، فضلاً عن الحجم الكبير الذي بات يحتله الإسلام السلفي منذ الحرب الشيشانية الأولى في 1994، وهذا عدا ارتباطه الروحي بالمشرق.

ومن جهة أخرى، سيكون الاصطدام مع الأتراك أكثر تعقيداً نظراً إلى تعقيد العلاقة نفسها. ذاك أنّ تركيا الحالية، التي استبدلت طموحها الأوروبيّ بحلمها العثماني، لن ترضى بأن تفرض روسيا رؤيتها الإسلاميّة على منطقة تعتبرها إرثها التاريخي ومجالها الحيويّ الواعد المرشّح للتوسّع في هذه الحالة، ما يعني تفعيل تركيا علاقاتها التاريخيّة بمسلمي القوقاز والبلقان، وقدرتها على كسبهم، بخاصّة أنّ روسيا لم تقدّر تهاون تركيا في مسألة ضمّها إلى شبه جزيرة القرم كنوع من تسوية تاريخيّة وسياسيّة غير معلنة ترسم حدود طموح كل منهما.

بهذا، ستغرق سورية أكثر في دماء المشرق وتضيع بين أرجُل المتصارعين على تركة «الرجل المريض».

* كاتب وصحافي سوري

سورية والحرب المقدسة/ فاطمة ياسين

على الأرض، سمعنا، أخيراً، عن انتصارات ميدانية للثوار في شمال حماة، وبضعة أجزاء من حلب. ومع إضافة أخبار سقوط طائرات روسية وخسائر من الدبابات، يحق لنا، بوصفنا متابعين للأحداث، أن نبدي مفاجأة من هذا الواقع الميداني، وأن نتخيل أن شيئاً ما يحدث خلف الستار، لن تجري بموجبه الرياح كما يشتهي الروس، أو على الأقل كما يخططون.

مجدداً صار للحرب السورية في الإعلام، وعلى شاشات الفضائيات، شكل إيجابي من معارضي النظام، بعد التدخل الروسي الفج، لكن الخطاب انتقل من الدفاع عن ثورة شعبية تريد أن تنتزع حرية أبنائها من دكتاتور مستبد إلى الدفاع عن حق طبيعي لشعبٍ يقاتل قوة احتلال لبلده، مدعومة من رئيس عميل لها في الداخل، خصوصاً إذا أضفنا إلى هذا التدخل التصريحات الروسية عن الحرب المقدسة في سورية، فيما يشبه ما اعتاد العالم سماعه من زعماء دولة تنوي احتلال دول أخرى، أو خوض حرب ضدها.

لن نذكّر بمحاضرات النظام عن مساوئ التدخل الخارجي، ولا بقراءات سفير النظام السوري في الأمم المتحدة، بشار الجعفري، عن مخاطر دخول الغرباء إلى “بلاده”، لأن الجميع كانوا يعلمون أن الإيرانيين والمليشيا اللبنانية يحاربون على الأرض، منذ وقت طويل، لكن الحديث، هنا، عن روسيا وتصريحات زعمائها، التي لا تكل ولا تمل عن حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وعن انحيازهم، أي الزعماء الروس، المستدام لإرادة الشعب السوري، وحقه في اختيار رئيسه من دون تدخل من أحد.. وهنا، نستطيع التصفيق لصواريخ التاو التي تقصف خطاباتهم المزيفة، كما دباباتهم الثقيلة، من دون أن يحق لأحد الغمز واللمز عن المصدر المشبوه لهذه الصواريخ، بعد أن أصبح اللعب على المكشوف.

مرّ النظام ومعارضوه بمد وجزر أخلاقيين، خصوصاً فيما يتعلق بموضوع التدخل الخارجي. وعلى الرغم من اعترافنا جميعاً بقدسية فعل الثورة، فإننا لا ننكر أن الثوار، ومَن قاتل في صفهم، أو إلى جانبهم، ارتكبوا موبقاتٍ كثيرة، أضيفت إليها تلفيقات وإشاعات عن ممارسات ألصقت بهم، بقصد الإساءة، استساغ العالمُ تصديقها. لكن، بقي طلب بعضهم التدخل الخارجي عنواناً مهماً ساعد النظام على رسم صورة عن الثورة، وكأنها تمرد بضع موتورين، يعملون لصالح الخارج، أو بدعم منه، لتحقيق أهداف شخصية أو طائفية عن طريق قلب الحكم الممانع والمقاوم في سورية. واستُثمر وجود هذه القوى الظلامية التي تقاتل باسم الدين الإسلامي بشكل واسع في إعلام النظام، على أنه الشكل الوحيد المتوفر للمعارضة، ووصل الأمر إلى حد تنبيه الغرب وإسرائيل من خطورة هؤلاء الإسلاميين، في لعب مكشوف على مخاوف هذا الغرب من كل من يقول “لا إله إلا الله”، خصوصاً بعد أن تخلى لهم النظام عن مناطق حدودية واسعة مع تركيا والعراق، من دون قتال يذكر.. لتأتي روسيا فيما بعد، وتحارب هذا الشر المستطير، وتنقذ الغرب الخائف والنظام المهزوم في دمشق من الأخطار المحدقة به وبالعالم.

لكن، لا بد من أن يتنبه الروس، ويعودوا قليلاً بالذاكرة إلى السنوات الأخيرة من ثمانينيات القرن الماضي، أيام الانسحاب المذل من أفغانستان، ويتذكّروا أن هذا العالم ليس بالسذاجة التي يتوقعها ورثة الاتحاد السوفييتي، فما زالت عقول عسكرية خبيرة تستطيع أن تكشف، بسهولة، عن أن الروس عدو يحاول التمدد على حساب غيره، في هذه البقعة وبقاع أخرى من الكرة الأرضية. وهذا، بالتأكيد، ما جعلنا نرى أسلحة متطورة تسجل انتصارات مهمة على الأرض، ضد مدرعات روسيا الاتحادية وطائراتها الحديثة، انتصارات سبقت، وستلي، تصريحات وزير الدفاع الأميركي عن تزويد المعارضة بالأسلحة!.

التدخل الروسي في سوريا يقود المسيحيين إلى المقصلة/ باسل العودات

إن لم تضع روسيا حدّا لتدخلها الفوضوي المنحاز بعبثية للدكتاتورية فإنها لا شك ستقود المنطقة برمتها إلى حروب مذهبية دميمة بلا نهاية

كما توقع الكثير من المراقبين، لم تتأخر كثيرا عواقب التدخل العسكري الروسي في سوريا تحت شعار “محاربة الإرهاب” ومباركة هذا التدخل من قبل بطريرك الكنيسة الروسية ووصفه لهذا التدخل بـ”المعركة المقدسة” على المسيحيين السوريين. وكرد مباشر وسريع على المزاعم الروسية والتصريحات غير المسؤولة لبطريرك روسيا التي تتنافى مع جوهر العقيدة المسيحية الرافضة للقتل والحروب المقدسة، أعدم مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية ثلاثة مخطوفين آشوريين لدى التنظيم الإرهابي من أصل نحو 200 آشوري مازالوا في معتقلات تنظيم داعش بعد أن اختطفهم من القرى الآشورية على نهر الخابور في محافظة الحسكة عندما غزاها في فبراير الماضي.

عرض التنظيم مقطع فيديو يظهر فيه قيام مقاتلين مُلثّمين بإطلاق الرصاص على رؤوس ثلاثة شبان آشوريين مخطوفين لديه (عبد المسيح نويا وآشـور إبراهام وبسام ميشائيل)، كما ظهر ثلاثة آخرون يرتدون الزي البرتقالي المعد لتنفيذ الإعدامات عند تنظيم داعش ليوجهوا نداء استغاثة لإنقاذهم قبل فوات الأوان، ما يعني أن مصيرهم في خطر وينتظرون اقتيادهم إلى مقصلة التنظيم، ورجّح المرصد الآشوري لحقوق الإنسان أن يكون الإعدام قد تمّ تنفيذه خلال فترة عيد الأضحى الماضي.

دماء وأرواح مسيحية بريئة وقعت ضحية وثمن المزاعم الروسية حول تدخلهم في الحرب السورية لأجل حماية مسيحيي سوريا والمنطقة من إرهاب التنظيمات الإسلامية، وهذه الجريمة قوبلت بإدانات واسعة من قبل مختلف الأوساط الآشورية (سريانية/ كلدانية) والمسيحية، وكذلك لدى أوساط واسعة من المسلمين، كذلك زادت من الاستياء المسيحي على التدخل الروسي في الحرب السورية وعلى تصريحات بطريرك روسيا العبثية.

الناشط السياسي السوري سليمان يوسف الباحث في قضايا الأقليات، رأى في تصريح لـ”العرب” أن جميع أطراف وقوى الصراع في سوريا (المحلية والإقليمية والدولية) تتحمل بشكل أو بآخر مسؤولية خطف المسيحيين والمصير الدموي الذي وصلوا إليه، فالجميع برأيه “تخلوا عن آشوريي سوريا ولم يُحرّكوا ساكنا من أجل إطلاق سراح مختطفيهم الذين أصبحوا بالمئات في الحسكة والقريتين، وهذا لا يعني تبرير جرائم تنظيم الدولة الإسلامية بحق المسيحيين والمسلمين على حد سواء، سوريا كان أم عراقيا”.

وحمّل مسؤولية إضافية للمؤسسات والهيئات والمنظمات والأحزاب المسيحية (الآشورية والسريانية وغيرها) في سوريا ودول الشتات لأنها “لم تقم بواجبها كما يجب تجاه قضية المخطوفين، ولم تتحرك من أجل الإفراج عنهم، إن كان على الصعيد الدبلوماسي وحث قوى الصراع والقوى الدولية النافذة على التحرك للإفراج عنهم، أم على صعيد جمع المال اللازم دفعه كفدية لقاء الإفراج عنهم إذا ما كان هذا هو شرط الإفراج عنهم رغم شكوكي الشخصية بهذا الأمر”.

إلى ذلك قالت مصادر آشورية سورية من مدينة الحسكة لـ”العرب” إن تنظيم الدولة الإسلامية طلب فدية 10 مليون دولار مقابل إطلاق سراح المختطفين الآشوريين من قرى الخابور شمال سوريا، وأشارت إلى أن الكنيسة المحلية لم تستطع جمع المبلغ، فيما رفض كثيرون المساهمة بدفع الفدية خوفا من أن تصبح قاعدة وتساهم في زيادة عدد المختطفين المسيحيين في سوريا.

ويرى بعض المسيحيين السوريين أن إفراج داعش عن 21 رهينة آشورية بعد أسابيع قليلة من اختطافهم وإفراجه عن بعض المسنين دون مقابل، كانت رسالة إيجابية من التنظيم للآشوريين لكن المؤسسات والكنائس والأحزاب الآشورية لم تتلق الرسالة وراهنت فقط على عامل الزمن وتركت مصير المخطوفين للمجهول.

جميل ديار بكرلي، مدير المرصد الآشوري لحقوق الإنسان، قال لـ”العرب”: هذه الجريمة الأولى من نوعها بحق مختطفين مسيحيين في سوريا لدى تنظيم الدولة الإسلامية، ويجب أن لا ننسى أن لدى داعش بالإضافة إلى 185 مختطفا آشوريا مسيحيا من محافظة الحسكة، أكثر من مئة أسرة مسيحية مختطفة من بلدة القريتين المتاخمة للبادية السورية والتابعة لمحافظة حمص اختطفهم بعد سيطرته على البلدة في أغسطس الماضي. ويبقى لتنظيم الدولة الإسلامية حساباته السياسية وغير السياسية في طريقة تعاطيه مع المخطوفين لديه، لكن المؤكد أن فرص الإفراج عن المختطفين المسيحيين كان من الممكن أن تكون أكبر قبل التدخل الروسي في الحرب السورية وقبل التصريحات التي أطلقها بطريرك روسيا.

بعد التدخل الروسي وتداعياته من المؤكد أن قضية المخطوفين الآشوريين على يد داعش باتت أكثر تعقيدا وتشابكا مع الأزمة السورية، ويطالب السوريون الكنيسة الروسية بسحب تصريحات البطريرك وأن يُقدّم اعتذاره للسوريين، مسلمين ومسيحيين، وهو ما طالب به سليمان يوسف أيضا حيث قال “نطالب من بطريرك روسيا سحب تصريحاته والاعتذار عمّا قاله لأجل تسهيل عملية الإفراج عن الآشوريين المخطوفين لدى تنظيم الدولة، ورغم عدم معرفتنا إن كان التنظيم يقبل الوساطات أو الفدى المالية للإفراج عن المخطوفين، لكن ما نخشاه بعد بدء الهجمات الروسية أن يستخدم التنظيم المخطوفين كدروع بشرية يحتمي بهم من الضربات الروسية”.

التدخل الروسي العسكري و(الديني) في سوريا بدأ يجر الويلات على أكثر من صعيد، وأول الغيث قطرة، وإن لم تضع روسيا حدّا لتدخلها الفوضوي المنحاز بعبثية للدكتاتورية فإنها لا شك ستقود المنطقة برمتها إلى حروب مذهبية دميمة بلا نهاية.

روسيا المخادعة والمستنقع السوري/ حواس محمود ()

تحاول روسيا تغطية تدخلها العدواني السافر في سورية بأساليب استعمارية مخادعة، ولعل افضل مثال على ذلك افتتاح اكبر مسجد بموسكو، والذي تمت تسميته بمسجد موسكو؛ وتمت دعوة قادة عدة دول اسلامية وعربية منهم محمود عباس الرئيس الفلسطيني ورجب طيب إردوغان الرئيس التركي.

روسيا صاحبة مهلة الـ15 عشر يوماً للرئيس السوري لتنفيذ اصلاحات في بدء الثورة السورية ضد نظام بشار الاسد ومن ثم العودة عنها سريعاً، روسيا صاحبة الفيتوات الثلاثة ضد ارادة الشعب السوري عندما كانت الثورة السورية سلمية مئة بالمئة باعتراف رأس النظام المجرم بشار الاسد، روسيا مهندسة الصفقة الكيماوية لتسليم وتدمير السلاح الكيماوي السوري من قبل النظام السوري بعد ان ضرب الشعب السوري بها وضرب عرض الحائط بكل الكلام الفارغ الذي كان ينافق به أوباما على الشعب السوري والعالم من أن استعمال السلاح الكيماوي في سورية خط أحمر، روسيا التي قدمت السلاح المتطور من طائرات وصواريخ وبراميل جهنم المتفجرة للنظام لاستعماله ضد اطفال ونساء سوريا، روسيا التي تتلعثم وتخجل ولا تعترف بفشلها في سورية تقوم بادخال قواتها وجنودها الى الارض السورية وبخاصة مناطق الساحل، ولكنها تدعي انها تدافع عن الشعب السوري وتحارب داعش لأن داعش ارهابية ولكن ألا تشكل روسيا داعمة للارهاب الحكومي السوري الذي يحرق الاخضر واليابس، تدخل روسيا المستنقع السوري بكل قوتها وجبروتها، وهي تعلن الحرب على الشعب السوري، وتبدأ بقصف القوات المعارضة للنظام، وهذا اتضح جلياً مع بداية عملياتها العسكرية في سورية، وذلك في ظروف وأجواء دولية غامضة، اذ ان الموقف الأميركي غامض ومتناقض وغير حاسم تجاه هذا التدخل الروسي في سورية، كما أن التدخل يجري في ظل مشاورات روسية اسرائيلية وأميركية تشي بتحولات خطيرة جداً في سوريا ودول المنطقة.

إذ بات التقسيم مسألة أمر واقع، بقيام الروس بحماية النظام في مناطق تواجده أو ما يسمى بـ«سورية المفيدة« وهذا يشكل خطراً كبيراً داهماً، ويكشف الاطماع الاستعمارية الروسية في المنطقة، وكأن روسيا تنتقم لعدم تدخلها بليبيا وذلك على حساب الشعب السوري الذي تجمع العالم كله لمحاربته اينما كان وحيثما وجد.

ان ما يجري تعميم لنموذج الاقليات وفرضه على الأكثريات وهذا بحد ذاته لعب بالديموغرافية بالمنطقة العربية ويستتبع نتائج عمودية بالغة الحساسية والخطورة.

ومما يؤسف له حقاً ان الموقف العربي باهت وهش وخجول جداً، اذ كيف يقبل العرب انتهاك سيادة الشعب السوري والأرض السورية وهم يتفرجون؟! لا قمة طارئة للجامعة العربية تنعقد لتعلن رفضها للتدخل الروسي، ولا مظاهرات تنطلق بالشوارع العربية لتعلن التنديد بهذا التدخل العدواني السافر على الشعب السوري، ولا حتى الفعاليات العربية هي ليست بمستوى ما يحدث بالأرض السورية.

لم ينفع روسيا اختفاءها وراء بوابة الامم المتحدة والشرعية الدولية طيلة اربع سنوات ونصف اذ ان بنادق الثوار وآهات الاطفال قد اوصلتها الى ان تمرغ انفها في المستنقع السوري لتخرج أخيراً منه – وهذه حتمية تاريخية لا مناص منها – ملطخة بأوحالها الكبيرة جداً.

لتعلم روسيا جيداً ان «دخول الحمام ليس كالخروج منه«، كما يقول المثل الشامي، لذا عليها الاستعداد لصراع عنيف وطويل مهلك للقوات الروسية، ففي حياة الشعوب والحضارات وفي مسارات التاريخ لم ينتصر الاستعمار السافر على أي شعب من شعوب العالم.

كما أن ادعاء الروس انهم سيحاربون الارهاب ما هو إلا كذبة كبرى، لأن التدخل نفسه يشجع الارهاب ناهيك عن قيامها بقصف قوات المعارضة المعتدلة ولا يمكن حجب الشمس بغربال كما يقولون، ولن تتوقف آلة الارهاب طالما ان مسببه هو بشار الاسد ونظامه وطالما ان الروس قد ربطوا مصيرهم كدولة كبرى معه فإن الخسارة للاثنين قادمة ومبشرة.

مقالات لكتاب عرب وأجانب

الحرب الروسية في سوريا: الأسباب والمآلات

ليس ثمة شك في أن موسكو حققت نصرًا تكتيكيًّا في انخراطها المباشر والمفاجيء في سوريا، ولكن من المبكر، والمبكر جدًّا، الحكم على مآلات هذه الخطوة الروسية وأثرها على الأزمة السورية وعلى موقع روسيا ودورها في العالم.

تضافرت جملة من الدوافع، الاسترتيجية والآنية، على السواء، في جعل الانخراط الروسي المتزايد في الأزمة السورية أوسع بكثير من هدف محاربة تنظيم الدولة، الذي رفعته موسكو عنوانًا رئيسًا لعملياتها في سوريا عند انطلاق هذه العمليات.

بعد عدة أسابيع من بدء عملية نقل هادئة وبطيئة للعتاد والجنود إلى قاعدة حميميم السورية في منطقة اللاذقية، بدأت الطائرات الحربية الروسية في 30 سبتمبر/أيلول غاراتها في شمال وشمال البلاد الغربي. تقارير صحفية واستخباراتية، إضافة إلى شهود عيان، أكَّدت أن أغلب هذه الغارات استهدف مواقع المعارضة السورية المسلحة، وليس تنظيم الدولة الإسلامية كما أعلنت موسكو. ولم تستبعد مصادر روسية انخراط متطوعين روس، سيما أولئك الذين قاتلوا في شرق أوكرانيا، في القتال إلى جانب قوات النظام السوري.

بالرغم من أن روسيا ظلَّت منذ اندلاع الثورة السورية في 2020 المصدر الرئيس لتسليح نظام بشار الأسد، وأن خبراء روسيين تواجدوا طوال الوقت في سوريا، فليس ثمة شك في أن انخراط روسيا المباشر في القتال، حتى إن ظل على مستوى سلاح الجو، يعتبر تصعيدًا نوعيًّا في التدخل الروسي في الأزمة السورية. وقد أثار هذا التصعيد ردود فعل واسعة النطاق، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي. فلماذا اتخذت موسكو هذه الخطوة؟ وما هي الاحتمالات التي تواجه مثل هذا التدخل، والمخاطر التي قد يتركها على دائرة الصراع المحتدم على سوريا؟ ما هي الآليات التي تمتلكها الأطراف الإقليمية والدولية المختلفة، المؤيِّدة للثورة السورية، للرد على الخطوة الروسية؟ وإلى أي حدٍّ يمكن للتدخل الروسي المباشر في الأزمة السورية التأثير على ميزان القوى بين النظام ومعارضيه؟

يجب عدم النظر إلى هذا التصعيد في الانخراط الروسي في الأزمة السورية باعتباره خطوة متعجلة وغير مفكَّر فيها. هذا قرار دُرِس بعناية في موسكو، وربما بدأ العمل عليه منذ مايو/أيار الماضي على الأقل، وبالتفاهم مع إيران، الحليف الرئيس الآخر لنظام بشار الأسد. ولذا، فلابد أن يُنظر إلى الدوافع الروسية خلف هذه الخطوة من زاويتين، زاوية تفصيلية، تتعلق بتطورات الصراع على سوريا، وزاوية استراتيجية تتعلق بتصور روسيا لدورها وموقعها في الساحة الدولية.

من جهة الدوافع التفصيلية لمجريات الصراع، اتخذت موسكو قرار الانخراط المباشر في سوريا مدفوعة بلا شك بالانهيارات المتسارعة في الوضع العسكري لنظام الأسد، التي أصبحت أكثر وضوحًا منذ بداية هذا العام (2020). فرض الثوار السوريون تراجعات ملموسة على النظام في الجبهتين الجنوبية والشمالية على السواء، بينما استمرت تراجعات القوات السورية أمام تنظيم الدولة الإسلامية في شرق البلاد. أصبح الثوار في الجنوب على حدود محافظة السويداء المضطربة، بينما دخلت مجموعات مسلحة من الثوار بالفعل إلى مشارف ريف اللاذقية في الشمال، بعد أن حرَّرت كل محافظة إدلب وجزءًا كبيرًا من محافظة حلب، وأحرزت تقدمًا ملموسًا في ريفي حمص وحماة. وبدا واضحًا، بالرغم من الدعم البشري الذي يوفره حزب الله وميليشيات شيعية أخرى، والمساندة العسكرية النوعية التي يقدمها مستشارون عسكريون إيرانيون، أن النظام لم يعد قادرًا على الحفاظ على خطوط دفاعه، وأن كلًّا من محيط دمشق الريفي وشمال المنطقة العلوية الساحلية بات مهددًا.

مشكلة النظام العسكرية الرئيسية على الأرجح لا تتعلق بالمعدات والذخائر، بل بعجزه المتزايد عن توفير العنصر البشري المدرَّب جيدًا لرفد قواته المسلحة، المنهكة والمتآكلة. كما أن الخبرات القتالية المتراكمة لمجموعات الثوار السوريين والدعم التسليحي الجيد نسبيًّا، الذي وصلهم خلال هذا العام، جعلها أكثر قدرة على مواجهة تفوق النظام المطلق في الجو، بحيث انحصرت نتائج هذا التفوق في المجازر التي تُوقِعها طائرات النظام في صفوف المدنيين أكثر من أثرها الفعَّال في جبهات القتال.

بيد أن التدخل الروسي لم يأتِ لمجرد انقاذ النظام من التراجعات المستمرة والمخاطر التي باتت تهدد وجوده وحسب، بل ضمن إطار وحسابات استراتيجية روسية أوسع أيضًا. فمنذ الأزمة الجورجية في 2008، على الأقل، وبعد أن استطاع بوتين إعادة التماسك السياسي والاقتصادي للدولة الروسية، اعتبرت موسكو أن من حقها أن تكون شريكًا، ولو ثانيًا، في القرار الدولي. في المقابل، لم تقم الولايات المتحدة، لا في سنوات إدارة بوش الابن الأخيرة، ولا طوال السنوات السبع الماضية من إدارة أوباما، بالاعتراف لروسيا بمثل هذا الدور. وسواء فيما يتعلق بنشر الدرع الصاروخية المضادة للصواريخ في أوروبا، أو في الأزمة الأوكرانية، بدا أن الغرب يزحف بلا هوادة إلى الحدود الروسية، بدون اكتراث يُذكر باحتجاجات موسكو. وما إن أقدمت روسيا على ضم القرم وتشجيع المقاطعات الأوكرانية الشرقية على التمرد، بعد الإطاحة بالنظام الموالي لروسيا في كييف، حتى فرضت الولايات المتحدة والدول الأوروبية الرئيسية عقوبات اقتصادية ومالية على روسيا كأنها ليست أكثر من دولة مارقة على النظام الدولي. ولا يخفى أن العقوبات الغربية، التي جاءت في فترة تراجع حادٍّ في أسعار النفط، تركت أثرًا بالغًا على الاقتصاد والمالية العامة الروسية.

بهذا المعنى وفَّرت الأزمة السورية فرصة لتوكيد دور روسيا على المستوى الدولي، في مواجهة تجاهل واستخفاف غربيين، وردًّا على ما تراه موسكو حصارًا غربيًّا استراتيجيًّا واقتصاديًّا. وحتى من الناحية الاستراتيجية المجردة، وبغضِّ النظر عن العلاقات الروسية-الغربية المتوترة، تحتفظ موسكو بقاعدة بحرية عسكرية في طرطوس، هي القاعدة الوحيدة للروس في حوض المتوسط، ومركز تنصت تجسسي رئيسي في جبال اللاذقية، هو الوحيد في الشرق الأوسط. وتعتقد موسكو أن انهيار النظام في دمشق، أو الإطاحة به في صفقة سياسية لا دور لروسيا فيها، سيؤدي بالضرورة إلى خسارة قاعدة طرطوس البحرية ومركز التنصت في اللاذقية.

إضافة إلى ذلك، تنظر موسكو إلى سوريا ضمن إطار أوسع من الصراع الأيديولوجي على مستقبل العالم. وربما توفر الكلمة التي ألقاها بوتين في الجمعية العامة يوم 28 سبتمبر/أيلول 2020 نافذة على وجهة النظر الروسية هذه. في كلمته، وجَّه بوتين نقدًا حادًّا ولاذعًا للولايات المتحدة، والقوى الغربية بصورة عامة، لإصرارها على نشر نموذجها الديمقراطي عبر العالم، وما تسبب به هذا التوجه الغربي من عدم استقرار وتصاعد للإرهاب، مشيرًا بصورة خاصة إلى العراق وليبيا، ومستبطنًا بلا شك أوكرانيا. ولم يتردد بوتين في تشبيه هذا التوجه بالسياسات الأيديولوجية العقيمة التي اتبعها الاتحاد السوفيتي. يؤمن بوتين، كما ظهر واضحًا في روسيا ذاتها منذ تولَّى قيادتها، إيمانًا مطلقًا بأن الاستقرار والأمن يرتبطان بقوة الدولة وبقائها، وأن الإطاحة بالدولة، مهما كانت النوايا خيِّرة، لن تؤدي إلا إلى فقدان الاستقرار والفوضى وسفك الدماء.

وبعد أن فرض الغرب على روسيا تراجعات كبرى في هذا المجال، منذ انهيار الكتلة الشرقية إلى انهيار النظام الموالي لموسكو في أوكرانيا، يجد بوتين في الأزمة السورية فرصة للوقوف أمام الاندفاعة الغربية الديمقراطية. ولا يتعلق قلق روسيا اليوم بمستقبل سوريا وحسب، بل وأن تستمر الاندفاعة الغربية الديمقراطية بلا رادع نحو وسط آسيا، التي لا تقل ديكتاتورياتها عن نظام الأسد.

طبيعة التصعيد الروسي وأهدافه

جملة هذه الدوافع، الاسترتيجية والآنية، على السواء، هي ما يجعل الانخراط الروسي المتزايد في الأزمة السورية أوسع بكثير من هدف محاربة تنظيم الدولة، الذي رفعته موسكو عنوانًا رئيسًا لعملياتها في سوريا عند انطلاق هذه العمليات.

خلال الأسبوع الأول من العمليات، ارتفع معدل الغارات الروسية من حوالي العشرين إلى أكثر من ستين غارة جوية في اليوم، تركزت أغلبيتها العظمى على مواقع الثوار السوريين من كافة المجموعات، في مناطق ريف اللاذقية وحماة وحمص وحلب، ومدينة حلب ذاتها. وربما لم تزد الغارات على مواقع تنظيم الدولة على 5 بالمئة فقط من مجموع الغارات الجوية. مثل هذا المعدل للغارات لا يمكن استمراره بدون توفر أقل من ثمانين طائرة؛ بل إن هناك تقارير تُقدِّر عدد الطائرات الروسية في قاعدة اللاذقية بأكثر من هذا، بما في ذلك طائرات سوخوي وميغ حديثة، لم تبعها روسيا بعدُ لأية دولة أخرى. كما نقل الروس إلى قاعدة اللاذقية وجوارها عشرات من الدبابات الحديثة، بما في ذلك ت 90، الأحدث في الترسانة المدرعة الروسية. ولكن الأهم، أن التواجد الروسي يضم أيضًا بطاريات مضادة للطائرات، وطائرات اعتراضية. وبالنظر إلى أن الثوار السوريين لا يتمتعون بأي تواجد جوي، فالواضح أن الهدف من مضادات الطائرات والطائرات الاعتراضية ردع القوى الإقليمية والدولية المؤيدة للثوار السوريين.

أكَّد المسؤولون الروس، كما تضمن قرار البرلمان الروسي الذي وفَّر الغطاء التشريعي للعمليات في سوريا، على أن التدخل الروسي العسكري سيقتصر على سلاح الجو ولا يتضمن دعمًا بريًّا لقوات النظام. وكانت النيويورك تايمز نشرت في 6 أكتوبر/تشرين الأول، تصريحًا لرئيس لجنة القوات المسلحة في البرلمان الروسي، لم يستبعد فيه وفود متطوعين روس على سوريا، من عسكريين سابقين، مثل المتطوعين الذين نشطوا في المقاطعات الأوكرانية الشرقية. ولكن هذا التصريح، حتى إن تحوَّل إلى واقع ملموس، لا يعني أن روسيا ستُلقي بثقل عسكري بري في سوريا. على الأقل هذا ما يبدو عليه الوضع في الأسبوع الأول من العمليات. وبالنظر إلى الذاكرة الروسية في أفغانستان، وإلى أن ميزان القوى في سوريا أكثر اختلالًا لصالح الثوار مما كان عليه الوضع في أفغانستان 1979، فإن أية خطوة للتدخل البري لن تجد دعمًا من الرأي العام الروسي.

على أن الحروب -كما هو معروف- ليست شأنًا عقلانيًّا بحتًا، يمكن حسابه دائمًا بدقة مسبقة. ولذا، فإن أخفقت العمليات الجوية الروسية في إيقاع تغيير إيجابي ملموس لمصلحة النظام، فلا يمكن استبعاد اتساع نطاق التورط الروسي كلية.

عمومًا، سيعتمد مدى وزمن العمليات الروسية في سوريا على حقيقة الهدف من الانخراط الروسي المباشر في الأزمة. إذ ليس من الواضح بعد ما إن كان هدف موسكو الحفاظ على النظام وسيطرته، وتأمين هذه السيطرة، ضمن دائرة وجود النظام الحالية في محيط دمشق والساحل العلوي وحمص وحماة؛ أو أن الهدف مساعدة النظام على استرداد سيادته الكاملة على كافة الأراضي السورية؛ أو حتى إيجاد مناخ وميزان قوى مُواتٍ لحل سياسي. كما أن اتضاح حقيقة الهدف الروسي من العمليات، هذا إن قامت موسكو بالإفصاح عن هذا الهدف فعلًا، سيحدد أيضًا طبيعة ردِّ فعل القوى الإقليمية والدولية المؤيدة للثورة السورية، التي أعربت عن معارضتها للتدخل الروسي.

الآثار الإقليمية والدولية للتصعيد الروسي

الواضح، بالرغم من أن عملية نقل المعدات والجنود والاستعدادات العسكرية جرت تحت نظر أقمار الرقابة الأميركية، أن الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى، كما القوى الإقليمية المؤيدة للثورة السورية، مثل تركيا والسعودية وقطر، فوجئت بحجم التواجد الروسي العسكري في قاعدة اللاذقية ونوعيته، كما في الانطلاقة السريعة للعمليات الجوية، مباشرة بعد اكتمال الاستعدادات العسكرية الضرورية، وانعكست هذه المفاجأة بالضرورة على ردود الفعل الإقليمية والدولية المختلفة.

من الجهة القانونية الدولية، تمتَّع التدخل الروسي بغطاء قانوني، تمثَّل في طلب دمشق الرسمي من موسكو المساندة العسكرية، سيما أن نظام دمشق لم يزل معتَرَفًا به دوليًّا وهو الممثِّل لسوريا في المنظمات الدولية. الغطاء القانوني لا يعني بالطبع غطاءً أخلاقيًّا؛ ولكن بوتين لم يُظهر، لا في سوريا ولا في غيرها من الأزمات، أي اكتراث جاد بالغطاء الأخلاقي، على أية حال. وسارع الروس من بدء العمليات، عبر اختراقين متتاليين للأجواء التركية، بإرسال رسالة ضمنية للقوى الإقليمية وحلف الناتو، على السواء، بعزمهم الإقدام على المزيد من التصعيد إن تطلب الأمر.

جاءت ردود الفعل الدولية والإقليمية خلال الأسبوع الأول من العمليات الروسية مرتبكة ولم ترتقِ إلى مستوى التحدي. كل الدول الغربية تقريبًا، إضافة إلى تركيا وقطر والسعودية، أبدت دهشتها من الانخراط الروسي العسكري المباشر في سوريا، ومعارضتها له؛ وأعرب جميعها عن شجبه لاستهداف مجموعات الثوار السوريين من غير تنظيم الدولة، إضافة إلى الخسائر الفادحة في صفوف المدنيين السوريين جرَّاء الغارات الجوية الروسية. وفي 2 أكتوبر/تشرين الأول، أصدرت سبع دول (الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وتركيا، والسعودية، وقطر) بيانًا مشتركًا ضد التدخل الروسي. في اليوم نفسه، صدر عن الرئيس الأميركي، باراك أوباما، تصريح ذو جانبين؛ فمن جهة أكَّد على أن واشنطن لن تلجأ إلى استخدام سوريا ساحة حرب بالوكالة مع روسيا، ومن جهة أخرى قال: إن سوريا ستتحول إلى مستنقع للروس.

ولكن، ومهما كانت طبيعة التصريحات، فإن المواقف الغربية والإقليمية لم ترتقِ بعد إلى مستوى الرد الملموس على الخطوة الروسية. الاتفاق الأميركي-الروسي حول التنسيق العسكري في أجواء سوريا، بهدف تجنُّب وقوع اشتباك بين الطائرات الروسية وطائرات الدول المتحالفة ضد تنظيم الدولة، قد لا يمثِّل نهاية الطريق للموقفين الأميركي والإقليمي. وتبدو احتمالات الاحتكاك في سماء، باتت مزدحمة بالطائرات، وكأنها ليست أكثر من جانب صغير وهامشي لعواقب الخطوة الروسية في سوريا.

والحقيقة، أن الولايات المتحدة ومنذ بداية الأزمة، لم تُبدِ اكتراثًا جادًّا بمصير سوريا، وقاومت ضغوط حلفائها في الجوار السوري لمزيد من التدخل. ولكن الانخراط الروسي العسكري المباشر يرفع من مستوى الرهانات، وقد يجعل من سوريا بؤرة تحد روسي لدعوة واشنطن وحلفائها الإقليميين إلى حلٍّ في سوريا لا يشمل بشار الأسد. وبالنظر إلى أن الأزمة السورية هي الآن في منتصف سنتها الخامسة، فإن أسبوعًا واحدًا من العلميات الروسية واضطراب ردود الفعل الغربية والإقليمية ليس سوى زمن قصير جدًّا للحكم على مآلات الأحداث. ففي حال قررت الولايات المتحدة وتركيا والسعودية وقطر خوض مواجهة مع الروس في سوريا، فليس ثمة شك أن باستطاعتها إفشال بوتين أو جرَّه إلى معركة استنزاف طويلة.

مثل هذه المواجهة يمكن أن تُنجَز على مستويين:

الأول: يتمثَّل في توفير دعم عسكري متزايد ومستمر لمجموعات الثوار على مستوى السلاح التقليدي، الذي أتاهم طوال العامين الماضيين. وربما كانت المعركة الناجحة التي خاضها الثوار في ريف حماة صباح يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، وأوقعت خسائر فادحة في قوات النظام المهاجمة، مثالًا على ما يعنيه توفر مضادات الدبابات والرشاشات الثقيلة لمجموعات الثوار. فبالرغم من المساندة الجوية الروسية طوال المعركة، فشلت قوات النظام في تحقيق أي تقدم وسرعان ما أُجبرت على التراجع.

أمَّا المستوى الثاني، فيتعلق بتقديم صواريخ مضادة للطائرات للثوار السوريين من قبل الدول الداعمة، تهدد فعالية سلاح الجو الروسي، وتدفع الصراع إلى مستويات عالية وغير مسبوقة. ولابد من التذكر دائمًا أن تورطًا روسيًّا واسعًا وطويلًا في سوريا سيشكِّل عبئًا معنويًّا واقتصاديًّا هائلًا على رئاسة بوتين، المثقلة بالأعباء أصلًا.

هذا لا يعني بالطبع أن التصعيد في التدخل الروسي في سوريا لم يجد مؤيدين؛ فإلى جانب التأييد المتوقَّع من إيران وحزب الله، والتأييد الخفي من العراق، أبدت القاهرة تأييدًا خجولًا للخطوة الروسية، ولوحظ غياب الإمارات والأردن عن بيان الدول السبع المندِّد بالتدخل الروسي، بالرغم من أن الإمارات والأردن عضوتان في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة. كما لوحظ أن الجامعة العربية أحجمت عن عقد اجتماع لمناقشة الخطوة الروسية، حتى بعد أن تكرر طلب التحالف الوطني السوري المعارض عقد مثل هذا الاجتماع؛ مما يعني أن الخلافات العربية حول تطورات الأزمة السورية تتجاوز مواقف الأردن والإمارات والعراق ومصر.

الموقف الإسرائيلي ليس بعيدًا عن تأييد الخطوة الروسية. يُقدِّر الإسرائيليون التزام نظام الأسد التاريخي بالحفاظ على هدوء جبهة الجولان منذ نهاية حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973. وبالرغم من أن دمشق شكَّلت إزعاجًا ملموسًا للإسرائيليين لبعض الوقت، في مرحلة دعم مقاومة حزب الله وقوى المقاومة الفلسطينية، يعتقد الإسرائيليون أن النظام قد ضعف إلى درجة كبيرة، تمنعه من أن يعود للعب مثل هذا الدور في المدى المتوسط. ولذا، فإن بقاء النظام من وجهة نظر الإسرائيليين أفضل بكثير من تحول سوريا إلى ساحة لنشاطات مجموعات إسلامية وغير إسلامية مسلحة، لا تكترث كثيرًا بالتزامات الدول. وليس ثمة شك في أن الانطباعات التي تركتها زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لموسكو، والسرعة التي تم بها عقد لقاء التنسيق العسكري بين الجنرالات الإسرائيليين والروس، وتوكيد بوتين في خطاب الجمعية العامة على مصالح الدولة العبرية في سوريا، تشير جميعًا إلى توافق روسي-إسرائيلي حول الدور الذي باتت موسكو تلعبه في الأزمة السورية.

آفاق الأزمة السورية بعد التدخل الروسي المباشر

ليس ثمة شك أن موسكو حققت نصرًا تكتيكيًّا بانخراطها المباشر والمفاجئ في سوريا، ولكن من المبكر، والمبكر جدًّا، الحكم على مآلات هذه الخطوة الروسية وأثرها على الأزمة السورية وعلى موقع روسيا ودورها في العالم.

إن نجحت روسيا في تغيير موازين القوة في سوريا وأجبرت الدول المؤيدة للثورة السورية على التفاوض على حلٍّ سياسي أقرب إلى وجهة النظر الروسية والإيرانية، فسيكون لهذه الخطوة أثر ملموس على تغيير طبيعة التعامل الأميركي والغربي مع روسيا، ليس في الشرق الأوسط وحسب، بل وفي أزمات أخرى في العالم. ولكن النجاح الروسي يتطلب جملة واسعة من الشروط، ليس أقلها تسليم واشنطن وأنقرة والرياض بأن لروسيا الحق في التدخل في سوريا وبالطريقة التي تراها مناسبة. ما تراه الولايات المتحدة أمامها، حتى مع كون روسيا قوة نووية كبرى، أن روسيا دولة في وضع اقتصادي بالغ السوء، بإمكانات تكنولوجية من الدرجة الثانية، تعاني من تناقص مستمر في تعدادها السكاني. وستحتاج روسيا إلى الكثير قبل أن تُقِرَّ لها واشنطن بدور الشريك في النظام الدولي.

بصورة عامة، وعلى المستوى المباشر للأزمة السورية، ثمة احتمالان رئيسيان لمآلات الانخراط الروسي العسكري في سوريا:

الأول: أن تساعد هذه الخطوة على الإسراع في مسار الحل السياسي. بمعنى أن تصل أطراف الأزمة الدولية والإقليمية إلى قناعة بأن قواعد اللعبة في سوريا قد تغيرت وأن اللجوء إلى مواجهة التدخل الروسي بتصعيد الدعم للثوار السوريين لن يأتي بنتيجة وسيزيد من معاناة الشعب السوري ومن معدلات اللجوء من سوريا إلى دول الجوار وأوروبا. ومن جهة أخرى، يمكن أن يتطور الموقف الروسي نحو التخلي عن هدف استمرار بشار الأسد في الحكم، سيما إنْ رأى الروس أن وجودهم العسكري الملموس سيضمن استمرار وتماسك ما تبقى من مؤسسات الدولة السورية والإتيان بقيادة بديلة لمجموعة الأسد، تحافظ على العلاقات مع موسكو والمصالح الروسية في سوريا. في هاتين الحالتين، يُتوقَّع أن تنعقد مجموعة الاتصال حول سوريا قريبًا، وربما تصبح قناة التوصل إلى حلٍّ توافقي للأزمة.

الاحتمال الثاني: أن تصب الخطوة الروسية في اتجاه المزيد من تعقيد الأزمة، وتصاعد حدَّة الصراع؛ سيما إنْ قررت الدول الداعمة للثورة السورية، أو حتى بعض هذه الدول أن زمن الحل السياسي لم يأتِ بعد وأن من الضروري إفشال التدخل الروسي-الإيراني قبل التفكير في طبيعة الحل الممكن للأزمة. في هذه الحالة، سترتفع حدَّة الصراع إلى مستويات جديدة، وتصبح سوريا عرضة لمزيد من الدمار والخسائر البشرية، ويشهد الجوار السوري موجات لجوء سوري جديدة وكبيرة. ولكن ثمة ما هو أكثر فداحة وأخطر؛ إذ ليس من المستبعد أن تتسع ساحة الصراع لتشمل العراق أيضًا، وأن تزداد احتمالات الصدام الروسي-التركي. ومن المؤكد أن تتزايد معدلات تدفق المقاتلين الإسلاميين من غير السوريين على سوريا، وأن تستطيع جماعات مثل تنظيم الدولة وجبهة النصرة تعزيز قوتها ونفوذها.

ومهما كان الاتجاه الذي ستتخذه الأزمة فمن الواضح أن مشروع إقامة منطقة آمنة في الشمال السوري، الذي تبنَّته تركيا بأكثر من صيغة في الشهور القليلة الماضية، أصبح غير ممكن عمليًّا بدون صدام مسلح مع الطيران الروسي. في المقابل، على المستوى الميداني، ومهما بلغ عدد الغارات الجوية يوميًّا، من المستبعد أن تحقق العمليات الروسية انقلابًا سريعًا في ميزان القوى. فالحقيقة، أن النظام حافظ على تفوق دائم في الجو، منذ بداية النزاع المسلح في سوريا، بدون أن يستطيع توظيف هذا التفوق في إيقاع الهزيمة بمجموعات الثوار. بدون تواجد عسكري فعَّال على الأرض، لن يستطيع الطيران الروسي سوى الحفاظ على مواقع النظام الحالية ومنع المزيد من تقدم جماعات المعارضة السورية.

على مستوى الرأي العام، تحولت روسيا بتدخلها المباشر في سوريا إلى هدف لكراهية القطاع الأكبر من الشعوب العربية والإسلامية، وباتت تُرى اليوم من عموم العرب والمسلمين، وبصورة تفوق حتى حقبة الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، باعتبارها قوة إمبريالية، تقف ضد خيارات الشعوب وإرادتها. وسواء كان لمشاعر الكراهية هذه انعكاسات ملموسة على أرض الواقع أم لا، فقد يمر زمن طويل قبل أن تستطيع موسكو محو هذه الصورة السلبية.

الأثر الأخطر للخطوة الروسية، والذي لا يبدو أن إدارة بوتين تحسَّبت لتداعياته، أن الدعم السافر الذي قدمته الكنيسة الأرثوذكسية للرئيس الروسي وسياسته، وما صدر عن الكنيسة من توصيف الحرب في سوريا باعتبارها حربًا مقدسة، يهدِّد بزرع الكراهية والانقسام في صفوف عرب المشرق. الأكثرية العربية المسيحية، كما هو معروف، تنتمي للكنيسة الأرثوذكسية، وبالرغم من حوادث احتكاك وتوتر نادرة بين العرب المسلمين ومواطنيهم الأرثوذكس، فإن علاقات التعايش والمواطنة بين الطرفين ظلَّت عميقة ومتماسكة. اليوم، وفي حال تعقد الصراع وتكرر دعم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لحرب بوتين في سوريا، فإن العلاقات الإسلامية-الأرثوذكسية ستتعرض لمحنة كبيرة.

مثَّل التدخل الروسي المباشر في سوريا نجاحًا تكتيكيًّا، لكنه يواجه عقبات كبيرة، تحول دون تحويله إلى نجاح استراتيجي، بل قد تجعله حرب استنزاف تقضي على النتيجة السياسية المتوخاة.

مركز الجزيرة للدراسات

هل ينجح نموذج بوتين حيث فشل الآخرون؟/ جورج سمعان

الرئيس فلاديمير بوتين استعجل تحريك ديبلوماسيته مثلما استعجل في زج قواته في الحرب السورية. لا يريد لانخراطه الميداني أن يطول ويضيع في متاهات ومواجهات بدأت تلوح في الأفق. لن يترك لخصومه فرصة إعادة رسم خططهم وسياساتهم. يريد فرض واقع يتيح له فرض التسوية التي تناسب مصالحه أولاً وأخيراً. يريد توسيع انتشاره في المنطقة، ما دام عاجزاً عن إقناع خصومه الغربيين بهضم ما انتزع وينتزع من أوكرانيا. أرهقته العقوبات وتدني أسعار النفط ومتاعب اقتصاده وتراجع الروبل. ولا سبيل لامتصاص أي نقمة في الداخل سوى اللجوء إلى الفضاء القريب والبعيد تحت شعار استعادة مجد الإمبراطورية. لكن هذه السياسة قد لا تنجح. ولن يستطيع مساعد وزير خارجيته ميخائيل بوغدانوف إقناع أطياف المعارضة، خصوصاً المسلحة بمشروعه للتسوية. إلحاق خلل فادح في ميزان القوى وتغليب كفة النظام لا ينتج تسوية. وتركيز حربه على الجبهات الساخنة مع خصوم النظام لن تقنع هؤلاء بوجوب التسليم، بل إن توجه الأطراف الخارجية إلى تعزيز قدرات هؤلاء عتاداً وأسلحة فعالة سيدفعهم إلى مزيد من التشدد.

تحريك موسكو عجلة الديبلوماسية مواكبة لحملتها العسكرية هدفه تقليص أمد انخراطها في الحرب، وفرض أجندتها وأولوياتها في التسوية، والتي تتجاوز حدود سورية إلى ما بعد أوكرانيا. كان هذا واضحاً بعد اللقاءات التي عقدها الزعيم الروسي مع نظرائه الغربيين. مشكلته أن هؤلاء، خصوصاً الأميركي، لم يُبدوا أي استعداد للمقايضة بين أزمة وأخرى. علماً أن سكوتهم عن مواجهته في السابق، في جورجيا ثم في أوكرانيا، دفعه إلى إعادة الانتشار فوق ما كان يعد للاتحاد السوفياتي وقبله للقيصرية. لم تأت القوات الروسية للحفاظ على النظام في دمشق أو لمواجهة «داعش» فحسب، أتت للحفاظ على مصالحها وحماية النظام في موسكو. «الدولة الإسلامية» قامت قبل نحو سنة ونصف السنة، وتعرض النظام في سورية لتهديدات كبيرة في السنوات الأربع الماضية، لكن الكرملين لم يتحرك. وعودة بالذاكرة إلى بداية الأزمة تلقي الضوء على ما يجري هذه الأيام: الرئيس ديمتري مدفيدف في نهاية عام 2020، دعا نظيره السوري إلى تطبيق إصلاحات أو التنحي. وكان حذره قبل ذلك من «مصير محزن» ما لم يستمع إلى مطالب المعارضين. وكان رئيس وزرائه يومذاك فلاديمير بوتين سبقه إلى أن بلاده «ليست لها مصالح واستثمارات في سورية للدفاع عنها»!

ولكن، على رغم ذلك لم تتخلَّ موسكو عن الـ «فيتو» في مجلس الأمن في أي قرار يخص دمشق. لا تريد خسارة هذا البلد، وخسارة صفقات السلاح معه ومع غيره في المنطقة كلها. وتريد تحويل موطئ قدم أسطولها في طرطوس قاعدة عسكرية كبيرة في المتوسط وشرقه. تريد العودة إلى ماضيها في مصر والعراق وغيرهما. ولا ترغب في تكرار التجربة الليبية، حيث وجدت نفسها خارج ما يرسم لمستقبل هذا البلد. عارضت بشدة ولا تزال أي محاولة لتغيير أي نظام لا تروق سياسته للغرب، على حد زعمها. لكنها تدرك جيداً أن ليبيا لم تكن درساً لها وحدها. شكلت درساً لواشنطن أيضاً بعد درس العراق. والواقع أن ما تريده العاصمتان هو ألا يتكرر في سورية ما حصل في هذين البلدين. كما أن تأكيد الرئيس باراك أوباما استعداده للتعاون مع نظيره بوتين اعتراف صريح بأن بلاده عاجزة وحدها عن فرض الاستقرار والأمن في الشرق الأوسط. ومنع المنطقة من الانزلاق إلى مزيد من الانهيارات والتفكك. ولو كانت قادرة على التحرك وحيدة في شرق تنهشه الحروب الأهلية والمذهبية والعرقية، لما نادت قوى أخرى إلى المساعدة. والذين ينتظرون منجزات نوعية لتدخل روسيا اليوم، يجب ألا يغيب عن بالهم أن القوة مهما عظمت لا يمكنها فرض التسويات من خارج. هذا ما حصل للقوة الأميركية الضاربة في أرض الرافدين. وهذا ما حصل لقوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان أيضاً. لم تستطع كل هذه القوى فرض نظام سياسي في بغداد تجمع عليه كل المكونات، بل واجهت جيوش الغرب حروباً ومقاومات متعددة. ولا تزال قوى كثيرة ترفض حتى اليوم تدخلهم الميداني. تستنجد بغداد بالأميركيين لغطاء جوي هنا وهناك. وتلومهم على عجزهم وعجز تحالفهم الدولي الواسع في احتواء «الدولة الإسلامية» والقضاء عليها. كأن الجيوش الأميركية قوات مرتزقة لوقت الحاجة!

ما دفع الرئيس بوتين على مغامراته العسكرية، حماية نظامه في الداخل ومصالح بلاده في الخارج. وساعده انكفاء خصمه، إذ كان واضحاً أن الرئيس أوباما منذ وصوله إلى البيت الأبيض ظل أسير شعاراته والتزاماته لإعادة الجنود الأميركيين إلى بلادهم، وتصفية «الحروب الاستباقية». وأنه لن يجازف في خوض حروب جديدة. وهو إلى اليوم لا يريد الانجرار إلى بؤر التوتر في المنطقة. والذين يصفونه بالتردد وغياب الرؤية والحزم والمجازفة بسمعة أميركا يعرفون أنه لم يحد عن سياسته المرسومة منذ اليوم الأول. استراتيجيته هي دعوة أهل الإقليم إلى تسوية مشاكلهم بأنفسهم. ولا شك في أن الاتفاق النووي مع إيران طوى صفحة توتر دائم مع طهران. لكن هذا الاتفاق لم يصرفه إلى الاهتمام بقضايا أخرى نحّاها جانباً طوال فترة المفاوضات بين الجمهورية الإسلامية والدول الست الكبرى على برنامجها النووي. لم يتحرك لضبط التوازن بين هذه الجمهورية والقوى الأخرى، خصوصاً العربية. لم يفعل ذلك حتى عندما فرضت طهران حليفها نوري المالكي رئيساً لولاية ثانية عام 2020. ولم يتحرك لتصويب سياسة حكومة زعيم «دولة القانون» التي انتهت بقيام «دولة أبي بكر البغدادي». ولم يتحرك لوقف تمدد الحوثيين في اليمن. ولم يلجأ إلى دعم فصائل المعارضة السورية بمواجهة الدعم الإيراني والروسي للنظام. ترك للقوى الإقليمية أن تصحح بنفسها ميزان القوى على الأرض، لإيمانه بأن مثل هذا الأمر يعفيه من الانخراط الميداني المباشر لتصحيح الخلل.

وأمام عجز الأطراف الإقليميين المتصارعين، عرباً وإيرانيين وأتراكاً، عن التفاهم على الحد الأدنى وادارة أزمات المنطقة وتسويته، دفعهم إلى الاستنجاد بالقوى الكبرى. وهو ما أتاح لروسيا أن تتدخل بقوة لملء الفراغ أولاً. وسعياً إلى فرض توازنات جديدة على الأرض تسمح لها برسم التسويات بما يرسخ مصالحها. لكن الحرب التي تخوضها في سورية لا تنبئ بأن كسر التوازن لمصلحة النظام يمكن أن ينتج حلاً سياسياً للأزمة. ذلك أن عمليات قواتها لا تستهدف «داعش» بقدر ما تستهدف الفصائل المعارضة التي يفترض أنها معنية بالتسوية، وبالحركة الديبلوماسية التي يقودها بوغدانوف. وإذا قيض للتدخل العسكري الروسي أن يغلب كفة دمشق في الميدان، فإن تسويق موسكو فكرة الحكومة الوطنية الجامعة قد لا يلقى قبول معظم أطياف المعارضة… وحتى النظام أيضاً. على رغم أنها مهّدت لديبلوماسيتها برسائل إلى جميع المعنيين بالأزمة: فرضت حل ميليشيات «الدفاع الوطني» التي رأى إليها كثيرون في الداخل والخارج الذراع الرئيسية لإيران، والبديل المقبل من المؤسسة العسكرية. ونشطت في إعادة تأهيل القوات النظامية. أراحت جموع أهل الساحل وطمأنتهم إلى المستقبل والمصير. سيتضاءل تعلقهم بالرئيس بشار الأسد الذي ولّد تسليمه القياد لـ «الحرس الثوري» وحلفائه في إدارة البلاد والعباد بعد المعارك، استياء وغضباً. ستتراجع هيبته أكثر عندما يُلزمه الحل بالتنازل عن صلاحياته الشاملة وإشراك الآخرين. كما أن هذه الإجراءات تخفف من وطأة اليد الإيرانية، وتضع اليد الروسية فوقها. وفي ذلك بعض الاطمئنان للأقليات، ولأهل السنّة ومن يساندهم في دول الجوار. بل لعل ذلك يستجيب رغبة كثيرين من المتصارعين على الأرض السورية، ما دام أنه يؤدي إلى منع انهيار المؤسسات أو ما بقي منها كما حصل في ليبيا والعراق.

صحيح أن تدخل روسيا فرض وقائع جديدة، لكن الصحيح أيضاً أن خصومها يتكيفون سريعاً مع هذه القواعد: مزيدٌ من العتاد والأسلحة الفعالة لفصائل المعارضة. وسياسة جديدة لواشنطن في التعامل مع عدد من الفصائل وقادتها بديلاً من برنامج التدريب الفاشل، واعتمادها خططاً مختلفة للتعامل مع «داعش». هذا التحول يشي بأن الانكفاء الأميركي ليس غياباً كلياً. ولم يقفل البابَ أمام خيارات لن تسمح لروسيا بضرب ميزان القوى على الأرض السورية والإخلال به لمصلحة الأسد، والاستئثار تالياً برسم النظام الإقليمي. إلا إذا برهن بوتين على أن «تحالفه» في قتال الإرهاب أكثر نجاعة من «تحالف» أوباما. وأثبت أن نموذجه «الديموقراطي» في روسيا يصلح لبلاد الشام ولأهل الإقليم عموماً حيث عجزت أو فشلت النماذج الأخرى: النموذج الأميركي في الشرق «الكبير»، والنموذج الإيراني في العراق وسورية واليمن، والنموذج الغربي عموماً في أفغانستان وليبيا أيضاً، وحتى نموذج «العدالة والتنمية» الأردوغاني… علماً أن ما حل بجورجيا وأوكرانيا لا يبشر بخير كثير. هناك اكتفت موسكو بما اقتطعت، واكتفى خصومها بحصاد الفوضى، وبالتنديد الذي لا يسمن ولا يغني! لن يكون الانتظار طويلاً لترى إدارة أوباما وشركاؤها ما بقي في جعبة بوتين من مفاجآت.

إنها أكبر… إنها أخطر/ غسان شربل

هذه ليست مجرد مبارزة بين فلاديمير بوتين وأبو بكر البغدادي. ليست مجرد معركة لضمان موقع روسيا في سورية. ليست مجرد محاولة للاحتفاظ بوجود عسكري على شاطئ المتوسط. ليست مجرد عملية تتعلق بحسابات النفط والغاز والأنابيب والممرات. إنها أكبر. إنها أخطر.

هل ترانا نبالغ إذا قلنا إن التدخل العسكري الروسي في سورية بذيوله الإقليمية والدولية أخطر من هجمات 11 أيلول (سبتمبر). وإن إطلالة بوتين الجديدة عبر الصواريخ التي أطلقتها البوارج الروسية من بحر قزوين لا تقل خطورة عن إطلالة البغدادي من الموصل. وإن ما ألحقته صواريخ البوارج بصورة أميركا في المنطقة والعالم لا يقل عما ألحقته طائرات بن لادن بالبرجين. ففي الهجومين كانت هيبة أميركا هي الهدف الأول حتى ولو تغطى الهجوم الروسي بلافتات أخرى.

من المبكر المسارعة إلى عقد المقارنات بين قرار جورج بوش الذهاب إلى الحرب رداً على جرح نيويورك وقرار بوتين الذهاب إلى الحرب دفاعاً عن مصالح بلاده وصورتها وسعيه إلى تعزيز موقعها. لم نصل بعد إلى تلك المرحلة. وأغلب الظن أن بوتين لا يريد تكرار خطأ بريجنيف في أفغانستان وخطأ بوش في العراق. لكن التجارب تقول إن أرض المعركة قد تفاجئ أبرع الجنرالات وما دبجوه على الخرائط في غرف العمليات.

حين أعلن البغدادي «دولة الخلافة» لم يتوقع أن تنهمر عليه باقات الورود والتهاني وأن يتسابق السفراء لتقديم أوراق اعتمادهم. كان يعرف أن دولته انتحارية. وأن إعلانها على أجزاء من خريطتين يشكل أوسع عملية انتحارية في التاريخ المعاصر. يرجح أن البغدادي حلم بما تعذر على أسامة تحقيقه وهو استدراج الآلة العسكرية الأميركية إلى مكان يتعذر فيه الانتصار واستنزافها ثم إرغامها على المغادرة مثخنة كما حل بـ «الجيش الأحمر» السوفياتي.

اعتبر بوتين المحنة السورية فرصة كبرى لاستنزاف هيبة أميركا. شهر سيف الفيتو في مجلس الأمن. لن يسمح بتكرار ما يعتبره «الخديعة الليبية». أصيب الرئيس الأميركي المتردد بهاجس الابتعاد عن النار السورية. حين يطالب رئيس القوة العظمى الوحيدة رئيساً أن يرحل ولا يملك إرادة إرغامه وحين يضع «خطاً أحمر» ويتجاوزه المستهدف، يخسر صاحب الإنذار سريعاً معركة الهيبة والصورة. خدعه القيصر في محطة مفصلية. حين اكتفى أوباما بنزع السلاح الكيماوي من يد النظام السوري من دون اشتراط أن يتضمن الحل إطلاق مرحلة انتقالية سلّم عملياً ببقاء النظام. وحين يوافق أوباما على معاملة إيران وكأنها دولة كبرى في مفاوضات الاتفاق النووي، لماذا لا تتقدم روسيا للثأر من الإذلال الأميركي الطويل لموقعها وأسلحتها.

بدا الرئيس الأميركي المتردد مربكاً لحلفائه وحليفاً لأعدائه. قرأ بوتين المشهدين الدولي والإقليمي وسدد ضربته. لا يريد أوباما إنهاء إقامته في البيت الأبيض مستقبلاً جثث الجنود العائدة من الشرق الأوسط. أربع سنوات من الحرب في سورية أظهرت حدود الدور الإيراني وطابعه غير الحاسم. تركيا انزلقت إلى حرب على أراضيها والإرهاب نقل النار إلى الدار. وسلوك تركيا أقل بكثير من تهديدات سلطانها. السعودية منشغلة بحربها في اليمن وروسيا بادرتها بسلوك إيجابي في مجلس الأمن. أما أوروبا فمرتبكة بأمواج اللاجئين المرشحة للازدياد. سدد بوتين ضربته.

المسألة أكبر من إنهاء البغدادي ودولته. وأكبر من تحديد مصير الرئيس بشار الأسد ونظامه. وأكبر من تحويل الهلال الإيراني هلالاً روسياً – إيرانياً. إنها عملية انقلاب واسع على التوازنات التي قامت على ركام الامبراطورية السوفياتية. إنها عملية ثأر من أميركا التي انتزعت لقب القوة العظمى الوحيدة من دون أن تطلق رصاصة. وثأر من حلف الأطلسي الذي حرك بيادقه في اتجاه حدود الاتحاد الروسي. ثأر من سياسة التأديب والعقوبات والثورات الملونة والمجتمع المدني.

ليست مجرد معركة في سورية. وليست مجرد معركة على سورية. إنها معركة تسديد حسابات تؤثر نتائجها على ميزان القوى الدولي وملامح الشرق الأوسط ودوله وخرائطه وأقلياته. يستطيع بوتين تعديل ميزان القوى على الأرض لمصلحة النظام. الحسم الكامل متعذر وباهظ. يقدم سريعاً تصوراً لحل شبه مقنع أو يغرق تدخله في «سوريستان». لم يترك لخصومه خيارات كثيرة. سيتدفق السلاح والمقاتلون. وسيتردد صدى المعارك لدى مسلمي الاتحاد الروسي وجواره. سورية فرصة الثأر قد تتحول سريعاً سورية المستنقع التي تهدد باستنزاف القيصر وبلاده.

الشرق الأوسط في أحلك أيامه. دول خائفة. وخرائط قلقة. أكثرية متوجسة. وأقليات مذعورة. دوله الرئيسية تتعرض لاستنزاف غير مسبوق يعني سلامتها ودورها واستقرارها. تحارب خارج حدودها أو داخلها.

وسط بحيرات الدم أطل القيصر وسدد ضربته. بين المغامر والمقامر خيط رفيع. يفرض سريعاً حلاً شبه معقول في سورية أو يغرق مع البغدادي في «سوريستان».

سوريا بين تدخل وانكفاء/ محمد ابرهيم

بعد أن نجح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في تجميد الجبهة الأوكرانية مع الغرب عند المكتسبات التي حققها في شبه جزيرة القرم وفي “الجمهوريتين” الأوكرانيتين المحاذيتين للحدود الروسية انطلق في مغامرته السورية في ظل معطيات أفضل بكثير، بالنسبة إليه، من تلك التي كانت سائدة في مطلع الأزمة الأوكرانية.

استفاد بوتين من الخلاف الأميركي – التركي بشأن فرض منطقة حظر جوي فوق المناطق السورية المحاذية للحدود مع تركيا، ليفرض شبه هيمنة روسية على الأجواء السورية، وصلت إلى حد الاختراق المتكرر للأجواء التركية المشمولة بغطاء الحلف الأطلسي.

واستفاد بوتين من الالتباس في مسألة التحديد الغربي للإرهاب في سوريا، وخصوصا ما يتعلق ب”جبهة النصرة”، فرع “القاعدة” في سوريا، ليوجه ضربات إلى ما تعتبره واشنطن معارضة معتدلة. ذلك أن الحدود مائعة بين “النصرة” وبقية الفصائل الجهادية التي تشكل المكون الرئيسي للمعارضة المسلحة، مما يسمح للطيران الروسي باستهدافها جميعا، أي باستهداف مواقع المعارضة الأكثر تهديدا للنظام. وعلى المتذرعين بأن روسيا تهاجم المعارضة المعتدلة يرد المسؤولون الروس بسخرية العارفين بموازين القوى داخل المعارضة: “دلّونا على مواقع الجيش الحر لنتجنبها”.

وإذا كان استهداف مواقع “داعش” في العمق السوري يتطلب تنسيقا مع طيران الائتلاف الدولي، فإن القرار الروسي بتأمين التغطية الجوية الفاعلة لحركة القوات النظامية السورية وحلفائها لاستعادة مناطق خسرتها في الأشهر الأخيرة وخصوصا في الشمال الغربي، يوسّع تدريجا منطقة سيادة الطيران الروسي الخاصة على حساب طيران “الائتلاف”.

لقد انخرطت روسيا في معركة، حدّها الأدنى المحافظة على ما بات يسمى منذ الآن الدولة العلوية، وحدّها الأقصى إعادة اكتساح مناطق المعارضة. وكل ذلك تحدده طاقة الجيش السوري وحلفائه على الاستفادة من الغطاء الجوّي الروسي، في انتظار ان يتطوّر، ربما، التدخل الروسي ليشمل قوات برية، في حال ثبت أنه لا حدود لتردد الرئيس الأميركي، أو أنه هناك من يسعى، أميركيا، لاستدراج روسيا إلى أفغانستان جديدة.

والشوق العراقي المعلن، الرسمي والشعبي، إلى غطاء جوّي روسي فعّال على حساب الدور الأميركي، والاستعداد الروسي للتلبية، يجعلان روسيا الداعم الرسمي لمشروع إعادة وصل “الهلال الشيعي” الذي كسرته التنظيمات الجهادية في سوريا والعراق. وإذا ما تطوّر التدخل الروسي، مع الانكفاء الأميركي، إلى تدخل بري أيضا، تكون اكتملت معطيات “الأفغنة”، أما الطريق الآخر، طريق تدخل أميركي مباشر مواز للتدخل الروسي فلا يبدو في أفق السنة الأخيرة من ولاية أوباما الثانية.

رهانات حرب بوتين في سوريا/ نصري الصايغ

حروب لا شفاء منها، ولا شفاء بعدها. هي حروب فاشلة بكلفة دول وشعوب ومجتمعات.

حرب جديدة اندلعت على «أمل» الشفاء من «الطاعون» السوري. التجارب الناجحة لا حظ لها. الخراب العربي بليغ. الحروب كلها أسفرت عن نهايات كابوسية وحلول هشّة كأحلام يقظة.

مفيد التذكّر: حضرت الطائرات الأميركية والفرنسية والقطرية لمساعدة «الثورة» في ليبيا، بهدف وضع حدّ للطغيان والاستبداد وإقامة الديموقراطية. النتيجة، سقط القذافي وسقطت ليبيا. ورثت «الجماهيرية» القبلية والإسلامية والمناطقية، بلداً كان موعوداً بتقليد تونس.

مفيد العودة إلى الماضي القريب. غزا السوفيات بلاد أفغانستان، بهدف إقامة نظام اشتراكي تقدمي يدور في الفلك السوفياتي. النتيجة، غَرَقُ السوفيات وتحطُّمُ أفغانستان واعتلاء «طالبان» وتحوّل «المجاهدين الأفغان» إلى «قاعدة» تهدّد عواصم العالم. سقوط برجي التجارة في نيويورك كانت رداً على «غزوة» الحليف الأميركي للعراق. الدرس الأفغاني مفيد. الحروب هناك استدرجت حروباً. لم تُشفَ أفغانستان من لوثة العنف وألوان الإرهاب، استقبالاً وتصديراً.

ضروري أن نعود إلى العراق: «الغزوة» الثانية بقيادة جورج دبليو بوش دمّرت العراق مرة أخرى. أفرغته من مؤسساته. بدّدت مكوّناته. صاغت له وضعاً يشرّع الانفصال والحروب المذهبية. الطائرات الأميركية والبوارج الحربية وأفواج المارينز، لم تخلّص العراق مما فيه. خلّصته مما هو عليه، ليصير إلى ما صار إليه: ساحة مفتوحة لأنماط عنف غير مسبوقة، براً وبحراً وجواً وإرهاباً.

لا مفرّ من مراجعة التجربة التي دشنتها «الدولة الإسلامية في العراق والشام». استيقظت بغداد، و «هولاكو» على أبوابها. هلع أصاب القيادة. الجيش انهار بأمر من قادته. اتصال ليلي بواشنطن: أنجدونا. تأسس «حلف» لمحاربة «داعش» جواً. لم تفلح طلعاته بإقناع أحد. حرب تدمّر ولا تصيب العدو. تعاظم دور «داعش» وتقلّص دور السلطة الغارقة في فساد وإفساد ونهب وتمذهب… لا الحرب الأولى أفادت ولا الحرب الثانية فازت ولا التحالف بقيادة أميركا أصاب.

حروب كثيرة لا شفاء منها… ولا شفاء بعدها.

في هذه الأثناء، كانت سوريا تتغيّر جغرافياً وسكانياً وسياسياً. تحوّلت إلى جبهات قتال مفتوحة، وإلى تهجير غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية. النظام يتراجع، المعارضة المسلحة تكسب، و «داعش» له الحصة الكبرى من العدوّين: النظام والمعارضة معاً. وككل حرب في كيان، هي حرب إقليمية برعايات دولية. النظام ضعف برغم الدعم الإيراني والتسليح الروسي والقتال النوعي الذي أضفاه «حزب الله» في الميادين. كل ذلك لم يجد نفعاً. تركيا تقود المعارك في الشمال السوري، وتقرع أبواب الساحل، معقل النظام. السعودية تموّل وتسلح وتأمر. قطر كذلك. وأميركا والغرب يفوزان بعقد الرعاية الدائمة للمعارضة… ومع ذلك، لم تنته الحرب.

فجأة، أمر فلاديمير بوتين قواته. حضرت إلى سوريا ودشنت حرباً جديدة بعنوان كبير مزدوج: قتال الإرهابيين وتأمين ظروف الحل السياسي على قاعدة وحدة سوريا وعلمانيتها. هدفان صعبان جداً. قتال «داعش» قد يكون شبيهاً بقتال «الجهاديين» في أفغانستان الذين حوّلوا البلاد إلى مقبرة للدبابات السوفياتية ولطائراتها، أما الحل السياسي، فيحتاج إلى اقتناع المشاركين بالحروب الإقليمية بوقف الحرب السورية، والبحث المضني عن حل لبقاء الأسد بعد الفترة الانتقالية أو لعدم بقائه، لا قبل ولا بعد الحل.

فهل تقتنع السعودية بذلك، وهي التي تخوض وباقي اليمن حرباً ضد إيران ممثلة بالحوثيين؟ هل ترضى، قبل تحقيق ادعائها بالانتصار في اليمن، بأن تترك الأسد، حليف طهران في السلطة؟ وهل يقتنع اردوغان الذي يعاقر حتى الإدمان، خمرة «إخوانية» تريه في جنون سكره بالعظمة، سقوط سوريا تحت قبضة نفوذه، وهي الجار الأقرب والأقوى وعلى تماس مع قوى ميدانية معارضة تتقدّم إلى معقل النظام؟

أسئلة أخرى برسم كل من أميركا وفرنسا، وأسئلة مضادة لكل من إيران وروسيا.

مرَّ الأسبوع الأول من الحرب. حزمة الإنجازات غير واضحة بعد. روسيا تقاتل المعارضة بفعالية وتلقي حمولاتها الجوية على «داعش» من دون معرفة الآثار التي خلّفتها. الغرب مرتبك. واشنطن تتلكأ. هي مع روسيا قليلاً وضد النظام كثيراً. تنسّق مع موسكو وتعترض. تزوّد المعارضة بأسلحة متطوّرة، للمواجهة في معارك ميدانية. تحاول «أفغنة» سوريا. تترك روسيا لتغرق في المستنقع، أو تترقب فشلها الذي يشبه فشل فرنسا وأميركا في ليبيا، وفشل الثانية في أفغانستان والعراق، وفشل السعودية في تحقيق انتصار، يُعيد اليمن إلى «العباءة السعودية».

الحرب الروسية في سوريا طويلة. كثيرون راهنوا على نهاية النظام وسقوط الأسد. رسموا خرائط. حدّدوا مواعيد. كانت بالأشهر في السنة الأولى. كانت على وشك بعد «جريمة الكيماوي»، ثم كانت على مقربة من السقوط بعد حصار دمشق وخسارة مواقع حساسة في الشمال والمناطق القريبة من الساحل السوري. لكن ذلك لم يحدث… وكان النظام السوري ومَن معه، يتوقعون نهاية المعارضة منذ اللحظة الأولى، حدّدوا لها مواعيد. كل ذلك صار هباء. بعد كل موعد، كانت الحرب تنطق بقول واحد: أنا هنا ولا أحد سواي. لم تنتصر المعارضة ولم يُهزم النظام. فالحرب في سوريا، هي حرب الجميع على الجميع، وحتى اللحظة، لم يفز أحد، ولم يخسر أحد.

حروب، لا شفاء منها. حروب، لا شفاء بعدها. ولنتذكر للمرة الأخيرة: «الربيع العربي» في تونس، نجا من العسكرة والأخونة والتدخل الخارجي، بالطرق السلمية… مصر، نجت من التدخّل الخارجي، ولكنها لم تنج من «الأخونة» العابرة و «العسكرة» المقيمة. لم تعرف حرباً فوق أرضها بعد ربيعها. فالذي قتل «الربيع العربي» عسكر الغرب الذي تدخّل في ليبيا والعراق وسوريا. والذي نحر العراق وسوريا واليمن، تحالف الأضداد على البلاد.

في لبنان، حراك سلميّ. مستقبله مرهون بسلميّته واستقلاله عن قوى أجنبية وإقليمية وداخلية. نجاحه رهن بقائه في لبنان، بلا معين خارجي أو وحي دولي أو رعاية أممية أو مرجعية عقائدية.

لبنان أمام تجربة تستحق الحياة والنجاح…

روسيا الحرام وأمريكا الحلال!/ عبد الحليم قنديل

على كثير ممن يصفون أنفسهم بعلماء الدين أن يبتلعوا ألسنتهم، وأن يريحونا من شذوذهم العقلي والوجداني، وأن يسكتوا عما يجهلون، ومن قال لا أعلم فقد أفتى.

هؤلاء يبيعون الدين في أسواق النخاسة، ويقدمون الفتاوى بحسب الطلب، ويخضعون الدين لأهواء السياسة، ويتقلبون على الأجناب والجيوب، خدمة لمرامي سلطات سياسية أو تنظيمات سياسية، تبتغي عرض الدنيا، وتجند زرافات من العلماء إياهم، لخدمة أهداف ومصالح الوقت، ومن ذلك قول هؤلاء، إن التدخل الروسي في سوريا حرام، بينما التدخل الأمريكي حلال، وكأن التدخل الأجنبي تقاس خطورته وحرمته وحله بأسماء وعناوين المتدخلين، فتفرش الورود، وتهدي الفتاوى للتدخل والغزو الأمريكي للعراق، ثم للتدخل الأمريكي والأوروبى لتحطيم ليبيا، وإلى حد وصف غارات طائرات حلف الأطلنطي بأنها «الطير الأبابيل»، بينما الطائرات الروسية عناوين الشياطين.

وقد وصل الأمر بعشرات من العلماء الأدعياء إلى إصدار بيان عجيب، دعا لدعم من سماهم «المجاهدين» لصد الغزو والاحتلال الروسي، ووصف غارات الطائرات الروسية بأنها الهجمة «الصليبية الأرثوذكسية»، وكأن الصليبية صارت هي الأخرى على أنواع وأشكال وألوان، فلو كانت صليبية «أرثوذكسية» فهي مكروهة، ولو كانت صليبية «بروتستانتية» على الطريقة الأمريكية والبريطانية، أو صليبــــية «كاثوليكية» على الطريقة الفرنسية، فهي أعظم إيمانا وأدعى للاطمئنان، وأقرب حظوة للمسلمين، وهي الرحمة المهداة والخير العميم، ولذلك تجد العلماء الأدعياء في صف استعجال التدخل الأمريكي، ومناشدة أمريكا أن تتدخل جويا وبريا لإطاحة بشار الأسد، وكأن صالح المسلمين في يد أمريكا، التي تقيم قواعدها العسكرية في أقطار هؤلاء العلماء، ويتنعمون ببركتها وحمايتها، ولا مانع عندهم من التعامل مع المخابرات الأمريكية كأنها جماعة إسلامية، ومع الجنود الأمريكيين كأنهم حماة الديار، ومع الأمريكيين كأنهم أمة على وشك دخول الإسلام، بل ربما يكون الأمريكيون ـ بدون علمنا ـ قد دخلوا دين الإسلام أفواجا، وأصبح سيد البيت الأبيض خليفة لعموم المسلمين.

خطيئة هؤلاء أنهم يحشرون الدين في ما ليس فيه دين، وكاتب السطور ليس علمانيا، ويؤمن باستقلال السياسة عن الشريعة، في ما لم يرد به نص قطعي مقدس، ويميز بين دائرة الدين بأحكامه ونواهيه الإلهية والنبوية حصرا، ودائرة السياسة التي نحن أعلم بها، كما قال الرسول في حديثه الشريف «ما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به»، وطوال التاريخ الإسلامي، ظهرت آراء ونظريات لما سموه «السياسة الشرعية»، وما وصفوه بدار الحرب ودار الإسلام، وكانت مطبوعة مشفوعة بمواصفات وأحوال زمانها، تماما كما هي قصة الخلافة الإسلامية بعد الأئمة الراشدين الأربعة، فلم تكن هذه الخلافة سوى قصة دنيوية بحتة، أساءت وأحسنت، صعدت وهبطت، ازدهرت واندثرت، صنعت حضارة وقادت إلى تخلف، وكان رباطها واهيا بالدين في أغلب أزمان ملكها العضوض، ومراجعة كتب «السياسة الشرعية» تثبت هذه الحقيقة الدنيوية البسيطة، إقرأ مثلا كتاب «الأحكام السلطانية والولايات الدينية» للماوردي ذي المذهب الشافعي، وإقرأ معه كتاب «الأحكام السلطانية» لمعاصره أبو يعلى الفراء ذي المذهب الحنبلي، ولن تجد سوى كلاما طيبا مرصعا بالروايات والأحاديث عن الشورى في عهد الرسول (ص) والخلفاء الراشدين، والتقلبات المبكرة في نظام «أهل الحل والعقد»، واشتراطات عابرة ومتناقضة عن الحد الأدنى لأعدادهم المطلوبة، نهاية للقول بأنه يكفي وجود بيعة من خمسة، ثم إنقاص العدد الأدنى إلى ثلاثة أشخاص، ثم إلى واحد هو الذي يغلب بالسيف، فتكون الخلافة والإمامة لمن غلب، وتتوجب طاعته برا كان أو فاجرا، هكذا(!)، فلا تكاد تعرف حكمة في ما كتبوا، ولا تفهم معنى لصرفهم الجهد الجهيد في تدبيج هذه الكتب المطولة المملة، ما دامت الخلاصة على هذا القدر من الهزال العظيم، وترديد كلام لا يليق في مقام الخلق أو العقل أو الدين، وقادت إليه نزعات الإفتاء في أي شيء وكل شيء، حتى لو وهنت صلته بالأمر الديني، وابتداع أقوال تلصق بالدين وهو منها براء، وهي عادة رذيلة ظلت في حياتنا إلى اليوم، وتفاقمت في أجواء التخلف الروحي والحضاري، والتطوع «الديني» في خدمة الأعداء والظالمين، وإشاعة الفرقة بين الناس، وتكفير المسلمين بعد توثين غيرهم، واستسهال إصدار الأحكام بتكفير الخصوم، وابتداع إسلام على المقاس، والحكم على من لا يوافقك الرأي الدنيوي بدخول جهنم والعياذ بالله، وتسويـــغ عادة أن تفتي بغير علم، وأن تقيم من نفسك إلها يحكم على الناس، وهذا هو الكفر بعينه، فإن الله يغفر كل شيء إلا أن يشرك به. وقد أقام هؤلاء العلماء الأدعياء من أنفسهم آلهة.

ولو كان هذا «الجهل» مما يخص أصحابه، لقلنا سلاما وعفوا وإعراضا عن الجاهلين، لكن فتاوى الجهالات تزور وعي وحركة الناس وتنشر البلاوي، وتقتل وتسيل دما حرمه الله، وتدمر الأوطان والأديان، وتبيد الحرث والنسل، وتهلك الحجر والبشر، وعلى طريقة ما جرى ويجري في سوريا، فقد دمرت فتاوى الجهالات ثورة الشعب السوري السلمية ضد ديكتاتورية بشار الأسد، وساعدت الأسد نفسه على القفز على الثورة السلمية ومطالبها المشروعة، والهروب للأمام بدفن الثورة تحت الأنقاض، وإحلال حرب طائفية لا شرف فيها ولا دين ولا ضمير، قتلت من السوريين مئة ضعف الذين استشهدوا في كل الحروب مع كيان الاغتصاب الإسرائيلي، وحولت سوريا الجميلة إلى خرائب وأطلال، وانتهت بملايين السوريين ـ وهم أكرم الناس ـ إلى محنة العوز والتشرد واللجوء الهائم، وحولت البلد إلى غابة وحوش على طريقة وحشية جماعة الأسد، وإلى حدائق ديناصورات على طريقة الجماعات المسماة زورا بالإسلامية، التي لا تؤمن لا بثورة ولا بحرية ولا بعدالة ولا بمساواة، بل تؤمن فقط بالهلاك اللانهائي، وبدعوى إقامة خلافة وإمارة فوق جماجم السوريين، وتحويل سوريا إلى خلاء مفتوح، فقدت فيه القضية «سوريتها» بطمس الثورة السلمية، التي لم تستمر سوى لبضعة شهور، ثم جاءت أطيار الشؤم من كل جنس ومن مئة دولة، وتحولت المحنة إلى مأساة لا تبدو فيها من فرجة أمل، وفقد الوضع السوري «سوريته»، ثم فقدت قضية سوريا «عروبيتها» بتخاذل العرب، وبمسارعة بعضهم إلى تقديم عشرات مليارات الدولارات طعاما للنار، بهدف تحطيم سوريا بالكامل، وتسليم ركامها لقوى إقليمية من نوع تركيا وإيران، ثم جرى تجاوز «الأقلمة» إلى «الدولنة»، ودخول «الروسنة» ـ أي التدخل الروسي الكثيف ـ كآخر صيحة على خط التدويل، وبديهي أنه لا تركيا ولا إيران ولا أمريكا، ولا روسيا تريد خيرا للسوريين، فالكل يسعى لتأمين مصالحه على جثة سوريا، وتحويل الأراضي السورية ـ بعد هلاك البشر ـ إلى كعكة قابلة للتقسيم، وإلى مناطق نفوذ وامتيازات متبادلة، وفي ذلك، فلا يفترق التدخل الروسي عن التدخل الأمريكس، اللهم إلا في جدية روسيا وعزمها على حماية مصالحها وقواعدها ومناطق امتيازاتها على الشاطئ السورس بالذات، فلا «صليبية» ولا «أرثوذكسية» في الموضوع، إنما هو زمن تقسيم الغنائم السورية بعـــد إهلاك الثورة والبلد، والبركة في الفتاوى الجهولة، التي تنتقل من تدمير بلد عربي إلى آخر، وعلى طريقة ما جرى ويجـــري في العراق وسوريا واليمن والصومال والسودان وليبيا، حيث تبدو «داعش» كعنوان خراب نهائي، بينما فتاوى الجهالات من جماعات السلفيين والوهابيين والإخوان هي التي مهدت الأرض، وأخضعت الدين لملة الهلاك بالجملة، فـ»داعش» هي أعلى مراحل تطور ما يسمى بحركات الإسلام السياسي، إلا من عصم ربك وثاب إلى عقله ورشده.

وليست القضية في أن يبقى بشار الأسد أو أن يذهب، فلم نعد في ترف التطلع إلى نظام سياسي أفضل في سوريا، بل في محنة السؤال عن مصير سوريا نفسها، وعن فرص بقائها على خرائط الدنيا، وبعد أن بانت عليها الشروخ وعلامات التقسيم، فقرابة نصف الأراضي السورية يحتلها «داعش»، واسترد أكراد سوريا بعضا من أراضي دولة «داعش»، فيما ذهب خمس الأراضي السورية لسيطرة جبهة «النصرة» التابعة لتنظيم «القاعدة» المدعومة من تركيا، وذهبت عشرة بالمئة من سوريا إلى جماعات وفصائل زواريب تعد بالمئات، وتبقى أقل من خمس أراضى سوريا، بما فيها المدن الكبرى وغالب السكان، في حوزة جماعة بشار الأسد المدعومة من إيران، ودخلت روسيا على الخط أخيرا، وبقوة نيران هائلة، وبهدف منع الإسقاط النهائي لبشار الأسد، واسترداد أراض ضائعة إلى حوزة نظامه، وجعل مركزه التفاوضي أفضل إذا أتى زمان التسويات، وجعل «سوريا المفيدة» لا سوريا الكاملة من نصيب النفوذ الروسي، فالخطر الماثل هو فناء سوريا، وتحطيم الدولة والجيش يعني ذهاب سوريا إلى دفاتر الذكريات وكتب التاريخ.

بوتين زعيما أوحد للثورة المضادة عالميا و عربيا/ مطاع صفدي

إنها الأمة المحرومة من وسائل الدفاع عن نفسها، ذلك هو المصير العاري من كل اعتذار الذي يجعل من أمة الثلاثمئة أو الأربعمئة مليون من البشر مكشوفة الصدر والظهر أمام كل عاصفة عابرة أو غادرة تضربها.

فالذلّ الذي ما زالت تنحدر في هاويته لم يعد يعني لها (هذه الأمة) أنها أكثر من كونه واقعاً قاهراً لا سبيل إلى مقاومته بالطرق المألوفة العقلانية أو أشباهها. هذا الوضع ليس استسلاماً بعْدُ وإن كانت له دلائله ماثلة للعيان. وقد يقال أن هناك طرقاً كثيرة لتجنّبه، للتطهر من وبائه قبل تمدده نحو كل نفس، فهل هذا يعني أن الذات العامة ما زالت محصنة ضد الاستسلام، ليس اعتماداً على قوى احتياطية سوف تستخدمها في لحظتها المناسبة، بل لأن الذات الجماهيرية ما اعتادت أن تعترف بأية هزيمة تحيق بها، وإن كانت واقعية إلى أبعد الحدود؛ أن هذه الذات ألفت من عمق تاريخها التعايش مع أشرّ الشرور التي نزلت على رأسها، فلن تكون أحوال العرب الراهنة والمستمرة أقل ضرراً بالناس من سابقاتها.

لكن حدث أخيراً أن تمّ تجريد هذه الذات العامة من جميع أدوار الدفاع الذاتي، غير أنها لم تخسر حتى الآن ما تبقى من عمومية وجودها، أي من قدرتها على كشف مصادر ومكامن حيوية كانت مجهولة، ولكن فظاعات الأحداث الشريرة المتوالية قد أيقظتها من سباتها لتكتشف هذه الذات العامة أنها خسرت أسلحة نهضتها الحديثة. فقدت أحزابها جملة وتفصيلاً، ضاع أقدسْها تحت طغيان سُفهاتها. خسرت الذات العامة الكثيرين مما اعتبروا أنفسهم من عناصر الطلائع. خسرت الذات العامة مجمل تجاربها الموصوفة بالمؤسسات الثورية. مَشَتْ على حطام من أفكار العدالة والمساواة والحرية. حتى أنها تمّت تعرية الذات العامة من كل فضائلها تلك كما لو كانت مجرد أقنعة لنضالاتها الحضارية السابقة. هذا معناه بكل بساطة أنه لا يمكن قتل الذات العامة. فقد تتلقى عوامل العطالة والبطالة الوجودية، لكنها ستجعل ـ هذه العواملَ ـ مجرد أسهم خشبية تتكسّر نِصالُها على بعضها.

هذا مع الاعتراف بأن أعداءنا لم يستهلكوا كل قواهم دفعة واحدة وهم لايزالون يفتكون بمواسم (الربيع) الصاعدة ما بين واحات وأنهار المشرق وموانئ الغرب.

بل لعل عرب المشرق يعلنون على الملأ أنه من غزارة المصائب النازلة في حقهم لم يعودوا يميزون أعداءهم من أصدقائهم. فالأكثرية من صنف الأعداء قد يقابلها أكثرية أخرى من صنف الأصدقاء. لكن الأحداث لا تترك صنفاً يتغلب على الآخر. وإن حدث ذلك فلن يكون إلا عرضاً عابراً. وقد كان أن استثمرت روسيا هذا الوضع، فأقبلت على مبادرة تضع الجميع مرة واحدة أسرى للعجز الفوري الذي يشل ضحاياه حتى عن بروز ردود الفعل ضد الهمجية (السوفييتية) المنبعثة مجدداً وهي ملتحفة بأكفان هزائمها السياسية والكيانية السابقة. إنها لن تكون كعودة المسيح (المنبعث) من قبره، فالميت لن يخيف انبعاثُه أحداً من عالَم الأحياء الحقيقيين، بينما يظل الميت ميتاً وإن تظاهر بقوى من ماضيه لم تعد من خصائصه أبداً.

أما الغرب التقليدي من شيوخ أوروبا ومعهم ملوك الجشع الأمريكي للنفوذ والسيطرة بأكثر من الجشع المعتاد تجاه الدولار هؤلاء القوم الذين يعتبرون أن العالم كله بات من ممتلكاتهم بشراً وحجراً، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً هؤلاء لا يكادون يعترفون أن بوتين استطاع أن يهز مقعداً من مقاعد عروشهم، سواء عندما فاجأ الغرب كله مع استرداده لشبه جزيرة القرم، أو حين تجرأ على إعلان استعماره الجديد لسوريا. ولربما كانت أسباب اللامبالاة السياسية الغربية هذه ليست ناجمة من عدم التقدير الجدي لقيمة أشباه هذه الأفعال العبثية فحسب، بل لأن بوتين إنما يتصرف كأنه خارج الزمن. فهو ذاهب إلى الميادين المغلقة ليفتح أبوابها على معارك الزمن البائد. إنه الذاهب وحده إلى جهنم، المطفأة نيرانها الكونية منذ أكثر من نصف قرن وأكثر فإشعال كومة من الحطب هنا أو هناك لن يضيف حقائق جديدة إلى الجحيم الأكبر بحرائق أخرى.

ليس من عقل دبلوماسي يمكنه أن يوافق على التدخل الروسي المفاجئ إذ تراه كل عين مجردة عن الدوافع الأنانية أن هذا التدخل لن يأتي بالحل إلى أية عقدة من عقد الأزمة السورية المستعصية. بل سيكون التدخل تطفلاً غريباً مستهتراً بأبسط قواعد الإغاثة الإنسانية ومعها الإطاحة بأبسط قواعد القانون الدولي حول سيادة واستقلال الأوطان.

غير أن اللامبالاة بالمفاجأة البوتينية لا يفسرها الراسخون في قراءات الماورائيات الدبلوماسية أنها تعبير عن عدم الجرأة في استئناف صراع جدي جديد مع هذا القائد المهووس باستعادة أمجاد الماضي السوفييتي. ولكن الغرب عامة فإن قاداته بانتظار التحرك الأمريكي، في الوقت الذي لا يكف فكر الغرب عن تعلق شعوبه بثقافته المشروعية المنظمة لمواقف الدول من بعضها وخاصة بالنسبة للعمل السياسي بل الدفاعي السلطوي كذلك.

أوباما يريد للسياسة الروسية أن تتابع طريق الغرق أكثر في وحول التخبط العقيم في المستنقع السوري الكبير. يريد لموسكو أن تمعن تورطاً أعمى في متاهات التناقض بين الأفعال والأقوال، أن تخسر حتى الحدود الدنيا من مسوّغات الحقيقة فيما تنتويه من اهدافها الظاهرة والباطنة، يريد المثقف الغربي أن يؤمّن بوتين كل العناصر المؤسسة لنموذج الديكتاتورية الأحدث. كيف يحقق بل يتجاوز ببساطة أمثلة الاستبداد التقليدية من فاشية ونازية، وكيف يضيف اليها تعديلات متنوعة تعكس مستجدات العصر في الظروف والمفاهيم وطرق الممارسة. يريد العقل الواعي المحايد أن يعيد إلى مركزية الحضارة اهتمامها الأول في كشف أصول الاستبداد العميقة والمحجوبة، والتي قد تغطي حقائقها وسائل الإعلام الإلكترونية المستحدثة؛ ذلك إن العالم لم يتقدم كثيراً عما وصل إليه إبان انهيار معسكرات الاشتراكيات الزائفة، فإن سقوط إمبراطوريتها الكبرى، الذي هو الاتحاد السوفييتي لم يحرر التاريخ كلياً من نزعات التسلط المنتشرة تحت جلود الأمم منذ البدء.

هاهي التجربة البوتينية تبرز إلى مقدمات المسارح الحديثة وكأنها تعلن أن هيكل الوجود الإنساني مبني من جماجم الأطفال. أن الشر المحض لايزال قابضاً على أسرار استمراريته. وكان مفتاحها السحري قد نجحت تجاربه الجديدة أن يفجّر نوع الجحيم الأرضي الأعمق، أن تقع ارهب الفظاعات، أن تستولي الفظاعة وحدها على ما كان يسمى بالسياسة والإيديولوجيا والكفاح والعدالة الخ.. أن تنقلب المذهبية إلى أوحش وحوش الغابة الإنسانية، أن تصبح مذابح سوريا والعراق، قصصاً خيالية كأنها تكتب واقعاً آخر سواها، أسطورياً أبعد من كل مخيال شيطاني.

التجربة الأسدية فتحت الطريق انطلاقاً من الاستبداد القطري إلى خط الاستبداد العالمي. فهل لن يتحرك هذا العالم الكئيب أخيراً ضد البؤرة الكبرى للطاعون الأسود، عندما لن يتبقى من الإنسانية إلا شعوب الطاعون، إن الموبوئين وحدهم الذين لن يجدوا آخرين يقبلون بدفنهم.. لن يجدوا من يحفر لهم قبورهم الخاصة ماداموا جميعاً أسْرى يعيشون في قبر واحد كبير يتسع للجميع، وقد يصيرون قريباً إلى جثث مكدسة فوق بعضها إلى ما لا نهاية.. لن تكون إلا مجرد نفايات لحضارة العنف المجنون الذي التهم لحمه الخاص بعد أن لم يَبْقِ على شيءٍ من لحوم أصحابها المنتحرين بغرورهم الحيواني.

هل يهنئ تاريخ (الشر المحض) نفسَه بعد أن تمكّن من إعادة إنشاء نادٍ جامع لعُتاة المستبدين في الارض. هل دشن بوتين افتتاح هذا النادي منذ أن قرر لدولته أن تلعب دور الحماية (المجانية) لأفظع بقايا جبابرة الاستبداد الشرقي. هذه الحماية التي يرى فيها الجميع أنها قريباً لن تتمكن حتى من حماية نفسها. ناقلو الطاعون لن ينجوا من عدواه طويلاً. فَلْيهنأ بوتين بمنصبه المكتسب بجهده البطولي أن يكون زعيماً لنادي بقايا المستبدين، فقد يجعله ذاك يعتقد أنه يحقق جوهر النظام القيصري منذ عمالقته الأوائل. وذلك بعد أن حرر هو الهمجية الراهنة من أقنعتها السياسية بإبراز النموذج السوري كيما يغدو مثالاً تحتذى فظاعاته لقفل ثوراتها قبل تفجرها أمر السعي إلى اغتيالها بشرذمة عناصرها أولاً. وكأن آخرها وأعنفها قناع الإمبراطورية السوفييتية. نعم بوتين هو القيصر الجديد الحقيقي. أما أجداده الماضون فقد أمسوا أمواتاً منسيين مجدداً مع مغامرة سليلها دون أية أسطورة سياسوية أو أيديولوجية سوى أن الطاعون هو أفعاله فحسب. والفعل البوتيني يريد أن يكون بتنفيذه المشروع من بابه إلى محرابه.. ها هو اليوم بانتظار أجوبة العالم على هذا التحدي المستحيل، لكنه مع ذلك القابل للاستخدام على الطريقة البوتينية عينها.

٭ مفكر عربي مقيم في باريس

هل تتحالف أمريكا مع «الاسلام الجهادي» ضد روسيا وإيران؟/ د. عصام نعمان

تكشّفت الحروب في سوريا والعراق واليمن ومصر (سيناء) وليبيا وتونس والجزائر عن حقيقة صارخة: «الإسلام الجهادي»، بمختلف أركانه وتنظيماته، بات قوة ثالثة، سياسية وعسكرية، في مجتمع دولي متعدد الأقطاب.

لا يقتصر حضور «الإسلام الجهادي» على حروب يشنّها ضد دول وحكومات في بلاد العرب، بل يقود حروباً وعمليات إرهابية وعنفا أعمى في افغانستان وباكستان وتركيا، كما في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة واستراليا، ناهيك عن روسيا الاتحادية.

أبرز اركان «الإسلام الجهادي» وتنظيماته اثنان :»القاعدة» و»الدولة الإسلامية في العراق والشام ـ داعش». تنظيم «القاعدة» له حضور قوي في اليمن الجنوبي (عدن وحضرموت) كما في شمال غرب سوريا (محافظة ادلب). تنظيم «داعش» باتت له دولة فاعلة في غرب العراق (محافظات نينوى «الموصل» والأنبار وصلاح الدين) وفي شرق سوريا (مناطق من محافظات الرقة والحسكة ودير الزور وحلب).

الولايات المتحدة أدركت قبل غيرها قوة «الإسلام الجهادي» وحضوره، فحرصت على التسلل باستخباراتها إلى بعض تنظيماته، كما لم تتورع عن التعاون مع بعضها الآخر، ولاسيما مع «داعش» في العراق وسوريا، ومع «جبهة النصرة» في سوريا. التعاون مع هذين التنظيمين اتخذ صيغة إجارة الخدمات عند التقاء المصالح السياسية والاهداف الميدانية في الصراع مع خصوم مشتركين.

التعاون الميداني بين الولايات المتحدة و»داعش» انحسر مؤخراً نتيجةَ توسع «الدولة الإسلامية»، ولا سيما في العراق، ما هدد مصالح واشنطن وحلفائها المحليين. لكنه مرشح إلى العودة والتجدد حيال بروز تطور جديد وخطير: وثوب روسيا إلى سوريا وتكثيف وجودها العسكري فيها وتوسيع مشاركتها القتالية إلى جانب الجيش السوري في الحرب ضد مختلف تنظيمات «الإسلام الجهادي»، ولاسيما جناحه الإرهابي التكفيري.

تبدو الولايات المتحدة مرتبكة حيال «الهجمة» الروسية السريعة والواسعة الممتدة من بحر قزوين إلى البحر المتوسط، ناهيك عن اجواء سوريا في العمق، وفي محاذاة حدودها مع تركيا والعراق. ذلك أن تداعيات ومفاعيل عدّة نجمت عن «هجمة» روسيا، يمكن تلخيصها على النحو الآتي:

دعم الجيش السوري لوجستياً ونارياً وتمكينه من الانتقال من حال الدفاع إلى حال الهجوم في مناطق عدّة في وسط البلاد وشمالها الغربي.

رفع معنويات الشعب السوري وعودة شبّانه إلى تلبية نداء خدمة العلم أو التطوع في كتائب «الدفاع الوطني» المؤازرة للجيش.

انتعاش القوى المناهضة للولايات المتحدة في العراق وارتفاع أصوات المطالبين بأن يمدّ سلاح الجو الروسي نشاطه لضرب «داعش» في مواقعه العراقية، بعدما تكشّف هزال ضربات «التحالف الدولي» الذي تقوده أمريكا.

تراجع دور تركيا وفعاليتها في الساحة السورية، ولاسيما بعد اضطرار التنظيمات الإسلاموية الأجنبية (الشيشانية والتركستمانية والايغورية) المتحالفة معها إلى التقهقر باتجاه حدودها مع سوريا.

انتعاش قوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية المتحالفة مع سوريا، خصوصاً قوى المقاومة ومناصريها في الضفة الغربية وغزة، وحتى في المناطق المحتلة عام 1948، وارتباك حكومة نتنياهو حيالها ناهيك عن عجزها عن السيطرة على انتفاضاتها الشعبية المتعاظمة.

إعلان مصر دعمها للتدخل العسكري الروسي في سوريا ضد «داعش»، ووضوح اغتباطها من انعكاس ذلك سلباً على «غريمتها» السياسية والإستراتيجية: تركيا.

تزايد مشاركة إيران ميدانياً في الحرب ضد الإرهاب في سوريا بدلالة إعلان الحرس الثوري الإيراني عن استشهاد أحد أركانه الجنرال حسين همداني، العامل كمستشار لدى الجيش السوري في منطقة حلب.

كل هذه الواقعات والتطورات تدرسها واشنطن بعناية، فماذا عساه يكون قرارها؟ هل تردّ ميدانياً على روسيا أم سياسياً ام بكليهما؟

تطور ذو دلالة أن يصرح وزير الدفاع الأمريكي اشتور كارتر محذراً روسيا في اجتماع وزراء الدفاع في دول حلف شمال الاطلسي بقوله: «خلال الأيام المقبلة سيبدأ الروس بتكبد خسائر بشرية». التصريح يحتمل تفسرين: تحذير موسكو من قيامها بدعم الجيش السوري بكتائب قتال برية، أو أن تكون واشنطن بصدد تزويد تنظيمات «الإسلام الجهادي» في سوريا اسلحةً فتاكة، من شأنها إلحاق خسائر فادحة بالقوات المحاربة، سواء كانت سورية أو روسية.

بعض مؤشرات التحذير الامريكي سرعان ما تبدّى على الارض: وحدات من «جبهة النصرة» قامت باستعمال صواريخ «تاو» المضادة للدروع، وأعلنت تحقيق «مجزرة دبابات» في الجانب السوري. القيادة السورية كذبت مزاعم «النصرة» ودعمت تكذيبها بسرد اسماء المواقع التي تمكّن الجيش السوري من السيطرة عليها في سهل الغاب وشمال محافظة حماة. إلى ذلك، أكدّ مصدر عسكري سوري أن صواريخ «تاو» التي استعملتها «النصرة» هي جزء من «كدسة» لا تقل عن الف صاروخ مضاد للدروع كانت تركيا زودتها «النصرة» عشيةَ السيطرة على بلدة جسر الشغور قبل اشهر.

الارجح أن قرار واشنطن النهائي في طبيعة الرد على موسكو سيُتخذ بعد تقويم احتمالات واعتبارات معينة، والإجابة عن الاسئلة التي تثيرها:

هل تدخّلُ روسيا العسكري مرده ومسوّغه دعمُ حضورها ونفوذها في سوريا، كما اختبار بعض اسلحتها الجديدة المتطورة؟ أم أنه ينطوي على أهداف أخرى أبعد مدى وخطورة؟

هل يؤدي دعم روسيا لسوريا إلى نجاح محور قوى المقاومة في طرد تنظيمات الإرهاب من بلاد الشام، وبالتالي تكريس وجود إيران على حدود فلسطين المحتلة من جهة ووصولها إلى مياه البحر المتوسط من جهـة اخرى؟

هل يؤدي التطوران السالفا الذكر إلى إضعاف، إن لم يكن إلى طرد نفوذ أمريكا من المشرق العربي، كما إلى تهديد أمن «اسرائيل»؟

في ضوء الإجابة عن هذه الاسئلة سيتقرر الرد الامريكي، سواء بصيغة سياسية أو عسكرية. اذا ما تبيّن أن التدخل الروسي ستكون له مفاعيل استراتيجية سريعة وقوية، فإن رد واشنطن سيكون، على الارجــــح، عسكرياً وذلك باعتماد صيغة متقدمة لحرب بالوكالة تتحـــقق بإقامة تحالف مرحلي مع قوى»الإسلام الجهادي» وتنظيماته الاقوى («داعش» و»النصرة» وغيرهما) وتزويدها أسلحةً فتاكة متطورة لكسر حدّة الهجمة السورية – الروسية المتعاظمة، والحؤول دون قيام رديف لها في العراق، والسماح لتركيا بمباشرة دور لوجستي وعسكري أوسع في شمال سوريا، والإيعاز إلى «اسرائيل» بأن تلعب دوراً مماثلاً في جنوب سوريا.

أما إذا كان تقدير واشنطن أن بإمكانها احتواء مفاعيل الحضور الروسي المتعاظم في سوريا (وربما في العراق) ضمن حدودٍ لا تؤذي نفودها ولا أمن اسرائيل، وتتضمن توافقاً على تسوية سياسية تحدد حصص الاطراف المتصارعة ليصار إلى تظهيرها واعتمادها في مجلس الامن الدولي أو في «مؤتمر جنيف -3»، فإنها سوف تستبعد (او تؤجل) أي ردٍ عسكري من الطراز المشار اليه آنفاً. أياً ما سيكون عليه قرار واشنطن وحظوظه من النجاح أو الفشل، فإن الحرب في سوريا وعليها ليست مرشحة لنهاية قريبة.

هل يغرق بوتين في الأوحال السورية؟/ سعد كيوان

تهدر المقاتلات الروسية في سماء سورية، شمالاً وغرباً، وتخترق الحدود مع تركيا، لترمي قنابلها على ما تقول القيادة الروسية إنها مواقع لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فيما تؤكد تركيا والولايات المتحدة أن عشر الغارات فقط من أصل نحو مائة استهدفت فعلاً مواقع التنظيم الإرهابي. لماذا أرسل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مقاتلاته إلى سورية، وهل سيتبعها بمغامرة إرسال قوات برية؟

يؤكد بشار الأسد جازماً أن الروس أتوا لمساندته بناء على طلبه، وقد أصبحت سلطته على حافة الانهيار، وبات يسيطر فقط على 20% من الأراضي السورية، على الرغم من البطولات المتخيلة التي يتحدث عنها حزب الله الذي يعد نفسه باستعادة زمام المبادرة والتحضير لهجوم بري بغطاء جوي روسي على الخط الساحلي من دمشق، باتجاه حمص واللاذقية (وفي الطريق معركة الزبداني المعلقة منذ أشهر). أما إيران عرّابة بشار التي تعتبر جنرالها الفاشل في العراق وفي سورية، قاسم سليماني، صاحب الفضل في إقناع بوتين بالتدخل. فهي تفاخر بأنها أعادت التوازن إلى الجبهة، وعوّضت عن عدم قدرتها على التدخل المباشر والمكشوف لأسباب واعتبارات عديدة ومختلفة، جيوسياسية ولوجيستية ومذهبية وغيرها. ناهيك عمن يعتبر أنه نجح في استدراج “الدب الروسي” إلى المنطقة ليعينه على حل مشكلاته، ويريده أن يتدخل أيضا في العراق، من أجل إيجاد توازن استراتيجي مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

ولكن، هل يعرف بوتين نفسه فعلاً ماذا جاء يفعل، وماذا سيواجه، وما هو الثمن المحتمل الذي يمكن أن يدفعه، وهو الوارث للإمبراطورية السوفييتية المنهارة؟

لا شك، أولاً، أن رؤية “الحصان” الذي راهنت عليه روسيا منذ بداية شرارة الثورة السورية، لكي تتمكن من لعب أوراقها والحفاظ على دور لها في المنطقة (أنظر ما حصل لها في ليبيا)، ينهار على الرغم من الدعم السياسي والعسكري الذي قدمته له. فالأسد ليس سوى “حجر” في لعبة الشطرنج ضمن الصراع على رقعة النفوذ بين الدول الكبرى، وكذلك بالنسبة لإيران الساعية إلى تعزيز نفوذها الإقليمي، وتثبيت موطئ قدم لها في المنطقة العربية، وعلى ساحل المتوسط عبر البوابة السورية. وثانياً، تعاني روسيا، ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي، من خطر نمو التطرف الأصولي وتوسعه من حولها، تحديداً في الشيشان، وفي محاكاته المسلمين لديها.

وثالثاً، بوتين هو فعلا وريث الإمبراطورية السوفييتية التي جاء إلى السلطة من رحمها، والذي ما زال يشده الحنين إلى ذلك الزمن، وإلى عظمة السلطة القوية والتوسعية؛ وهو الذي نشأ وترعرع في حضن جهاز الاستخبارات السوفييتية (كي.جي.بي). وهذا النزوع تجسده الأزمة الأوكرانية مثالاً حياً، يجمعه، بطبيعة الحال، مع نموذج الأسد، سلطة قمعية وعقلية هيمنة ووصاية تجاه لبنان وفلسطين والمحيط. ولا بد من القول هنا إن واشنطن والحلف الأطلسي لم يوفرا منذ العام 2000 أي ضغط على موسكو، ولا أي محاولة لمحاصرتها في دول المحيط، منها جمهوريات كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي السابق. ما دفع بوتين إلى العودة إلى أجواء الحرب الباردة، طمعاً بإحياء أمجاد غابرة.

“بوتين وريث الإمبراطورية السوفييتية التي جاء إلى السلطة من رحمها، والذي ما زال يشده الحنين إلى ذلك الزمن، وإلى عظمة السلطة القوية والتوسعية؛ وهو الذي نشأ وترعرع في حضن جهاز الاستخبارات السوفييتية”

كما أن اللافت هو عملية ترويجٍ “قيصر جديد”، رافقت التدخل الروسي المفاجئ، وانطلقت قبل أن تحط المقاتلات على الأرض السورية، في حملة تعبئة وتجييش في روسيا. وقد وصل التمجيد بشخصية بوتين الفذة وشجاعته “بطلاً قومياً” في الدفاع عن مصالح روسيا العظمى، إلى درجة وضع في التداول هاتف خليوي أطلق عليه تسمية “بوتين إيفون”، وثبّت في خلفيته رأس مذهب للرئيس الروسي. وها هي الكنيسة الأرثوذكسية تهب لنجدة سيد الكرملين، بإعلانها الوقوف إلى جانب التدخل بما هو “حق مقدس للدفاع عن الأقليات المسيحية في الشرق”، في خطوة استفزازية لمشاعر المسلمين السنة. إلا أن الوقائع التي رافقت الحملة العسكرية تظهر أن الإرباك هو سيد الموقف، على الرغم من البيانات والتصريحات اليومية التي تعدد عشرات الغارات التي تصيب أهدافها (غير الواضحة!) والبطولات التي تحققها، تماماً كما تعلن الولايات المتحدة ودول التحالف الغربي عن غاراتها، هي الأخرى، ضد تنظيم داعش. غارات كانت موسكو وطهران بالأمس تعتبرانها غير فعالة، ولن تقضي على الإرهابيين. ولماذا تركيز القصف إذاً على إدلب وحمص اللتين يسيطر عليهما “الجيش السوري الحر”، أو المعارضة المعتدلة كما يحلو لبعضهم تسميتها؟

يقول مسؤول روسي إن “الهدف من التدخل منع الإرهابيين من دخول دمشق والاستيلاء على السلطة، والدفع باتجاه قيام حوار بين الأسد والمعارضة غير المسلحة”. أي المعارضة التي اخترعها النظام السوري، وتجلس معه في الحكومة، ويدور بعضها في فلك موسكو؟ ثم تستدرك القيادة في اليوم الثاني، معلنة استعداد موسكو للحوار مع “الجيش السوري الحر” المسلح، ولتؤكد أنه لا خلاف مع واشنطن حول عملية الانتقال السياسي للسلطة، وأنها على تنسيق مع الولايات المتحدة، وحتى مع تركيا التي تستفزها، في الوقت عينه، بخروق لمجالها الجوي. وفي المقابل، تطمئن إسرائيل بأن حرية الطيران ستبقى متاحة لها فوق الأجواء السورية (وهذا ما فعلته تل أبيب بعد يومين على التدخل)، وأن القنيطرة لن تكون مسرحاً لحزب الله المحتفي بالحملة الروسية. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قد أكد لبوتين أن “لا مشكلة لنا مع الأسد”، بعد أن اطلع بدون شك على ما كرره الأخير أن “المعركة الآن هي مع الإرهاب، وليست مع إسرائيل”.

فهل يسعى سيد الكرملين إلى فرض حل سياسي بالقوة عبر التدخل العسكري؟ انطلاقاً من موقف روسيا والنهج الذي سلكته في تعاطيها مع الثورة السورية، منذ اندلاعها في 15 مارس/آذار 2020، ووقوفها إلى جانب النظام، ثم دعوتها إلى تغليب حل سياسي، لا يستثني مسبقاً دوراً للأسد فيه، يصبح من المنطقي افتراض أن موسكو قررت التدخل العسكري لتعويم “ورقة الأسد” المنهارة، لتتمكن عبرها من فرض هذا الحل، وإجبار بشار على قبوله. ويجدر، في هذا السياق، لفت الانتباه الى ما صرح به الأسد نفسه لقناة الخبر الإيرانية، قبل أيام، وعبّر فيه عن استعداده للتنحي “إذا كان هذا سيساهم في حل سياسي بين السوريين”.

فهل سيستعمل بوتين الأشهر الأربعة التي أعطاها لنفسه من أجل فرض تسوية سياسيةٍ، تم التفاهم عليها مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، وعلى أساسها حصل على الضوء الأخضر للتدخل؟ أم فضلت واشنطن اتخاذ موقف المتفرج، وتركته يتورّط في مغامرة عسكرية سوف تغرقه في الأوحال السورية، مثلما غرق الاتحاد السوفييتي السابق في أوحال أفغانستان.

سوريا بعد التدخل الروسي.. رهانات التوغّل البريّ/ نذير رضا

خلط التدخل العسكري الروسي في سوريا، الأوراق السياسية والميدانية مجددًا، وانسحبت تداعياته على الدور الذي لعبته الولايات المتحدة الأميركية في سوريا منذ بدء الصراع، وسط مؤشرات على إعادة الصراع إلى ما قبل 25 مارس (آذار) 2020، ومخاوف من تمكين قوات نظام الرئيس السوري بشار الأسد من استعادة حضورها في مناطق استراتيجية، كانت قد خسرتها بشكل دراماتيكي إثر انهيارات متتالية في الشمال والشمال الغربي. وحسب مصدر معارض فإن المعارضة السورية «استبقت خطط الهجمات المعاكسة باجتماعات شاركت فيها الفصائل الفاعلة، وتوصلت إلى أن خيارات المواجهة قرار وجودي، على قاعدة أننا واجهنا النظام بكل آلاته وانتصرنا عليه، كما واجهنا تدخلا من قبل حزب الله، ولن يردعنا التدخل الروسي عن المواجهة».

يقرأ راصدو التدخل الروسي في سوريا أنه يرمي إلى إصابة أكثر من عصفور بحجر واحد. فهو من جهة، يمهّد للقوات النظامية السورية وحلفائها، مثل حزب الله اللبناني وميليشيات حليفة لها، «لاستعادة قدرتها على التقاط الأنفاس في الميدان»، كما يقول معارضون في شمال سوريا. ومن جهة أخرى، «يسعى لتثبيت نفوذه في المنطقة، مقابل انحسار الدور الأميركي، وإحجام تركيا عن المبادرة، بفعل الحسابات الداخلية لحزب العدالة والتنمية، عشية الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية». وهذا، فضلاً عن أن موسكو «تستثمر في الميدان قبل إخراج رئيسها فلاديمير بوتين مبادرة جديدة للحل السياسي من جيبه، يكشف عنها بعد فترة وجيزة من الضغط العسكري لصالح النظام».

وسط تلك المؤشرات والحسابات السياسية، يتشارك الطرفان، النظام والمعارضة، الرهان على الحسابات الميدانية، لتغيير الواقع: فالنظام وحلفاؤه – بدعم روسي – يسعون لفرض شروط جديدة على أي طاولة متوقعة للمفاوضات، بينما تراهن المعارضة على إطلاق خصمها معركة برية، لكسره، ما دامت «مقوّمات الرد على القصف الجوي مفقودة، بغياب منظومات دفاع جوي لدينا».

لم يغيّر التدخل الروسي، منذ أسبوع، الخريطة الميدانية على الأرض. إذ ما زالت قوات المعارضة تحتفظ بمواقعها في شمال ووسط سوريا، فضلاً عن أن بعض كتائبها، ما زالت قادرة على خوض الاشتباكات في ريفي محافظتي إدلب وحماه. وجلّ ما تحقق «ارتباك في صفوفنا»، كما قال مصدر معارض لـ«الشرق الأوسط»، مضيفًا: «الضربات المفاجئة، دفعتنا للتريث، وإخلاء المواقع بهدف إعادة تموضع، وتنفيذ انتشار جديد، يحول دون ضربنا، وهو ما قلص هجماتنا، نظرًا لعجزنا عن صد الهجمات الجوية».

ولا يعتبر هذا «الارتباك» مفاجئًا. فالخبير العسكري السوري عبد الناصر العايد شرح لـ«الشرق الأوسط» أن تجميد المعارك «هو أمر طبيعي في حالات مشابهة»، موضحًا: «حين تُشنّ الهجمات الأولى، ستؤثر حكمًا على عنصر المباغتة، كما أنه يتطلب وقتًا كي تتكيف القوات على الأرض مع طبيعة الهجمات». وأضاف العايد «المقرات والأسلحة هي هدف الطائرات الروسية اليوم، لذلك نمرّ بمرحلة حرص، وهذه ليست علامة على أن الطائرات الروسية قد حققت أهدافا كبيرة، لأننا ننتظر الميدان، كما أن النظام وحلفاءه، لا يستطيعون تحقيق أي إنجاز من غير توغّل برّي، ذلك أن الضربات لا يمكن أن تحسم شيئا أو تؤثر على تموضع قوات المعارضة».

العايد قال إنه «إذا كانت هناك أي مقارنة مع وضع عين العرب (كوباني) إثر الضربات الأميركية ضد (داعش)، فإن المقارنة هنا غير صحيحة، لأن عين العرب حدث صغير. المقارنة مع شمال سوريا، تصح مع الموصل أو الرمادي أو تكريت، لأن عدد الأهداف كبير جدًا، وكل مقاتل وعربة، هي هدف كبير». وإذ أكد أنه لا يمكن الحديث عن أربعين أو خمسين طائرة بوصفها تدخلاً حاسما، يلفت إلى أنها «عملية دعم وإسناد ستفقد أهميتها لحظة التلاحم الميداني حيث يفقد الطيران دوره».

لا تتخطى أهداف الطائرات الروسية المقرات العسكرية ومواقع مفترضة لقوات المعارضة، أخلتها منذ الضربة الأولى، حسب مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان» رامي عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط». فالمستهدفون في شمال سوريا، «هم المدنيون في المقام الأول الذين تجاوز عددهم الخمسين، إضافة إلى عدد قليل من مقاتلي المعارضة»، وذلك «إثر صواريخ استراتيجية تقذفها الطائرات الروسية من خلال معدل يفوق العشر طلعات جوية يوميًا». وأوضح عبد الرحمن أن كل طلعة جوية «تشارك فيها 6 مقاتلات حربية وقاذفات استراتيجية، وترمي كل منها أربع صواريخ على الأقل». وذكر أن الصواريخ «تشبه حاويات القنابل العنقودية، لكن كل قنبلة ضمن الصاروخ، لها مفعول قوي يعيق الحركة ويدمر مساحات شاسعة».

* المنطقة المستهدفة بالغارات

تمتد الغارات في وسط وشمال سوريا، على شعاع يزيد على مائة كيلومتر، يبدأ من آخر نقاط سيطرة النظام في سهل الغاب ومرتفعات الساحل، وعمق يصل إلى ستين كيلومترًا في شمال حمص، وهي مناطق خاضعة بمجملها لسيطرة قوات المعارضة. وتُضاف إليها أهداف قريبة من مطارات استراتيجية في محافظة حماه وريفي محافظتي إدلب وحلب. ويجمع الخبراء على أن تلك الأهداف الروسية، تسعى إلى تحقيق غرضين: الأول يتمثل في إبعاد نيران قوات المعارضة عن مواقع النفوذ الروسي في الساحل، على ضوء امتلاك قوات المعارضة صواريخ «غراد» معدّلة يبلغ مداها أربعين كيلومترًا.. إلى جانب «خطط مرسومة لدى الروس، لإبعاد قوات المعارضة عن مطارات استراتيجية في العمق السوري»، كما يقول عبد الرحمن، مضيفًا أن موسكو «تنوي تطويرها واستخدامها كقواعد متقدّمة لخطوط الإمداد، مع تطوير عملياتها، وذلك لتوفير الوقت على طائرات لشن هجمات مواكبة لهجمات برّية متوقعة يشنها النظام وحلفاؤه في ريفي حماه وإدلب، وقرب مدينة حلب». وتابع عبد الرحمن أن تلك المطارات هي مطارا كويرس والنيرب في حلب، ومطار حماه، إضافة إلى مطارات ريف محافظة حمص الشرقي.

ويبدو أن خطة المطارات ستتوسّع إلى ريف دمشق، بحسب عبد الرحمن، مستشهدًا بحملة القصف الجوي المكثفة منذ أسبوع على مدينة داريا، بريف دمشق المُحاذية لمطار المزّة العسكري، بالبراميل المتفجرة. هذا، وأفاد إسماعيل الداراني، عضو مجلس قيادة الثورة في دمشق، لـ«الشرق الأوسط» عن أن الطيران المروحي النظامي أسقط خلال 45 يومًا 1150 برميلا متفجرًا على داريا، وذلك منذ سيطرة قوات المعارضة على كتل بنائية محاذية لمطار المزّة العسكري.

حسب عبد الناصر العايد وأوساط معارضة فإن الخطة المتوقعة للتوغّل في سوريا لم تتضح حتى الآن، وسط غارات تنفذ منذ 7 أيام. وشرح العايد «لا يستطيع الطيران الحربي الروسي أن يعطي النظام قدرة على الحسم، لأن التدخل الجوي غير مؤثر في الحروب. إذا كان يريد أن يحقق فارقًا عسكريًا في الميدان، فليس أمامه إلا توغّل المشاة، ولكن يبدو أن الروسي لن يقوم بها، وهو لن يقاتل في الأرض إلا بقوات حليفة وفق خطة عسكرية واضحة، وستكون هذه القوات من حزب الله وإيران، بينما يحاول هو تدمير خطوط الإمداد والبنية المادية للمعارضة، قبل اقتحامها».

وشدد العايد على أن القصف الجوي في سوريا «لا يستطيع قلب الموازين بين ليلة وضحاها»، لافتًا إلى أنه «كلما طال أمد المعركة، ستتلاشى الخيارات، وتزداد المراوحة». وأردف «إذا تمكنّا – أي المعارضة – من استيعاب الهجمة خلال شهر، وأعدنا الصراع إلى شكله القديم، أي المواجهات والالتحام، فإن محاولاته ستجهض في الميدان».

وحقًا تراهن قوات المعارضة السورية على تدخل برّي روسي، لبدء عملياتها. غير أن تحقيق الإنجازات، مرتبط بالحصول على تسليح استراتيجي. ووفق العايد «إذا تمرّدت الدول المناهضة لهذا التدخل الروسي، على الحظر الأميركي المفروض على تقديم أسلحة للثوار، فإنها ستقلب موازين المعركة، وهذا أمر محتمل».

والاحتمال نفسه يتردد على ألسنة عدد كبير من المعارضين والمطلعين على الشأن السوري، قائلين إن أمر وصول أسلحة «موعودون بها»، بات وشيكًا. فالقيادي المعارض في الشمال محمد الشامس قال لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه «أبلغنا من منافذ دولية أن الحصول على صواريخ مضادة للطائرات، هو أمر محال، لكن إمكانية رفدنا بصواريخ مضادة للدروع وصواريخ (تاو) محتملة جدًا، وذلك تعزيزًا للقدرات العسكرية الردعية الموجودة لدى الفصائل، التي استخدمتها في معارك واسعة في السابق». وأردف أن «أكثر من مائتي صاروخ مضاد للدروع، كانت موجودة بيد فصائل جيش الفتح خلال معاركها في إدلب وجسر الشغور وسهل الغاب».

بدوره، أشار إسماعيل الداراني إلى أن فصائل المعارضة في الشمال، موعودة بالحصول على دفاعات أرضية وصواريخ مضادة للدروع، إضافة إلى صواريخ أرض – أرض من نوع «غراد» محدث، لافتًا إلى أن تجربة «أحرار الشام» التي أطلقت 55 صاروخ «غراد» باتجاه الساحل الأسبوع الماضي «كانت بمثابة اختبار للقدرة على رمي ألف صاروخ باتجاه الساحل خلال يومين». وأوضح أن التحرك العسكري وتطوير القدرات «لا يقتصر على الشمال، نظرًا إلى أن الجبهة المؤثرة هي جبهة الجنوب، لتماسها مع دمشق، وستطلق عمليات واسعة، بعد الحصول على أسلحة نوعية». وإذ تحدث عن أن 12 قرية تسكنها غالبية علوية في سهل الغاب «لا تزال تحت سيطرة المقاتلين المعارضين»، أقر بأن «الأمور ستتغير، والتغيّر سيكون لصالحنا».

* المواجهة «قرار وجودي»

هذا، وتستبق قوات المعارضة التوغل البري المحتمل للنظام وحلفائه، بخطط عسكرية. إذ أبلغ محمد الشامي، القيادي المعارض المقرب من «حركة أحرار الشام الإسلامية» في الشمال «الشرق الأوسط» خلال اتصال معه أن قوات المعارضة في الشمال، «استبقت خطط الهجمات المعاكسة باجتماعات شاركت فيها الفصائل الفاعلة، بينها (جبهة النصرة) و(أحرار الشام) و(جيش الفتح) و(جيش الإسلام)، وتوصلت إلى أن خيارات المواجهة قرار وجودي، على قاعدة أننا واجهنا النظام بكل آلاته وانتصرنا عليه، كما واجهنا تدخلا من قبل حزب الله، ولن يردعنا التدخل الروسي عن المواجهة».

واستطرد الشامي «هناك خبراء لدينا وضعوا الخطط، وأعطينا تعليمات للفصائل بضرورة تنفيذ إعادة تموضع وتغيير سياسة الانتشار في المرحلة الحالية، بهدف النفاذ من القصف الروسي، وذلك بعد استهداف مقرين لفصيلين في حمص». وتابع قائلا إن مستودعات الذخيرة «جرى نقلها كحل مبدئي، لكننا ما زلنا موجودين على الأرض، ونواصل عملنا». كما أشار إلى أنه «خلال 48 ساعة، هناك مفاجأة ضخمة جارٍ تحضيرها عبر حركة أحرار الشام وجيش الفتح».

والواقع أن خيار المواجهة، أوصى به خبراء وقياديون عسكريون معارضون، بينهم الأكاديمي السوري الدكتور بشير زين العابدين، في دراسة أعدّها الاثنين لصالح «مركز عمران للدراسات». وللتعامل مع مخاطر الحشد الروسي وعملياته المرتقبة، أوصى زين العابدين بأن تبادر المعارضة إلى «تبني سياسة (الكمون الاستراتيجي) الذي يتمثل في امتصاص الضربات المبدئية، واستيعاب عنصر المفاجأة من خلال رصد التحركات واستقراء نمط العمليات المعادية، وتجنب استدراجها في مواجهات غير متكافئة في هذه الفترة الحاسمة». يضاف إلى ذلك «تنفيذ استراتيجية إعادة التموضع لتشتيت إحداثيات غرفة العمليات المشتركة ببغداد»، وإنشاء «غرفة عمليات سورية مشتركة»، حيث تمثل عملية إغلاق غرفة العمليات المشتركة في الأردن (الموك) فرصة سانحة لإنشاء غرفة عمليات سورية تعزز مفاهيم الأمن الوطني، وتمنح فصائل المعارضة ما تحتاجه من شخصية اعتبارية في المعادلة الإقليمية، وذلك من خلال تبني استراتيجيات «إدارة الأزمة»، واتباع وسائل احترافية لتبادل المعلومات، ورسم الخطط، وتقدير الموارد المطلوبة، وتوظيف مصادر القوة الكامنة بمختلف أبعادها، ووضع ذلك في إطار قالب تطبيقي يستوعب التحولات الإقليمية والدولية وآليات توظيفها في إفشال خطة التدخل الخارجي.

كذلك أوصى زين العابدين «بإعداد خطة للمحافظة على (المكتسبات الاستراتيجية) عبر تحديد الأولويات، وتنفيذ عمليات الإخلاء، وتنسيق خطط الكرّ والفرّ، وإعادة التشكل في إطار المحافظة على البؤر الاستراتيجية التي اكتسبتها المعارضة، ومن ثَم التوسّع في مناطق (الخاصرة الرخوة) التي لا تصل إليها ميليشيات المرتزقة ولا تطالها عمليات القصف الجوي». وذلك فضلاً عن «التركيز على العمليات النوعية والضربات الموضعية في المناطق الآمنة للنظام من خلال شن عمليات نوعية تطال النظام في مقراته الآمنة وتستثمر مشاعر السخط في صفوف خزانه البشري وخاصة في قلب العاصمة ومحيطها، فضلا عن محافظتي اللاذقية وطرطوس».

* البعد السياسي للتدخل

الواقع أن التدخل الروسي، لا يحمل مؤشرات عسكرية حصرًا. فثمة بعد سياسيّ، سوري ودولي، للانخراط الروسي المباشر في الحرب السورية.

على الصعيد السوري، يتوقع المعارضون أن هناك «خطة حل» أو مقترحات لحل سياسي لدى فلاديمير بوتين، يكشف عنها بعد العمل العسكري. وحسب رأي العايد «يبدو أن هناك في جيب بوتين مبادرة وخطة حل، سيقوي موقف حليفه قبل عرضها للتفاوض»، معتبرًا أنه «غالبًا لا يتمتع بدور الرعاية والإقدام لتنفيذها حتى الآن، وليس واضحًا حتى الآن حدود تدخله، وبعدها يعرض الخطة»، ولفت العايد إلى أن القيادة الروسية «بانتظار أن تنتهي من المرحلة العسكرية الأولى، ويعرض فكرته وتصوره، وهو الهدف الذي يأتي لأجله».

أما على الصعيد الدولي، فإن خطوة روسيا تأتي في لحظة «تراخٍ أميركي»، كما يقول معارضون، إذ كثف الروس وجودهم العسكري في سوريا، «بعد سحب حلف الأطلسي بطارية صواريخ باتريوت موجودة في أضنة التركية»، كما ورد في دراسة «التدخل الروسي في سوريا: المخاطر والفرص الكامنة». وأشارت إلى أن الدفاعات الجوية المتطورة التي نصبها الروس في قاعدة «حميميم»، مثل صواريخ أرض – جو SA15 وSA22. لا يمكن أن تكون موجهة ضد تنظيم داعش المتطرف الذي لا يملك أي مقاتلات أو منظومات دفاع صاروخي، بل إن الهدف الفعلي من نصب هذه هو إنشاء «منطقة عزل جوي» في المنطقة بالتزامن مع سحب حلف شمال الأطلسي (ناتو) دفاعاته الصاروخية، ومبادرة واشنطن إلى سحب بطاريات صواريخ «باتريوت» من منطقة أضنة، بجنوب تركيا، تحت ذريعة تحديث هذه البطاريات، ومن ثم سحب حاملة الطائرات الوحيدة «ثيودور روزفلت» تاركة المجال الجوي لمنطقة شرقي المتوسط بأسره للطيران الروسي.

المدير التنفيذي لمركز «عمران للدراسات» الدكتور عمار القحف قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه «من الواضح أن الدور الأميركي زاهد في الشرق الأوسط، والروس حاولوا استغلاله». وشدد على أن ما تسعى له موسكو «هو إعادة لنفوذها إلى المنطقة بشكل نوعي وجديد»، على قاعدة أنه «لا يصارع الوجود الأميركي، بل يثبّت دوره في بلد هو ضمن الحلف الروسي تاريخيًا».

وتابع القحف أن السياسية الأميركية اليوم «زاهدة، مقابل الموقف المتقدم لدول أخرى في الأزمة السورية، مثل دول الخليج العربي ودول غربية أخرى، كون واشنطن، لا تدعم ولا تعارض، بل تراقب، من غير أن تدخل إلى دائرة التأثير المباشر».

وهنا يرفض القحف القول إن الروس اليوم «ينافسون الوجود الإيراني ويحاولون تقويضه»، مؤكدًا أن الروس «لا يحاربون النفوذ الإيراني، بقدر ما هم يسيطرون على الجوّ، ويواكبون التحرك الإيراني على الأرض». كذلك رأى أن الروس اليوم «يضربون فعليًا كل من يحارب (داعش)، وليس معارضي الأسد، كون الفصائل التي يضربونها تحارب (داعش)، وهي مدعومة من الجهات الإقليمية والغرب، وعمليًا، يضعون أنفسهم في مواجهة غير مباشرة مع هذه الدول».

في المقابل لمس القحف «إشارات إيجابية في الوسط السياسي والعسكري السوري المعارض» على ضوء اتخاذ الفصائل، ما عدا المتطرفين، لأول مرة، موقفًا سياسيا يتطابق مع موقف الائتلاف الوطني، قائلا إنه «يتضمن نقلة نوعية بالعمل الجماعي، ويمثل بلوَرة لمستقبل إداري، كون أن جزءًا من الموقعين يمثلون فصائل الداخل ويمارسون دور الدولة البديلة». وأشار إلى «بوادر اتحاد نظرًا إلى أن هناك مفاصل تديرها المعارضة تساهم في توحيد الفصائل وتبني لتحالف سياسي قادم بدعم دول المنطقة، وتغيير موازين القوى على الأرض».

روسيا في سوريا: خلط أوراق عسكرية: توحد بندقية المعارضة/ غاندي المهتار

هذه روسيا، شاءت أم أبت، تغوص في الرمال السورية من دون أن تدري، فها هي البنادق المعارضة تتوحد ضد الروس، معززة بتهديد سعودي علني بمد المعارضة بالسلاح النوعي. فهل يصل خلط الأوراق العسكرية إلى “صفر” سياسة؟

بيروت: تلقى الحلف الروسي-الايراني، بمشاركة حزب الله وما بقي من قوة لنظام بشار الأسد، أول صفعة له في ريف حماه، حين تصيد عناصر الجيش الحر بصواريخ تاو الأميركية 18 دبابة هي طليعة القوة المهاجمة التي حشدها الإيرانيون كي يستعيدوا –تحت مظلة الطيران الروسي الحديث – مواقع خسرها النظام تعد استراتيجية لحماية سوريا المفيدة، أي الساحل السوري العلوي ودرّته القاعدة الروسية في طرطوس.

كانت مجزرة الدبابات في ريف حماه كفيلة بأن تردّ التمدد الروسي-الإيراني على أعقابه، ولو موقتًا، ليعود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى مناوراته السياسية، بعدما أدرك – أو أقنعوه – ولو موقتًا أيضًا بأن سوريا هي فعلًا أفغانستان أخرى، وبأن الحذر واجب على الطريقة الأميركية بعدما أبى الرئيس الأميركي باراك أوباما أن تتحول سوريا الى فيتنام أخرى.

توحد الفصائل: 6 آلاف مقاتل

تصديقًا على ذلك، اُعلن مساء الجمعة عن تشكيل “جيش الشام” في أرياف إدلب وحماة وحلب، بقيادة محمد طلال بازرباشي الملقب بـ “أبو عبد الرحمن السوري”، القيادي البارز السابق في حركة أحرار الشام الإسلامية.

يضم جيش الشام عددًا من قادة حركة أحرار الشام والجيش السوري الحر، بالإضافة إلى مجموعات صغيرة لا تتبع لفصائل كبيرة، يُقدر عددها بنحو 6 آلاف مقاتل، وفقًا للقيادي أبو العباس الشامي، الذي يقول الناشطون إنه بمثابة الأب الروحي لجيش الشام.

وفي أول بيان، قال جيش الشام إن شعاره سيكون “ثورة على الطغاة والغلاة”، أي أن هدفه هو قتال النظام السوري وتنظيم داعش، معلنًا رفع علم الثورة السورية بدلًا من الرايات التي ترفعها بقية الفصائل. وفاجأ جيش الشام الجميع بتحريره قرية تل سوسين بريف حلب في اليوم الأول من إعلان تشكيله، وقال عبر حسابه الرسمي على تويتر: “جيش الشام في أولى معاركه يزف إليكم خبر تحرير تل سوسين بريف حلب من كلاب داعش، بالاشتراك مع أحرار الشام والجبهة الشامية وفيلق الشام”، وهذه أول ثمرة لتوحيد بندقية الفصائل المقاتلة، والتي يتوقع المراقبون أن يتسع نطاقها في خطوة فرضها “الغزو” الروسي للأراضي السورية المحررة.

وبذلك، ثمة خريطتان تبحثان في سوريا، سياسية بجانب أخرى عسكرية، تحاول موسكو فرضهما معًا بسطوة طائرات سوخوي الحديثة.

في هذا الاطار، نقلت وكالة آكي الإيطالية للأنباء عن مصادر مطلعة على اتصالات تتم بين مسؤولين روس وضباط منشقين على النظام السوري، تأكيدهم أن روسيا عرضت على أحد كبار الضباط استلام منصب وزير الدفاع في سوريا، لكنه رفض الأمر نهائيًا.

وقالت المصادر إن روسيا تناقش منذ نحو ثلاثة أشهر “تشاركية في إطار مجلس عسكري مشترك بين النظام والمعارضة”، لكنها تصطدم برفض كبار الضباط المنشقين وجود أي صلاحيات عسكرية أو أمنية بيد الأسد، وإن الضابط المنشق رفض المنصب العسكري الحكومي الرفيع ضمن “حكومة وحدة وطنية”، مشددًا على أن أي خطوة عسكرية مشتركة لا يمكن أن تتم طالما بقيت صلاحية عسكرية بيد الأسد أو كبار ضباطه، معربًا عن موافقته بالنيابة عمن يمثلهم على أن يضم المجلس العسكري موالين للنظام لم تتلطخ أيديهم بالدماء وتضمنهم روسيا، ليس بمقدورهم اتخاذ أي قرار عسكري أو أمني منفرد من دون موافقة ضباط المعارضة.

وأكدت هذه المصادر، التي تحفظت على ذكر اسم الضابط المنشق، أن روسيا تناور للتهرب من هذه الشروط بلا جدوى، وأن ثمة توافقًا أوروبيًا أميركيًا على هذه الخطة وعلى الشخصيات التي ستمثل المعارضة السورية في المرحلة الانتقالية.

هذه الاتصالات الروسية تشمل، بحسب مصادر المعارضة، العميد مناف طلاس، أحد قيادات الحرس الجمهوري الذي كان مقربًا من الأسد قبل أن ينشق عام 2020 ويغادر سوريا. وطلاس لم ينضم إلى أي مجموعة معارضة منذ مغادرته سوريا، وهو يلتزم الصمت في شأن الاتصالات الجارية، وأبدى في اتصال مع “النهار” اللبنانية تفاؤله بالمستقبل، مكتفيًا بالقول إنه “ضمن المشروع الجديد لسوريا”. إلا أن أحدًا لم يؤكد إن كان طلاس هو نفسه من رفض العرض الروسي آنف الذكر.

إطمئنوا! لن يستخدمها

وفي إطار العروض الروسية المستمرة، وبحسب الرأي الكويتية، قال الصحافي الإسرائيلي إيهود يعاري إن روسيا عرضت على إسرائيل المشاركة في تحالفها الشرق أوسطي ضد داعش، ويضم إيران والعراق والأسد وحزب الله.

وتضيف الرأي: كتب يعاري في مطالعته أن الروس عرضوا على إسرائيل إدارة حقول الغاز في مياهها الإقليمية، وقدموا للإسرائيليين ضمانات عسكرية مفادها أن حزب الله، الذي يملك صواريخ أرض-بحر روسية من نوع ياخونت، يبلغ مداها 300 كيلومتر، لن يهاجم منشآت الغاز البحرية الإسرائيلية”.

ولفتت الصحيفة إلى أن إيعاري يعمل حاليًا محللاً للقناة الثانية الإسرائيلية، كما يقدم المحاضرات حول العالم. وقد أجرى مقابلات مع قادة عرب كالرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، والملك الأردني الراحل حسين بن طلال، والرئيس المصري السابق حسني مبارك وعدد من رؤساء الوزراء الإسرائيليين والرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، كما أجرى تغطيات صحافية من عواصم عربية، بينها بيروت.

وعلى المحور الجيوبوليتيكي، تلفت صحيفة فايننشال تايمز الأميركية إلى تزايد دعوات السنة للسعودية ودول الخليج بالتحرك دعمًا للمعارضة السورية التي تتعرض للغارات الروسية، غامزةً من قناة بيان رفعه 55 عالمًا سعوديًا دعوا فيه إلى الجهاد ضد الروس في سوريا، واتهموا فيه موسكو وإيران وحزب الله بدعم نظام الأسد في قتل الشعب السوري وتدميره.

وبحسب فايننشال تايمز، قال تيودر كاراسبيك، كبير مستشاري “غالف ستيت أنالاتيك”، وهي مؤسسة للاستشارات وتقدير المخاطر السياسية: “ستأتي كلمات السعودية بلا أفعال بشأن النشاطات الروسية في سوريا، فالرياض تحتاج إلى تركيز جهودها في حرب اليمن”، رغم تحذيرات وزير الخارجية السعودية من أن بلاده ستزود المعارضة السورية بسلاح نوعي.

الأكراد مع “دولتهم”

وبما أن الجميع قلب أوراقه وأظهرها، بقي أن يفهم موقف الأكراد. وفي هذا الاطار، نشر معهد واشنطن تقريرًا أعده فابريس بالونش، قال فيه إن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا سيتعاون مع دمشق وموسكو في الشمال السوري، إذا استمرت تركيا والولايات المتحدة في منع توحيد الأكراد في دولة واحدة، “إذ أصبح واضحًا أن هدف موسكو في سوريا هو حماية الأسد، وتعزيز نفوذها على ساحل المتوسط، وهي تستطيع تحقيق هذين الهدفين حتى لو لم يتبقّ للأسد سوى الساحل العلوي. فعلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يدفع بجنوده إلى داخل البلد، وبالذات حلب، إذا أراد أن يحفظ مكانه وسط رقعة الشطرنج السورية، لأن خسارة الأسد كل حلب تضعف وضعه التفاوضي”، علمًا أن حلب هي بوابة مهمة للأكراد إلى تركيا وشمال سوريا.

يضيف بالونش: “يسيطر النظام على ثلث حلب، وتتصل المنطقة ببقية المناطق التي يسيطر عليها النظام بممر ضيق محاصر من الشرق من داعش، ومن الغرب من النصرة، وليكسب الأسد معركة حلب عليه أن يتحالف مع حزب الاتحاد الديمقراطي، الحريص بدوره على ربط الجيوب حول كوباني وعفرين، وفتح ممر للشيخ مقصود، أي الحي الكردي الحلبي”. وقد أبدى صالح مسلم، زعيم الحزب، رغبةً في إقامة تحالف مع الأسد وروسيا لتحقيق هذا الهدف.

وبحسب التقرير، أبلغت تركيا حزب الاتحاد الديمقراطي رفضها أن يتمدد غربًا بعد كوباني، وأي هجوم كردي كهذا سيكون خرقًا للاتفاق مع أميركا، التي لا تريد أن يسيطر الحزب على جرابلس وأعزاز.

يضيف بالونش: “مستحيل ألا يستغل الأكراد السوريون هذه الفرصة، فكثير منهم يعتقد أنها فرصة تاريخية قد حانت لتوحيد المناطق الكردية”.

مخاوف روسيا التقليدية من السُنّة تدفعها لدعم التحالف الشيعي

ترجمة وتحرير فتحي التريكي – الخليج الجديد

يسعى العالم السني إلى تسريع هجومه المضاد في وجه التدخل الروسي في سوريا. ومع محدودية الخيارات، فمن المرجح أن يقدم السنة المزيد من الموارد للمتمردين الإسلاميين الذي يقفون في وجه قوات النظام السوري.

معركة الثأر الدموي بين السنة والشيعة في سوريا سوف يتم تعميقها بسبب الهجمات الروسية. في الأيام الأخيرة، دعا عشرات من رجال الدين الإسلامي السعوديين العالم الإسلامي إلى « تقديم الدعم المادي والمعنوي والسياسي والعسكري للجهاد» ودعم الحرب المقدسة ضد الحكومة السورية ومؤيديها الإيرانيين والروسيين.

ويقارن بيان رجال الدين حول الدور الروسي اليوم بموقفهم إزاء التدخل السوفيتي في أفغانستان عام 1980. الأمر الذي دفع إلى ظهور الجهاد الدولي والانسحاب النهائي للقوات السوفيتية في نهاية المطاف.

الإعلامي السعودي البارز «جمال خاشقجي» الذي يرأس قناة إخبارية يملكها أحد الأمراء السعوديين نشر مقالا في الأسبوع الماضي على موقع قناة العربية الإخبارية وصحيفة الحياة اللندنية أشار خلاله إلى أن «المملكة العربية السعودية لن تحتمل النصر الإيراني في سوريا»، وحدد «خاشقجي» اثنين من الخطوط العريضة أمام السعوديين: أولا، تعزيز الدعم للمعارضة الإسلامية، باستثناء «الدولة الإسلامية» و«جبهة النصرة» التابعة لتنظيم القاعدة. ثانيا، استخدام الدبلوماسية لخلق دعم دولي لموقفها ضد التحالف (الشيعي) الإيراني الروسي في سوريا.

الروس لا يدعمون فقط التحالف الشيعي الذي تقوده إيران والذي يتضمن نظام الرئيس السوري «بشار الأسد»، ولكنهم أيضا يدعمون الأقليات غير السنية الأخرى في المنطقة التي تشعر بأنها مهددة من قبل موجة الصعود السني في أعقاب الربيع العربي.

قامت صحيفة «المونيتور» في وقت سابق من هذا الشهر بإجراء مقابلة مع أحد الزعماء الأكراد السوريين الذي أظهر ارتياحا للتدخل العسكري الروسي في سوريا.

وقال «صالح مسلم»، الرئيس المشارك لحزب الاتحاد الديمقراطي، أن روسيا «سوف تمنع التدخل التركي، ليس للدفاع عنا (أي الأكراد)، ولكن دفاعا عن الحدود السورية».

معركة وجودية مع الإسلام السني

«أرولد رود»، وهو زميل بارز في معهد «جاتستون» ومقره في نيويورك، والمستشار السابق في وزارة الدفاع قال لـ«جيروزاليم بوست» يوم الأربعاء أن الروس يعتقدون أنهم في معركة وجودية مع الإسلام السني. وقال إن «بوتين» قد أخبر العديد من الزعماء الأجانب أن يعتبر نفسه حاميا للثقافة الروسية.

«ثلث عدد سكان روسيا هم من المسلمين» وفقا لـ«رود». وبعضهم مقيمين بصورة غير قانونية. الروس لديهم معدل المواليد أقل من معدل المواليد المسلمين في البلاد والذي يتراجع أيضا ولكن بمعدل أبطأ من الروس. واحدة من طرق روسيا في التعامل مع هذا الأمر هي تشجيع مسلميها من الاتحاد السوفيتي السابق الذين يهاجرون إلى روسيا على التحول إلى المذهب الشيعي وهو ما قد يشيع فتنة بين المسلمين والروس.

معظم السكان المسلمين الروس هم من أصل تركي، وكذلك المسلمين الأيغور في الصين، العلويون السوريون، وإيران و«حزب الله»، والأكراد والأقليات الأخرى في الشرق الأوسط، بما فيها إسرائيل، «كلها تسبح في بحر السنة».

يلاحظ «رود» أيضا الغالبية العظمى من الأكراد هم من السنة ولكنهم لا يزالون ينظرون إلى العرب السنة والأتراك كتهديد لهم.

وفي هذا السياق، كما وضح «رود»، يمكننا أن نفهم تعاون روسيا مع الائتلاف الشيعي بقيادة إيران.

منطقة «الأسد» العلوية حول معقله في اللاذقية هي المنطقة التي اختارها الروس لبناء قاعدتهم العسكرية في سوريا. هناك بعض السنة في المنطقة الساحلية، التي هي وطن العلويين التقليدي. لا يمانع الروس ولا العلويون إذا ذهب هؤلاء السنة إلى أماكن أخرى تاركين هذه المنطقة حصرا للعلويين. «هذا يعني أن الروس لديهم الآن حليف استراتيجي ضد العدو المشترك، أي السنة».

الأكثر من ذلك، فإن التوغل الجوي الروسي في المجال التركي يوم السبت كان يحوم حول محافظة هاتاي، وهي محافظة تركية علوية إلى حد كبير، حيث يقطن بها أقارب العلويين السوريين.

تتنازع كل من تركيا وسوريا منذ فترة طويلة على هذه المحافظة. «كان هذا تحذيرا واضحا من روسيا لتركيا بعدم التدخل مع الأهداف العسكرية الروسية في سوريا».

خيارات سعودية محدودة

وفيما يتعلق بالموقف السعودي، أشار «رود» إلى قيامهم بتعزيز الجهاد في الخارج في مقابل الحصول على دعم من المؤسسة الدينية في البلاد. في حين أن السعوديين مولوا الجهاد ضد الاتحاد السوفيتي السابق في أفغانستان خلال حقبة الثمانينيات، فإن الفارق الآن هو أن هناك المزيد من الجماعات الجهادية، ويبدو أن السعوديين قلقين من أن يصبحوا هم أنفسهم هدفا لأنشطتها.

في عام 1979، قامت عائلة آل سعود بعقد اتفاق مع المؤسسة الدينية الوهابية مفاده أن تقوم العائلة المالكة بتمويل الجهاد خارج البلاد مقابل عدم تشجيع الجهاد ضد النظام السعودي داخل البلاد. ولكن الجهاديين عادوا الآن ليطاردوهم. وتخشى السعودية حال انتصار الجماعات السنية الأصولية في سوريا من أنها قد تستخدم سوريا حينئذ كقاعدة لتهديد النظام السعودي. وأضاف «رود»: «هذا هو السبب في أن السعوديين يقومون بدعم من يصفونهم بالمعارضة السنية المعتدلة في سوريا».

«روسيا الآن تهاجم المعارضة السنية المعتدلة المدعومة من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة .. يبدو الأمر كتحذير للمملكة العربية السعودية بعدم التدخل في الشؤون الروسية».

وردا على سؤال حول إذا ما كانت الجماهير السنية، التي يفوق عدد كبير من قوات التحالف الإيرانية الشيعية في سوريا، من شأنها أن تطيح في النهاية بـ«نظام الأسد»، أجاب «رود» أن القوة هي ما يهم في النهاية وأن «الروس ليس لديهم مشكلة في قصف المدنيين والقيام بأي شيء ضروري لتحقيق أهدافهم». «بوتين لا يعبأ كثيرا بردود الأفعال والانتقادات الدولية مثل إسرائيل».

وبالتالي، يشكك «رود» في أن النظام السوري العلوي سوف ينهار في أي وقت قريب وأن روسيا سوف تمنع ذلك من الحدوث. «قد يكون الأسد قد صار ورقة مستهلكة ولكن ليس النظام العلوي. وهذا هو واحد من أهم الأسباب التي تدعو الروس لدعم العلويين».

«ديفيد أندرو واينبرغ»، المتخصص في شؤون الخليج وزميل بارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، قال في تصريحات لنا أن هناك حاجة ماسة لامتلاك نظرة مستقبلية. «منذ فترة شهرين فقط كان الكثير من المراقبين يتوقعون أن المملكة العربية السعودية سوف تندفع في استجلاب الأسلحة من روسيا بدلا من الاستمرار في الاعتماد على الحماية الأمريكية».

« وفي حين أن نجل الملك السعودي تعهد بحزمة جديدة من الاستثمارات في روسيا، فإن زيارة العاهل السعودي المنتظرة لروسيا لم تحدث أبدا». يتوقع المحللون الآن اتجاها معاكسا بالكلية وهو أن المملكة العربية السعودية سوف تصعد بشكل كبير في مواجهة روسيا من أجل إسقاط «الأسد».

«إسقاط النظام في دمشق صار أكثر صعوبة على الرياض». ووفقا لـ«واينبرغ» فإن الرياض ليست مستعدة لمواجهة روسيا مباشرة بهذا الشكل. أما بالنسبة لرجال الدين السعوديين الذين دعوا لدعم الجهاد في سوريا في مواجهة العدوان الروسي هناك، قال «واينبرغ» أن الداعية الأبرز على هذه القائمة هو «ناصر العمر» وهو ليس مسؤولا رسميا في الدولة وهو مجرد شخصية بارزة تقتات على الفتات من قبول الدولة.

والتقى «العمر» أيضا الشهر الماضي مع «عبد المجيد الزنداني»، أحد معلمي «أسامة بن لادن»، والذي وقعت عليه عقوبات من قبل الولايات المتحدة والأمم المتحدة بتهمة تمويل تنظيم القاعدة.

ووقع «العمر» في وقت سابق على عريضة تأييد المجاهدين في ائتلاف الجبهة الإسلامية في سوريا ضد «المشروع الأمريكي الصهيوني والمشروع الصفوي الرافضي».

«عيران سيغال»، وهو باحث في مركز غزري لدراسات إيران والخليج في جامعة حيفا قال في تصريحات له أن السعوديين يبدون وكأنهم قد صاروا محاصرين.

«بعد أن فشلت في إقناع الولايات المتحدة بالتدخل، تمكن السعوديون من إنشاء التحالف الذي كاد يطيح بحكم الأسد، ولكنهم الآن يواجهون الروس»، وفقا لـ«سيغال».

على الرغم من المحاولات الأخيرة، فإن السعوديين لم يكونوا قادرين على الفوز بتأييد الروس إلى جانبهم.

«في ظل عجز الميزانية المتزايد بسبب انخفاض أسعار النفط، سيكون على السعوديين أن يقرروا إذا ما كانوا على استعداد لاستثمار المزيد من الأموال في سوريا».

المصدر | جيروزاليم بوست

سوريا.. بين الوضوح الروسي والغموض الأميركي/ خيرالله خيرالله

في ظلّ الوضوح الروسي والغموض الأميركي، هناك حلقة ضائعة. هذه الحلقة هي الشعب السوري الذي لم يعد هناك من يحسب له حساباً على الرغم من أنّه يبقى إلى إشعار آخر اللاعب الأساسي على الأرض السورية. إنّه اللاعب الأساسي على الرغم من تدفق الأسلحة والمقاتلين الروس والإيرانيين وعناصر الميليشيات الشيعية.

تعمل كلّ هذه القوى من اجل اقامة «دولة علوية« تحتكر لنفسها الساحل السوري.

كان ملفتاً أنّ التدخل العسكري الروسي جاء من دون أي اعتبار للواقع السوري الذي تعبّر عنه ثورة شعبية مستمرّة منذ ما يزيد على أربع سنوات ونصف سنة. هذه الثورة، التي لم تشهد مثلها أي دولة عربية هي ثورة حقيقية وصادقة قبل أي شيء آخر. إنّها تعبير عن رغبة شعب في استعادة بعض من كرامته. هذا الشعب لا يعترف بنظام جاء نتيجة انقلاب عسكري. لم تكن للنظام السوري أي شرعية من أيّ نوع في يوم من الأيّام. الأكيد أن الإيراني والروسي لن يتمكنا من إيجاد شرعية لا لبشّار الأسد ولا للذين يُعِدّونه للحلول مكانه في الوقت المناسب.

بعد أيّام على بدء التصعيد العسكري الروسي في سوريا، وهو تصعيد يستهدف الشعب السوري قبل أيّ شيء آخر، تبدو الصورة واضحة كلّ الوضوح. هناك تنسيق روسي – ايراني في العمق. هناك بكل بساطة توزيع للأدوار بين الجانبين اللذين يسعيان بمشاركة ميليشيا مذهبية لبنانية هي «حزب الله« من أجل خلق واقع جديد على الأرض السورية.

يشمل هذا التنسيق، الذي يتضمن توزيعاً للأدوار، اقناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بأن التطورات التي تشهدها سوريا، بما في ذلك وجود كلّ هذا العدد من الطائرات الروسية في منطقة الساحل السوري لا يمكن ان تشكّل أي خطر على اسرائيل. في المقابل، كان على نتانياهو اختبار وعود بوتين وان يؤكّد له أن بلاده لا يمكن ان تتهاون حيال كل ما من شأنه مسّ أمنها.

يبدو أنّ اسرائيل اختبرت النيات الروسية ومن خلفها النيات الايرانية، فوجّهت ضربات على مواقع محدّدة في الجولان لم يحصل أي ردّ عليها. كانت هذه الضربات التي جاءت مباشرة بعد زيارة نتانياهو لموسكو بمثابة دليل على ان التنسيق على خير ما يرام بين «حلف الممانعة« من جهة واسرائيل من جهة أخرى.

جاء التدخل العسكري الروسي المباشر في سياق خطة مرسومة وضعتها موسكو مع طهران. فالجنرال قاسم سليماني قائد «فيلق القدس« في «الحرس الثوري« الإيراني زار العاصمة الروسية مرّتين أخيراً وعقد اجتماعات مع العسكريين الروس بغية وضع الأسس للتنسيق بين الجانبين. كان هناك تعمّد للإعلان عن الزيارتين. اكثر من ذلك، إن معظم الطائرات الروسية التي تحط في اللاذقية ناقلة اسلحة ومعدات، تمرّ في الأجواء الإيرانية والعراقية وذلك لإثبات أن الحلف الروسي – الأميركي أقوى بكثير مما يعتقد.

ماذا يحصل الآن؟ هناك قوات ايرانية على الأرض، فضلاً عن قوات روسية لا تشارك في معارك برّية. وهناك اعادة تجميع للقوات السورية التي ما زالت موالية للنظام وللميليشيات التي انشأتها الأجهزة الأمنية وبعض النافذين. فضلاً عن ذلك، هناك مزيد من العناصر التي يرسلها «حزب الله« إلى الأراضي السورية. الهدف من ذلك كلّه، الإعداد لهجوم برّي يستعيد فيه النظام بعض الأراضي التي يحتاجها لتوسيع رقعة نفوذه وضمان قيام «دولة علوية« ذات امتداد في لبنان.

في اطار هذه الخطة، يلعب سلاح الجو الروسي دوراً يغطّي أي تقدّم على الأرض للقوات الإيرانية وتلك التابعة للنظام. ولذلك، كان أوّل ما فعلته الطائرات الروسية المرابطة في الساحل شنّ غارات على مواقع في مناطق قريبة من حمص وحماة وادلب تابعة لـ«الجيش الحر« ولتنظيمات اخرى معتدلة وليس لـ«داعش«.

ليس «داعش« في نهاية المطاف سوى مبرّر لمتابعة الحرب على الشعب السوري والسعي الى تصوير الثورة الشعبية في سوريا على غير حقيقتها وذلك خدمة لنظام طائفي امتهن مع حلفائه ممارسة الإرهاب بكل اشكاله منذ ما يزيد على خمسة واربعين عاماً، منذ ما قبل احتكار حافظ الأسد للسلطة في 1970.

في ضوء الموقف الأميركي المضحك – المبكي والتصريحات التي تتسم بالتناقض الصادرة عن المسؤولين الأميركيين، لا يمكن إلّا الاعتراف بأنّ الوضع السوري زاد تعقيداً. فالرئيس باراك اوباما، يتكلّم كقس بروتستانتي في قدّاس الأحد، ويبدو كأنّه يكتفي بالكلام الجميل عن الحرّية والديموقراطية والقانون الدولي، لكنّه يترك الأفعال لقيصر الكرملين الذي ينسّق كلّ خطوة من خطواته مع الجانب الإيراني. هذا الجانب الذي اثبت مرّة أخرى أنّه اخضع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي لمشيئته. فاذا كانت تصريحات العبادي في شأن التطورات السورية تدلّ على شيء، فإنّها تدل على أن رئيس الوزراء العراقي الحالي ليس، في احسن الأحوال، سوى نسخة أخرى أقلّ فجاجة بقليل من سلفه نوري المالكي.

سوريا إلى أين؟ ليس صحيحاً أنّ العالم كلّه، على رأسه تركيا، تخلى عن سوريا والسوريين. هناك بعض العرب الشرفاء الذين يرفضون الرضوخ لما تسعى إلى فرضه واشنطن وموسكو وطهران وحتّى بعض العواصم الأوروبية من بينها برلين حيث الكلام المستغرب الصادر عن المستشارة انجيلا ميركل.

كلّما زاد الوضع السوري تعقيداً، زاد وضوحاً. هناك من لم يضع البوصلة، لا لشيء سوى لأن القضية السورية قضيّة شعب أوّلاً. صحيح أنّ سوريا، ككيان، مهدّدة بالتفتيت، لكنّ الصحيح أيضاً أن بقاء شعلة الثورة السورية مضاءة منذ آذار/مارس 2020، لم يكن من باب الصدفة. يصعب ايجاد شعب قادر على الصمود بالطريقة التي صمد بها السوريون على الرغم من كلّ هذا الحصار المفروض عليهم ومن غياب القيادة الواعية. ما لا يستوعبه الروسي والإيراني أن ليس في الإمكان شطب الشعب السوري من المعادلة، حتّى لو باتت طموحاتهما محدودة ومحصورة بـ«الدولة العلويّة«… التي لا يمكن ان تقوم يوماً، وان كانت تحظى بمباركة اسرائيلية. لن تقوم هذه الدولة لسبب في غاية البساطة يتمثل في ان كل حملات التطهير الطائفي والمذهبي والضربات الروسية والغارات الجوّية لا يمكن أن تلغي الأكثرية السنّية في كلّ منطقة من المناطق التي يتألّف منها الكيان السوري.

روسيا وإيران: أصدقاء أو أعداء؟/ ألكس راول

قُوبل قرار روسيا البدء بضربات جوّية في سوريا ضد مقاتلين معارضين للرئيس بشار الأسد، ربما على نحو مفاجئ، بحرارة رسمية الأسبوع الماضي ليس فقط من قبل النظام السوري المحاصَر، بل كذلك من قبل داعميه الإقليميين، وعلى رأسهم إيران.

“تُرحّب إيران بجهود روسيا ضد داعش”، قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، مستخدماً اسمًا مختصرا للحديث عن تنظيم الدولة الاسلامية الذي يسيطر على معظم أجزاء سوريا الشرقية.

“الضربات الروسية في سوريا سوف تعزّز من قوة محور المقاومة في مواجهة المشروع التكفيري”، قال نبيل قاووق القيادي في حزب الله، الحليف العسكري اللبناني لإيران الذي حارب ثوار سوريا منذ عام 2020. “المعادلات التي اعتُمدت في سوريا اليوم كلّها لصالح محور المقاومة”، أضاف قاووق قائلاً، مشيراً الى الائتلاف المعارض لأميركا الفضفاض الذي يضم كل من إيران، وسوريا، و”حزب الله”، وفصائل إسلامية أخرى.

إلاّ أنّ تحت هذا التباهي بالانتصار، يعتقد بعض المراقبين بأنّ الصورة أكثر تعقيداً. إحدى الفرضيات ترى بأنّ السبب الحقيقي لتدخّل روسيا هو تنافسها الصامت مع إيران على المرتبة الأولى في المعسكر الموالي للأسد. وفي حين إنّ تحالف موسكو مع دمشق، الذي يعود إلى الحرب الباردة، هو أقدم من تحالف هذه الأخيرة مع طهران، فإنّ تأثير الدعم المالي والعسكري الأساسي من إيران لنظام الأسد منذ اندلاع الحرب السورية كان كبيرا جداً لدرجة أنّ العديدين رأوها بمثابة السيد الفعلي للبلد.

وعندما تم مثلاً عقد اتفاق لوقف اطلاق النار في آب بين ثوار ومقاتلين موالين للأسد في منطقتي القلمون وادلب، كانت طهران لا دمشق هي التي تفاوضت باسم سوريا. وقال دبلوماسي روسي سبق أن اتخذ من دمشق مقراً له إنّ هذه التطورات جعلت الأسد حذراً من الجمهورية الإسلامية، وممتنّاً لرؤية روسيا تُعيد التأكيد على موقعها.

وتتحدّث تقارير أخرى عن خلافات اضافية بين موسكو وطهران فيما خصّ مصير الأسد بعد الحرب، في حين يذهب بعض المحللين أبعد من ذلك، معتبرين أنّ روسيا الجريئة قد تعمل على الحد من طموحات إيران الاقليمية وحتى أن تفصل الأسد عن “محور المقاومة”.

وفي حين اعترف المحللون الذين تحدث إليهم NOW بأنّ ليس لدى روسيا التي- منذ عام 2020 دعمت فرض عقوبات مشددة على طهران في مجلس الأمن- أي أجندة مشابهة لأجندة إيران في الشرق الأوسط، فقد كانوا غير مقتنعين بأن تدخّل روسيا في سوريا سوف يكون على حساب السياسة الإيرانية.

“روسيا وإيران خصمان تقليديان. ثمّة منافسة خفية ما دائمًا في علاقاتهما. وبناءً على ذلك، لم تكن العلاقات بين حكومتي إيران وروسيا بهذا التقارب منذ 500 عام”، قالت آنا بورشكيفسكايا، من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط، مضيفة: “لا يزال هناك منافسة، ولكن عندما يتعلّق الأمر بسوريا، يبدو بأنهما يعملان بشكل متواز. لدى الإثنين هدف مشترك، هو ابقاء الأسد في السلطة”.

بدوره مايكل ويس، المساهم في تأليف كتاب “داعش: داخل جيش الرعب”، ورئيس تحرير صحيفة The Interpreter في معهد روسيا المعاصرة، والمساهم سابقاً في موقع NOW، يشكّك في اعتبار أن طهران وموسكو تتنافسان. ويقول ويس لـNOW: “صراحةً، أعتقد بأنّ روسيا تؤمّن غطاءً جوياً لا تستطيع إيران تأمينه، وإيران تؤمن القوى البرية، ويضيف: “من وجهة نظر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لديه أهداف بسيطة: هي البقاء على الأسد حياً، وملاحقة أي قوة معارضة لديها مصداقية على الأرض، مثل الجيش السوري الحر وغيره، والادّعاء بقصف داعش، ومنع الأميركيين من القيام بأي شيء يؤدي الى تغيير في الخطة […] ويريد القضاء على أي شيء يمكن أن يخرج الأسد من السلطة، على المستويين العسكري والدبلوماسي. وهذا ما لا أراه متعارضاً أبداً مع ما تريده إيران”.

وبعيداً عن هذه العوامل كلها، ترى بورشكيفسكايا بأنّ الاعتبارات الروسية الداخلية قد تكون مؤثّرة بقدر أهداف سياستها الخارجية: “يريد بوتين أن يظهر بمظهر القائد العظيم، كقائد قوي. وهو يقوم بذلك جزئياً لأنه غير قوي، فهو قائد ضعيف. الوضع الاقتصادي في روسيا فظيع، والوضع الاجتماعي يدور في دوّامة مفرغة، والقوات العسكرية تعاني من الكثير من المشاكل. وكافة هذه المشاكل الداخلية تعمل على إضعافه. فكيف له بأن يبقى في السلطة كقائد تعسّفي؟ إنه يشير الى أعداء خارجيين – أهمهم الولايات المتحدة”.

“وفيما خصّ الادعاء بأنّ روسيا تحاول الإبقاء على موقعها دبلوماسياً، أي ضمان حجز مكان لها على الطاولة عندما يتم أخيراً تقرير مصير سوريا”، كما قال أحد المحللين، يرى ويس على العكس من ذلك بأنّ موقع روسيا كعضو دائم في مجلس الأمن ليس معرضاً للتهديد.

“أي مؤتمر سلام افتراضي يحظى بأي نوع من الترخيص من مجلس الأمن هو بحاجة الى روسيا”، قال ويس، وتابع: “لن تكون إيران القوة المسيّرة لأي نوع من اتفاق إرساء السلام في سوريا. روسيا هي التي ستقوم بذلك، أقلّه وفقاً لمقاييس وزارة الخارجية الأميركية، ويُنظر إلى الروس بهذا المنظار منذ عام 2020”.

ويس ليس مقتنعاً كذلك بأنّ تقريراً واحداً في الأسبوع الماضي زعم تحقيق الروس نصراً على الثوار في ساحة المعركة السورية قد يدلّ على قرب خروج الأسد من السلطة. ويقول: “منذ خمس سنوات وأنا أسمع بأنّ روسيا ليست متمسّكة ببشار الأسد، وكل ما تريده هو مجرّد عميل، هي فقط تريد الحفاظ على مصالحها. لكن الحقيقة هي أنّ روسيا إذا لم تكن متمسكة بالأسد، لن يبقى الأسد رئيساً لسوريا. هل يمكن أن أتخيّل بعد سنوات بأنّ روسيا قد تأتي الى الولايات المتحدة وتقول: صحيح لقد دمّرنا المعارضة السورية بأكملها التي تشكّل تهديداً حقيقياً للأسد، والآن فلنتفاوض على شروط استسلام الأسد؟ لا”.

ألكس راول يغرد على تويتر @disgraceofgod

هذا المقال ترجمة للنص الأصلي بالإنكليزية

(ترجمة زينة أبو فاعور)

الدور العسكري الروسي بسوريا.. حسابات إيرانية/ حسن أحمديان

قبل بضعة أشهر لم يكن التدخل العسكري الروسي في سوريا متوقعا بالشكل الذي جرى. إلا أن تغييرات الساحة السورية أنهت تذبذب الروس وأتت بهم إلى الساحل السوري محملين بالسلاح والطائرات والسفن الحربية.

وبعيدا عن الأهداف الروسية التى اختلف حولها الكتاب والباحثون، ليس ثمة شك بأن الدخول الروسي بهذا الحجم سيأتي بتغييرات جدية على الأزمة السورية.

من هذا المنظور تتابع دول الشرق الأوسط ومنها إيران وتحاول فهم مدى تأثير الواقع الجديد على سياستها تجاه سوريا وتبعاته عليها. وباعتبارها أحد الأطراف المؤثرة في القضية السورية، لم تقلق الغارات الروسية الاستراتيجي الإيراني. سنحاول في هذه الورقة تقييم تأثير التطور المذكور على سياسة إيران السورية وتبعاته عليها.

تعتبر إيران دخول روسيا عسكريا ضد داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) والتنظيمات المسلحة الأخرى ترجيحا لكفة حليفها السوري في البُعد العسكري. وحسب العقلية الاستراتيجية الإيرانية، فإن الغارات الروسية تحمل ثلاثة أبعاد لا تخطئها العين في صالح سياسة إيران وحليفها السوري:

الموازنة الدولية: أولا يأتي التدخل الروسي للأزمة السورية بموازنة على المستوى الدولي، فطالما أدت الضغوط الغربية على النظام السوري إلى تشدد دول الشرق الأوسط المعادية له. بدأ ذلك مع خطاب الرئيس أوباما القائل بضرورة تنحي الأسد، والذي أدى بدوره إلى تمسك دول كتركيا والسعودية وغيرهما بخطاب متطرف لحل الصراع.

ومع دخول روسيا بشكل أكثر فاعلية في سوريا، اتضح للجميع أن هناك من يوازي الدور الغربي المعادي للأسد والداعم خطابيا لتنحيه، رغم ضآلة تدعيم ذلك الخطاب عمليا إلا بتسليح مجموعات ثبت عدم فاعليتها. بهذا المعنى، أدى دخول روسيا إلى إحداث موازنة دولية على المستويين الخطابي والعملياتي.

ومن المتوقع أن يكون لهذه الموازنة الدولية الجديدة أثر إقليمي أيضا، فالدول الإقليمية المعولة على الدور الغربي خيارا أمثل، تُدرك اليوم أن الغرب لن يجابه الروس لتحقيق هدف ما زال يتذبذب بشأنه بوضوح. ونتيجة لذلك، تعول طهران على عدول دول الشرق الأوسط الداعمة للمعارضة عن الخيارات الإقصائية كمقدمة لحل الصراع. فالموازنة اليوم لا تحتمل الشروط المسبقة للحل.

الموازنة الميدانية: إن إعادة الموازنة الميدانية للساحة السورية هو ثاني نتائج قيام روسيا بضربات جوية ضد التنظيمات المسلحة، فمنذ التغيير الذي طرأ على المعادلة السورية إثر تزويد المعارضة المسلحة بأسلحة نوعية وتوحيد صفوفها بمبادرة سعودية وقبول وتعاون تركي قطري، انحدرت إمكانية اللجوء للحلول السياسية. وأدركت روسيا في الوقت نفسه ضرورة الإمساك بأوراق ضغط فعالة إن كان سيُكتب لها النجاح في الإتيان بحلول سياسية للأزمة السورية.

وقد بحث الروس عن مراكمة رأسمالهم الاستراتيجي في الحوار مع الغرب عبر بوابة الشرق الأوسط السورية، وأتى تقدم المعارضة وإمكانية سقوط الأسد بموسكو إلى نتيجة فحواها أن الأوراق الروسية باتت تتساقط بسرعة، وإن لم يجر تدارك الموقف فستفقد آخر قاعدة لها في الشرق الأوسط وتفقد بالتالي أي إمكانية للتأثير على المعادلات الإقليمية.

وبعيدا عن الأهداف الروسية، تظل النتيجة واحدة: إعادة الموازنة الميدانية بعد الخلل الذي أصابها نتيجة إدخال كميات كبيرة من السلاح والمال إلى سوريا بعد التغير الذي حصل مؤخرا في سدة الحكم في السعودية. وقد يختلف المتابعون للوضع السوري حول جدوى الغارات الروسية والتغييرات التي ستُحدثها ميدانيا لصالح بقاء الأسد أو هزيمة أعدائه، إلا أن إعادة الموازنة الميدانية من النتائج المتوقعة له إن لم تكن قد تحققت حتى الآن.

الحد من الأعباء الاستراتيجية: يمثل تخفيف الأعباء الاستراتيجية لإيران وحلفائها ثالث النتائج لدخول المتغير الروسي إلى الصراع السوري، فقد ظهرت إيران بلباس الداعم الرئيسي للنظام السوري. ومن الواضح أن هذا الواقع ولد ضغوطا جمة على كل الصعد. فالمجابهات السياسية الإقليمية والدولية النابعة من الأزمة السورية أدت إلى زيادة دعم السعودية وتركيا وحلفائهما للمعارضة المسلحة بغرض ضرب الند الإيراني من جهة وزادت من الدعم -الخطابي على الأقل- للدول الغربية من خيار الإسقاط بالقوة من جهة ثانية.

كل ذلك زاد من حجم الأعباء الاستراتيجية على كاهل الاستراتيجي الإيراني الذي كان مُثقلا بالأساس بالملف النووي. وقد قلصت انفراجه اتفاق النووي من الأعباء الدولية، إلا أن زيادة الدعم للقوى المسلحة وتأسيس جيش الفتح، قلب موازين القوى في الشمال السوري وزاد الضغط على النظام السوري وحلفائه. وأدى ذلك بالتالي إلى تصلب موقف المعارضة -بشقيها المسلح وغير المسلح- و داعميها على حد سواء.

وزاد هذا الواقع بدوره من الضغوط على داعمي النظام السوري من جهة ومن تذمر روسيا -الحاضنة لحوار الحكومة والمعارضة المعتدلة- من جهة أخرى. وأتى التدخل الروسي بالتالي ردا على تغيير ميزان القوى وأعاد شيئا من الموازنة للمعادلة. فسوريا بعد دخول الروس تختلف عما قبلها وتعلم الدول الداعمة للخيار العسكري لإسقاط الأسد أن الوضع قد تغير. بهذا المعنى انحدر العبء الاستراتيجي على إيران وازداد الضغط في الوقت نفسه على دول الحل العسكري.

وما الحديث الروسي عن إمكانية توسيع العمليات لتشمل العراق والأردن ومصر إلا إشارة واضحة حول عزم موسكو التغلغل بمقاييس أكبر في ملفات الشرق الأوسط. الروس قادمون إذن للعب دور أكبر وأوسع من الساحل السوري. وعموما وحتى الآن لا تنظر إيران للتدخل الروسي إلا برضا وامتنان لإعادته الموازنات الدولية والإقليمية والميدانية ولتخفيفه الأعباء الاستراتيجية الثقيلة للأزمة السورية.

وبعيدا عن النتائج سالفة الذكر، يمكن تأطير تنامي الدور الروسي في سوريا والمنطقة بمنظور آخر هو زيادة قوة اللاعب الدولي على حساب اللاعب الإقليمي، فقد ازداد دور السياسة الإقليمية واللاعب الإقليمي على الحسابات الدولية ولاعبيها بعد الربيع العربي. وزاد تذبذب الغربيين بعد سقوط القذافي في صناعة هذا الواقع. بذلك أصبح اللاعب الإقليمي دون غيره يتحرك بحرية تجاه الملفات الإقليمية ويدعم ويمول ويسلح ويحاول رسم الواقع الجديد.

ولطبيعة موقف الولايات المتحدة النائي بنفسه عن تطورات الربيع العربي، تحمست حليفاتها لملء الفراغ بدعمها للمعارضة السورية المسلحة، كما ازداد دور حلفاء النظام السوري بدعمهم ووقوفهم أمام خيار أعدائه القائل بضرورة تنحيه، وأدى ضعف إدارة الأزمات على المستوى الإقليمي إلى تزايد الصراعات حدة واتساعا. لذلك يُشكل التحرك العسكري الروسي مدخلا لغلبة الطابع الدولي للأزمة السورية -وغيرها من الأزمات الإقليمية في المستقبل- على طابعه الإقليمي. وينحدر بذلك دور اللاعب الإقليمي.

ووفق مقولة شائعة لعلماء الجغرافيا السياسية، لا بد من الإتيان بحلول دولية للأزمات التي تأخذ طابعا جيوستراتيجيا، فلكل أزمة نطاق، ونطاق حل الأزمات الجيوستراتيجية لا يمكن أن يكون وطنيا أو حتى إقليميا. بذلك يمكن رؤية بصيص أمل لتقديم حل سياسي في سوريا بعد تصاعد دور اللاعبين الدوليين. يأتي ذلك نتيجة ضعف التعاون الإقليمي وتقديم الحلول الصفرية التي أتت في نهاية المطاف على دور اللاعبين الإقليميين.

إضافة لذلك وتبعا لتصاعد الدور الروسي والدولي بشكل عام على حساب الأدوار الإقليمية، من المتوقع حدوث صفقات حول القضية السورية. ولتراجع الدول الإقليمية عن لعب دور محوري، لن يملك اللاعب الإقليمي أدوات الضغط اللازمة لمقاومة المفروض دوليا. ويصدق هذا على منافسي إيران أكثر من طهران نفسها، إذ من المتوقع أن تهتم موسكو بأولويات طهران أكثر من اهتمامها أو اهتمام الأطراف الغربية بأولويات الرياض أو أنقرة مثلا.

وبعيدا عن هذا الواقع العام، يبقى السؤال قائما حول مدى قبول إيران بالسيناريوهات المطروحة بعد التدخل العسكري الروسي. تُدرك طهران أن الوضع السوري قد تغير على مر سنوات الأزمة وتطورت أولويات اللاعبين فيه توازيا مع هذه التغييرات. ومن الواضح أن إيران روحاني الظافرة باتفاق نووي على المستوى الدولي لا تبحث عن التصعيد على المستوى الإقليمي لسببين؛ الأول إبعاد الاتفاق النووي عن التأثر بالملفات الإقليمية، والثاني التخلص تدريجيا من أعباء السياسة الإقليمية. ويصب التدخل الروسي في صالح الهدفين.

لذلك ورغم ما يُثار في الإعلام، لم تعد قضية بقاء أو تغيير الأسد القضية المحورية اليوم، فالمهم لطهران كان إفشال مخطط إسقاط سوريا الأسد على يد أعدائها واستبدالها بنظام يعاديها وحلفاءها، أما الآن ومع الموازنة التي أضفتها روسيا على المعادلة، فستعد طهران أي حل سياسي عبر التفاوض، حتى لو حد من قوة حلفائها، مكسبا استراتيجيا يبني لدور إيراني أكثر نشاطا وأكثر تفاعلا مع الدول العربية.

بعبارة أخرى، يمكن تحديد هدف إيران المحوري اليوم بإيقاف الحرب السورية دون تسليم سوريا لأعدائها. وما الخطاب الإيراني الداعي لتقرير السوريين مصيرهم بأنفسهم إلا تعبير عن هذه الرؤية. بشكل عام يمكن تلخيص أهداف إيران في مرحلة ما بعد الدخول العسكري الروسي سوريا كالتالي:

– البناء على الموازنة الميدانية للدفع إلى واقعية أكبر في تعاطي المعارضة المسلحة مع النظام السوري للتوصل إلى حل سياسي.

– البناء على الموازنة الدولية للحد من التطرف الإقليمي تجاه إيران وحلفائها والأهداف المركزة ضدها بغية ضرب نفوذها.

– التركيز على ضرورة إيجاد فرص للحل السياسي الذي ستعده حكومة روحاني مكسبا استراتيجيا لها يدعم الاتفاق النووي.

– محاولة عدم الوقوف أمام الحلول الدولية القادمة على ألا تفرض على إيران وحلفائها.

بشكل عام، يتميز موقف طهران عن نظرائها ومنافسيها الإقليميين بالمرونة تجاه الروس، أصدقاء إيران المعتمدين، والدول الغربية، الشريكة لإيران في الاتفاق النووي. على هذا الواقع تعول طهران لإيصال أهدافها السورية إلى الحل النهائي.

وإن كان من المتوقع أن تحظى طهران كغيرها بجزء من المفروض دوليا على الإقليم في الملف السوري بعد أن بدأ إضعاف دور اللاعبين الإقليميين لصالح اللاعبين الدوليين، إلا أن الأبواب تبدو أكثر انفتاحا أمامها للاستمرار بالتأثير على الحل النهائي. هكذا يبدوا الوضع حاليا على الأقل رغم صعوبة توقع المستقبل.

تَساءل «لافروف» عن الجيش الحر.. فجاءه الرد «بمجزرة الدبابات/ حسن بن سالم

تصنيف وسطاء الفوركس 2020:
  • EvoTrade
    ☆☆☆☆☆
    ★★★★★
    EvoTrade

    الرائد في سوق الخيارات الثنائية!

  • FinMaxFX
    FinMaxFX

    أفضل وسيط فوركس لعام 2020!
    الخيار الأمثل للمبتدئين!
    تدريب مجاني!
    حساب تجريبي مجاني!
    مكافأة على التسجيل!

Like this post? Please share to your friends:
أرباح فوركس
Leave a Reply

;-) :| :x :twisted: :smile: :shock: :sad: :roll: :razz: :oops: :o :mrgreen: :lol: :idea: :grin: :evil: :cry: :cool: :arrow: :???: :?: :!: